في لحظة سياسية تتسارع فيها التشريعات المثيرة للجدل، يبرز قانون الإعدام للأسرى كأحد أخطر القوانين التي تُطرح على طاولة الكنيست، ليس فقط بسبب طبيعته العقابية القصوى، بل بسبب الرسائل القومية التي يحملها في بنيته وتطبيقه. وفي هذا السياق، جاء قرار النواب العرب منصور عباس، وليد الهواشلة، وليد طه، سامي أبو شحادة، بالإضافة إلى عوفر كسيف بالانضمام إلى الالتماسات المقدّمة ضد القانون ليشكّل خطوة تتجاوز حدود الموقف السياسي التقليدي، وتلامس جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب.
إن هذا القانون، بصيغته الحالية، لا يقدّم عقوبة عامة تُطبّق على الجميع، بل يخلق منظومة عقابية ذات طابع قومي واضح، موجّهة عملياً نحو العرب دون غيرهم. ولذلك فإن انضمام النواب الخمسة إلى الالتماس ليس دفاعاً عن أفراد ارتكبوا جرائم، كما يحاول البعض تصويره، بل دفاع عن مبدأ قانوني أساسي: أن العقوبة يجب أن تُفرض على الفعل لا على الهوية، وأن القانون الجنائي لا يجوز أن يتحوّل إلى أداة تمييز قومي.
كما أن هذا القانون يعمّق الشرخ القائم أصلاً بين المواطنين العرب والدولة. فتمرير تشريع كهذا يرسل رسالة قاسية مفادها أن العربي، بمجرد انتمائه القومي، يصبح هدفاً لعقوبات استثنائية لا تُفرض على غيره. خطوة النواب العرب جاءت لتقول إن هذا المسار خطير، وإن استمرار التشريعات التي تُعيد تعريف العربي كـ “مشتبه دائم” سيؤدي إلى تآكل الثقة بين المجتمع العربي ومؤسسات الدولة، وهي ثقة هشة أصلاً.
ولا يمكن تجاهل أن القانون يُستخدم سياسياً أكثر مما يُستخدم قانونياً. فالأجواء السياسية الحالية تُظهر بوضوح أن بعض القوى اليمينية تتعامل مع القانون كأداة انتخابية لتعزيز خطاب “الحزم الأمني” وشيطنة العرب، لا كأداة عدالة. ومن هنا، فإن انتقال النواب العرب من المعارضة البرلمانية إلى المواجهة القانونية أمام المحكمة العليا هو محاولة لإعادة النقاش إلى مساره الصحيح، بعيداً عن المزايدات والتحريض.
وتأتي أهمية هذه الخطوة أيضاً من كون المحكمة العليا إحدى الساحات القليلة المتبقية لحماية الحقوق الأساسية في ظل التوتر المتصاعد بين السلطات. انضمام النواب الخمسة إلى الالتماس يمنح القضية وزناً سياسياً وقانونياً، ويؤكد أن المواطنين العرب ليسوا خارج اللعبة الديمقراطية، بل جزءاً منها، وأنهم يستخدمون الأدوات القانونية المتاحة للدفاع عن حقوقهم وحقوق جمهورهم.
كما أن هذه الخطوة تعزّز الدور السياسي للنواب العرب، الذين اختاروا ألا يكتفوا بالتصويت ضد القانون داخل الكنيست، بل قرروا الانتقال إلى مستوى أعلى من المواجهة، في خطوة تعيد تعريف دورهم من مجرد معارضة رمزية إلى فاعلين سياسيين يسعون فعلاً لتغيير مسار التشريع.
وفي النهاية، فإن قانون الإعدام للأسرى لا يهدد فقط الأسرى أو عائلاتهم، بل يهدد النسيج الاجتماعي كله. تشريع عقوبة إعدام موجّه قومياً قد يؤدي إلى تصعيد خطير في العلاقات بين العرب واليهود، ويزيد التوتر داخل السجون، ويعمّق الانقسام المجتمعي. ومن هنا، فإن خطوة النواب العرب ليست مجرد موقف سياسي، بل محاولة واعية لمنع انفجار اجتماعي قد تكون له تبعات خطيرة على الجميع.
إن انضمام منصور عباس، وليد الهواشلة، وليد طه، سامي أبو شحادة، وعوفر كسيف إلى الالتماس ضد قانون الإعدام هو خطوة تقول بوضوح إن العرب لن يقفوا متفرجين أمام تشريعات تمسّ حقوقهم ووجودهم، وإنهم جزء من المعركة الديمقراطية على شكل الدولة ومستقبلها. إنها خطوة مسؤولة، ضرورية، وتعبّر عن وعي سياسي عميق بأن حماية المبدأ أهم من مجاراة اللحظة.
المصدر:
كل العرب