ما حدث في أم الفحم لم يكن “خطأً مهنيًا” ولا “عملية أمنية غير دقيقة”، بل كان فعلًا قمعيًا مكتمل الأركان، نفّذته شرطة تتصرف وكأنها فوق القانون، وكأن كرامة المواطن العربي مباحة للدهس في أي لحظة. اقتحام حفل زفاف، وإجبار مئات الضيوف على الاستلقاء أرضًا، وإطلاق القنابل الصوتية وسط مناسبة فرح، ثم الخروج بلا أي دليل أو سلاح، ليس مجرد تجاوز؛ إنه إذلال جماعي متعمّد، يعكس عقلية سلطوية ترى في العربي مادةً سهلة للبطش.
هذه ليست حادثة منفصلة، بل جزء من نهج حكومي قمعي يتعامل مع المواطنين العرب باعتبارهم هدفًا مشروعًا للإهانة اليومية. نهج يتصاعد تحديدًا في فترات الانتخابات، حين تسعى قوى اليمين الحاكم إلى حشد التأييد عبر صناعة عدو داخلي، وتقديم العرب كتهديد يجب ضبطه بالقوة. إنها سياسة استعراضية تُستخدم فيها الشرطة كأداة دعاية انتخابية، لا كجهاز يفترض أن يحمي الناس. كل ذلك يجري بينما يتفاخر بعض القادة العنصريون بخطاب شعبوي يحرّض ويقسّم، ويحوّل حياة المواطنين العرب إلى مسرح لإظهار “الحزم” و“القوة”.
إجبار ضيوف حفل زفاف على الاستلقاء على بطونهم، بينهم قاصرون وطلاب جامعات وأفراد عائلات محترمة، ثم تفتيشهم بطريقة مهينة، دون السماح لهم بالحركة، ودون وجود أي إطلاق نار أو ألعاب نارية قبل وصول الشرطة، يكشف أن الهدف لم يكن الأمن، بل الإذلال. وعندما لا يُعثر على أي سلاح، تتعرّى الذريعة، وتبقى الحقيقة واضحة: هذه عملية انتقامية، لا عملية شرطية.
هذا السلوك يشكّل خرقًا صريحًا لأي عقد اجتماعي مدني، الذي يمنح الدولة شرعية استخدام القوة لحماية المواطنين لا لإهانتهم. الدولة التي تُذلّ مواطنيها تفقد شرعيتها الأخلاقية، وتتحول من إطار يحمي الحقوق إلى سلطة تُهدّدها. وما جرى في أم الفحم هو إعلان خطير بأن الشرطة مستعدة لتجاوز القانون، وأن المواطن العربي ليس في مأمن من تعسّفها حتى في لحظات الفرح.
ولأن ما حدث ليس “سوء تقدير”، بل انتهاك صارخ، فإن الحديث عن اعتذار هو تقليل من حجم الجريمة. المطلوب هو محاسبة كاملة لكل من شارك في اتخاذ القرار، ولكل قائد أشرف على العملية، ولكل عنصر نفّذ الإذلال. المطلوب لجنة تحقيق مستقلة، ومساءلة علنية، وإجراءات تأديبية حقيقية، لأن كرامة الناس لا تُرمّم ببيان اعتذار، بل بمحاسبة من اعتدى عليها.
على بلدية أم الفحم ورئيسها وأعضاء المجلس البلدي أن يطالبوا بالمحاسبة فورًا، لا بالاعتذار. وعلى وسائل الإعلام أن تتوقف عن الاكتفاء بنقل الخبر، وأن تمارس دورها المهني في كشف الحقيقة ومساءلة السلطة. أما أبناء شعبنا، فعليهم رفض جلد الذات؛ فهذه الحادثة واضحة وضوح الشمس، والمسؤولية فيها تقع بالكامل على الشرطة، لا على المجتمع.
سنواصل الفرح اليوم وغدًا، لأن الفرح في وجه القمع هو فعل مقاومة للعنصرية، ولأن كرامتنا لا تُستردّ بالصمت، بل بالمطالبة بحقّنا في حياة آمنة، محترمة، لا تُنتهك فيها كرامة الناس تحت أي ذريعة.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب