لم تكن الزيارة الثامنة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض زيارة بروتوكولية عادية فرضتها المشاركة في مراسم تشييع أحد أبرز نواب الكونغرس الأمريكيين ليندسي غراهام المعروفين بتأييدهم المطلق لإسرائيل، بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حمل معها رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز مراسم الجنازة إلى مستقبل الحرب على إيران، وإلى طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى الإقليمية والدولية. فالزيارة التي استغرق الإعداد لها أكثر من أسبوعين لم يكن هدفها الحقيقي المشاركة في مراسم التشييع، بقدر ما كانت محاولة من نتنياهو للحصول على لقاء مباشر مع الرئيس الأمريكي، بعدما كثرت الأحاديث خلال الأسابيع الأخيرة عن وجود شرخ فتور في العلاقة بين الرجلين، وعن تزايد الانزعاج داخل الإدارة الأمريكية من محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي التأثير في قرارات واشنطن المتعلقة بالحرب واستمرارها ضد إيران، إضافة إلى اعتراضاته العلنية على قرار الولايات المتحدة تزويد تركيا بطائرات F-35، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية تدخلاً في رسم سياستها الخارجية.
وزادت تلك الانطباعات بعد التصريحات التي أطلقها ترامب قبل الزيارة، والتي أكد فيها بصورة غير مباشرة أن السياسة الأمريكية تُصنع في البيت الأبيض، وليس في أي عاصمة أخرى، وأن تقديم النصائح أو الحديث عن معلومات استخباراتية تخص الولايات المتحدة في وسائل الإعلام لا يخدم العلاقة بين البلدين. ومع ذلك، نجحت الضغوط التي مارسها اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل واشنطن في ترتيب لقاء سريع وبروتوكولي بين الزعيمين، ليصبح هذا الاجتماع الحدث السياسي الأهم في الزيارة بأكملها.
وقد عكس برنامج الرئيس الأمريكي في ذلك اليوم طبيعة الرسائل التي أراد توجيهها. ففي صباح السابع والعشرين من يوليو/تموز 2026 استقبل ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لمدة ساعة كاملة، قبل أن يلتقي نتنياهو في اجتماع لم يستغرق سوى خمس وسبعين دقيقة، وانتهى من دون مأدبة غداء أو مؤتمر صحفي مشترك أو إعلان عن تفاهمات جديدة، وهو ما دفع كثيرًا من المراقبين إلى الاعتقاد بأن اللقاء كان أقرب إلى جلسة مراجعة استراتيجية منه إلى لقاء يهدف إلى إطلاق مبادرات سياسية جديدة.
ولم يكن لافتًا قصر مدة الاجتماع فحسب، بل أيضًا مستوى التمثيل الأمريكي فيه، إذ شارك نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع، ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية، ومستشار الأمن القومي، وعدد من كبار المسؤولين، في حين ضم الوفد الإسرائيلي نتنياهو ومستشاره العسكري، ورئيس مجلس الأمن القومي الجديد شموئيل عزرا، والسفير الإسرائيلي في واشنطن وعددًا من مستشاريه. ويعكس هذا الحضور الواسع رغبة الإدارة الأمريكية في أن يكون الاجتماع مؤسساتيًا، وأن تصل الرسائل إلى نتنياهو باعتبارها موقفًا موحدًا للدولة الأمريكية، لا مجرد موقف شخصي للرئيس، كما أنه يحمل دلالة واضحة على أن واشنطن أرادت أن تنفي الانطباع الذي ساد في الأشهر الماضية بأنها تتبنى جميع الرؤى الإسرائيلية المتعلقة بالحرب على إيران.
وتشير المعلومات التي تسربت بعد الاجتماع إلى أن الملف الإيراني احتل الجزء الأكبر من النقاش، حيث عرض الجانب الأمريكي تقييمًا شاملًا لمسار الحرب، مؤكدًا أن العمليات العسكرية وصلت إلى مرحلة يصعب معها تحقيق نتائج استراتيجية جديدة، وأن استمرارها بالوتيرة نفسها لن يؤدي إلا إلى استنزاف جميع الأطراف. ووفق هذه القراءة، فإن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة أصبحت محدودة، فهي إما أن تستمر في حرب الاستنزاف الحالية، أو تتجه نحو عملية برية واسعة قد تتحول إلى حرب طويلة ومكلفة يصعب التنبؤ بنتائجها، أو أن تبحث عن تسوية سياسية توقف المواجهة العسكرية وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاوض مع طهران.
