كلما عاد الحديث عن إعادة تشكيل القائمة المشتركة، ينشغل الرأي العام العربي بالسؤال نفسه: هل ستنجح الأحزاب العربية في تجاوز خلافاتها هذه المرة؟ وهل سنشهد عودة الإطار الذي مثّل، في لحظة ما، عنوانًا للوحدة السياسية الفلسطينية في الداخل؟ لكن هذا السؤال، على أهميته، يخفي سؤالًا أكثر عمقًا وخطورة.
فالمشكلة لم تعد في إقامة المشتركة أو عدم إقامتها، بل في ما إذا كانت الأحزاب العربية ما تزال تملك فكرة جامعة قادرة على إقناع الناس بأن السياسة يمكن أن تكون أداة للتغيير، لا مجرد إدارة للخلافات.
لقد اعتدنا، خلال السنوات الماضية، على تفسير الانقسامات العربية باعتبارها خلافات حزبية أو شخصية أو انتخابية. غير أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن ما يجري اليوم أعمق بكثير من صراع على المقاعد أو ترتيب الأسماء.
إنه صراع على تعريف السياسة نفسها. ففي قلب الجدل الدائر بين منصور عباس وبقية الأحزاب العربية يقف سؤال لم يُحسم بعد: ما وظيفة العمل السياسي الفلسطيني داخل إسرائيل؟
هل هي تحسين شروط الحياة اليومية للفلسطينيين في الداخل عبر التأثير في مراكز القرار والحصول على الميزانيات والخطط الحكومية؟
أم أنها الحفاظ على البعد الوطني للقضية الفلسطينية ومواجهة البنية السياسية التي تنتج التمييز وعدم المساواة؟
في الظاهر يبدو أن السؤالين متعارضان.
لكن الحقيقة أن المجتمع العربي يحتاج إليهما معًا.وهنا تكمن المعضلة. لقد جاء مشروع منصور عباس السياسي حاملاً نقدًا ضمنيًا لتجربة طويلة من العمل البرلماني العربي. فالرجل طرح سؤالًا مباشرًا لا يمكن تجاهله: ماذا استفاد المواطن العربي من عقود طويلة من الخطابات السياسية إذا كانت الجريمة تتفشى، وأزمة السكن تتفاقم، والفجوات الاقتصادية تتسع؟كان ذلك سؤال الإنجاز.
وفي المقابل، طرحت الأحزاب الأخرى سؤالًا لا يقل أهمية: ما قيمة الإنجاز إذا جاء على حساب البوصلة الوطنية؟ وما معنى التأثير إذا كان ثمنه تآكل الخطاب السياسي الجامع للفلسطينيين في الداخل؟ كان ذلك سؤال الهوية.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد الخلاف بين الأطراف خلافًا على التكتيك، بل أصبح خلافًا على الرؤية.
بين من يخشى العزلة السياسية، ومن يخشى الذوبان السياسي. وبين من يرى أن المشكلة تكمن في غياب التأثير، ومن يرى أن المشكلة تكمن في طبيعة النظام الذي يُراد التأثير فيه.
لكن ما يغيب عن هذا السجال أن الطرفين يملكان جزءًا من الحقيقة. فالشعوب لا تعيش على الشعارات وحدها، كما أنها لا تعيش على الخدمات وحدها.
تحتاج إلى الكرامة كما تحتاج إلى الأمن. تحتاج إلى الهوية كما تحتاج إلى فرص العمل.تحتاج إلى الحلم كما تحتاج إلى الخبز.
ولذلك فإن اختزال النقاش في مفاضلة بين الوطني والمدني، أو بين الهوية والإنجاز، ليس سوى هروب من السؤال الأصعب: كيف يمكن الجمع بينهما؟
هنا تحديدًا تظهر أزمة الأحزاب العربية. فبعد سنوات طويلة من العمل السياسي، لم تنجح في إنتاج نموذج يجمع بين التأثير العملي والرؤية الوطنية في آن واحد.
إما خطاب وطني مرتفع السقف يفتقر إلى أدوات التأثير الكافية، أو براغماتية سياسية تثير أسئلة دائمة حول حدودها وأثمانها.
أما الجمهور، فقد بدأ يفقد ثقته بكلا النموذجين.ولعل هذا ما يفسر تراجع نسب التصويت، واتساع حالة اللامبالاة السياسية، والشعور المتزايد بأن الخلافات الحزبية لم تعد تعبر عن أولويات الناس الحقيقية.
فالمواطن العربي اليوم لا يسأل فقط من سيتصدر القائمة.
إنه يسأل: إلى أين نمضي؟
وهل تمتلك قياداتنا تصورًا لمستقبلنا الجماعي؟
أم أننا ندور في الحلقة نفسها منذ سنوات؟
من هنا، فإن إعادة تشكيل المشتركة ـ إذا حدثت ـ لن تكون إنجازًا بحد ذاته.فالتحالفات الانتخابية يمكن أن تُصنع خلال أسابيع.
أما الثقة فلا تُبنى إلا عبر مشروع سياسي واضح. وقد تستطيع الأحزاب أن تتفق على قائمة واحدة، لكنها لن تستطيع استعادة ثقة الشارع ما لم تتفق أولًا على معنى هذه الوحدة وأهدافها.
إن ما يحتاجه الفلسطينيون في الداخل اليوم ليس مجرد إطار انتخابي جديد، بل رؤية جديدة. رؤية تتجاوز الانقسام التقليدي بين المعارضة والتأثير، وبين الهوية والخدمات، وبين الوطني واليومي.
رؤية تقول إن الدفاع عن الهوية لا يتناقض مع تحسين شروط الحياة، وإن السعي إلى الإنجاز لا يعني التخلي عن الثوابت.
في النهاية، قد تعود المشتركة، وقد لا تعود.لكن القضية لم تعد قضية مشتركة. القضية هي ما إذا كانت السياسة العربية قادرة على تجديد نفسها وإنتاج أفق جديد لجيل بات أكثر شكًا من أي وقت مضى.
فالأمم لا تدخل أزماتها الكبرى عندما تختلف أحزابها. بل عندما تفقد القدرة على الاتفاق على فكرة جامعة لمستقبلها. وهذا، في تقديري، هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الفلسطينيين في الداخل اليوم
المصدر:
كل العرب