أما نتنياهو، فمن المرجح أنه حاول الدفاع عن خيار استمرار الضغط العسكري، انطلاقًا من قناعته بأن أي تهدئة ستمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية والنووية، إلا أن المؤشرات توحي بأن الإدارة الأمريكية لم تعد تنظر إلى الحرب من الزاوية ذاتها، بل أصبحت تقيس كلفتها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية على الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يفسر التحفظ الواضح الذي أبداه كبار المسؤولين الأمريكيين تجاه أي مقترحات تؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة.
كما كشفت التسريبات عن اعتراف أمريكية بوجود نقص متزايد في مخزون الذخائر والصواريخ الدفاعية، وخاصة منظومات "باتريوت" و"ثاد"، وهي منظومات أصبحت ضرورية لحماية القواعد الأمريكية المنتشرة في العراق والأردن والخليج وإسرائيل. ويعكس هذا الاعتراف إدراكًا متزايدًا داخل واشنطن بأن أي تصعيد إضافي قد يفرض أعباءً عسكرية لا ترغب الإدارة الأمريكية في تحملها، خاصة في ظل التزاماتها الأمنية في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولا يقتصر القلق الأمريكي على الجانب العسكري، بل يمتد إلى المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية التي قد تنجم عن استمرار الحرب، إذ إن أي مواجهة مفتوحة ستجعل المنشآت النفطية والموانئ والقواعد العسكرية في الخليج أهدافًا مباشرة، الأمر الذي سيؤثر في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ويهدد استقرار الدول الخليج نفسها. وربما لهذا السبب لم يكن من قبيل المصادفة أن يزور وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان البيت الأبيض في اليوم التالي من زيارة نتانياهو، حاملاً رسالة واضحة تدعو إلى منع اتساع الحرب، محذرًا من أن استمرارها سيقود إلى أضرار جسيمة على أمن الخليج واقتصاده واستقراره.
ورغم كل هذه المؤشرات، سارع نتنياهو بعد انتهاء اللقاء إلى تقديم الزيارة للرأي العام الإسرائيلي باعتبارها نجاحًا سياسيًا جديدًا، مؤكدًا أن التنسيق مع الإدارة الأمريكية لا يزال قائمًا، وأن واشنطن لم تطالبه بالانسحاب من جنوب لبنان أو قطاع غزة أو شمال سوريا، كما لم تمارس ضغوطًا علنية عليه بشأن الضفة الغربية. ومن الواضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أراد استثمار هذه الرسائل في الداخل الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، في محاولة لتعزيز صورته بوصفه الزعيم القادر على الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة.
غير أن القراءة المتأنية لمجريات الزيارة توحي بأن الإدارة الأمريكية كانت أكثر حرصًا على تجنب الظهور بمظهر الداعم الانتخابي لنتنياهو، خاصة في ظل تراجع شعبيته وتصاعد المنافسة السياسية داخل إسرائيل. كما أن واشنطن بدت معنية بإعادة رسم حدود العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية، بحيث تبقى الشراكة الاستراتيجية قائمة، ولكن من دون أن تتحول إلى التزام أمريكي غير مشروط بكل الخيارات التي يطرحها نتنياهو.
وفي المحصلة، تكشف الزيارة الثامنة لنتنياهو إلى واشنطن أن الولايات المتحدة بدأت تنظر إلى الشرق الأوسط بمنظار مختلف، فهي لم تعد ترى المواجهة مع إيران مجرد معركة عسكرية، بل أزمة ترتبط بأمن الخليج، واستقرار الاقتصاد العالمي، وموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، في وقت تزداد فيه المنافسة مع روسيا والصين. أما إسرائيل، فما تزال تعتبر أن استمرار الضغط العسكري على إيران هو الخيار الوحيد القادر على تغيير موازين القوى في المنطقة. ومن هنا، يبدو أن التباين بين الحليفين لم يعد يتعلق بأهداف الحرب، وإنما بوسائل إدارتها وحدودها وكلفتها. ولهذا يمكن القول إن هذه الزيارة لم تكن مجرد لقاء سياسي عابر، بل محطة كشفت أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها استمرار التحالف، ولكن ضمن سقف تفرضه المصالح الأمريكية أولًا، وليس الحسابات الانتخابية أو الأمنية للحكومة الإسرائيلية وحدها.
المصدر:
كل العرب