آخر الأخبار

أسطول الصمود وفشل السلام الدولي

شارك

للمرة الرابعة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، تعود منظمات المجتمع المدني العالمية إلى محاولة كسر الحصار البحري والسياسي والإنساني المفروض على القطاع، عبر “أسطول الصمود” الذي بات يشكل رمزًا عالميًا للتضامن مع سكان غزة، الذين يعيشون واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
فمنذ أكثر من ثلاثين شهرا، يعيش القطاع تحت حصار خانق تتحكم إسرائيل من خلاله بكل المعابر البرية والبحرية والجوية، وتمنع بشكل فعلي دخول مقومات الحياة الأساسية، باستثناء كميات محدودة من المساعدات الإنسانية التي تصل عبر ترتيبات أمنية إسرائيلية معقدة عبر مصر، بينما تستمر المجاعة والدمار والانهيار الصحي في حصد أرواح المدنيين، وخاصة الأطفال وكبار السن.


وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل تسيطر اليوم على أكثر من 55% من مساحة قطاع غزة، وهي المناطق التي تسميها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية “المنطقة الصفراء”، أي المناطق العازلة التي تم إفراغها من سكانها الغزيين الأصليين وتحويلها إلى نطاقات عسكرية مغلقة. وبذلك أصبح أكثر من نصف القطاع خارج السيطرة المدنية الفلسطينية، في وقت يتعرض فيه السكان لعمليات قصف واغتيال يومية بدون تتوقف.
وخلال الأشهر الثمانية الأخيرة فقط منذ الإعلان عن “مجلس السلام العالمي”، اغتالت إسرائيل أكثر من 850 فلسطينيًا في عمليات عسكرية متواصلة، بالتوازي مع تدمير واسع للبنية التحتية المدنية والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء. وكان آخر تلك العمليات اغتيال عز الدين الحداد، القائد العسكري لحركة حماس في القطاع، بعد استهداف منزله في حي الرمال غرب غزة، في عملية عسكرية أكدت استمرار سياسة الاغتيالات حتى في ذروة الحديث الدولي عن التهدئة والسلام كما تم بعد أسبوع اغتيال القائد العسكري الجديد لحركة حماس محمد عوده مع زوجته وابنائه بقصف جوي استهدف بيته في حي الرمال.
لكن الأخطر من كل ذلك، فأن ما يجري في غزة يكشف بصورة واضحة فشل المشروع السياسي الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت عنوان “مجلس السلام العالمي”.
فهذا المجلس، الذي أُعلن عنه بدعم أكثر من عشرين دولة خليجية وإقليمية ودولية، كان يفترض أن يشكل إطارًا لإنهاء الحرب وإعادة إعمار غزة، وقد قبل الطرف الفلسطيني النقاط الامريكيا العشرين طرحت كأساس للحل، تشمل وقفًا طويل الأمد للحرب، وترتيبات أمنية جديدة، وخطة إعادة إعمار واسعة للقطاع.

وقد أُجبرت دول خليجية ودول أخرى على دفع مليارات الدولارات لصندوق إعادة إعمار غزة، وسط احتفالات وتصريحات سياسية ضخمة تحدثت عن “مرحلة جديدة للشرق الأوسط”. لكن المفاجأة الكبرى كانت أن هذه الأموال اختفت عمليًا من المشهد، ولم يظهر أي أثر فعلي لها على الأرض، في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية والاغتيالات بصورة أعنف من السابق، دون أن يسأل أحد أين ذهبت تلك الأموال، أو لماذا لم يُنفذ أي بند حقيقي من خطة مجلس السلام العالمي.
ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتانياهو، نجحت في استغلال تردد ترامب وانشغاله بالصراعات الإقليمية، وأقنعته بتحويل الاهتمام الأمريكي نحو المواجهة مع إيران بدلًا من فرض تنفيذ خطة السلام.
فبدلًا من ممارسة ضغط أمريكي على إسرائيل للانسحاب من غزة ووقف الحرب، جرى الدفع نحو تصعيد إقليمي واسع ضد إيران، الأمر الذي أدى إلى تجميد ملف غزة بالكامل، وتحويل “مجلس السلام العالمي” إلى مجرد عنوان إعلامي بلا أي تأثير فعلي.
وفي ظل هذا الفراغ السياسي، تصاعد نفوذ التيار اليميني المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، وخاصة الوزيرين ايتمار بن غفير وبيتصلئيل سموتريتش، اللذين أعلنا بصورة علنية أن الهدف النهائي للحرب هو تهجير سكان غزة إلى الخارج.
وقد تحدث سموتريتش مرارًا عن اتصالات مع دول مختلفة لاستيعاب عشرات آلاف الغزيين، بينما دفع بن غفير نحو تشريعات أكثر تطرفًا ضد الفلسطينيين، من بينها قوانين تتعلق بعقوبة الإعدام ضد الأسرى الفلسطينيين، وسط دعم كامل من الائتلاف الحكومي الإسرائيلي.

وفي المقابل، بقي الموقف العربي الرسمي، وخاصة المصري، موضع انتقادات واسعة داخل الشارع العربي والفلسطيني، في ظل غياب أي تحرك حقيقي لكسر الحصار أو فرض إدخال مساعدات كافية لسكان القطاع، رغم أن مصر تمثل الدولة العربية الأكبر المجاورة لغزة، وتمتلك حدودًا مباشرة معها.
ونتيجة لهذا الانهيار السياسي والإنساني، عاد “أسطول الصمود” ليشكل حالة ضغط دولية جديدة على إسرائيل.
فبعد تجربة السفن السابقة التي انطلقت من اليونان قبل أقل من عام، بقيادة ناشطين أوروبيين وسويديين، والتي انتهت باعتقال أكثر من مئتي ناشط ونقلهم إلى ميناء أشدود ثم ترحيلهم، جاءت الموجة الجديدة من اسطول الصمود بصورة أوسع قبل أسبوعين وأكثر تنظيمًا.

فقد انطلق الأسطول الأخير من تركيا، وضم أكثر من 150 سفينة وقاربًا تحمل ناشطي سلام ومتضامنين ومساعدات إنسانية ورمزية، بهدف كسر الحصار وتقديم دعم معنوي لسكان غزة الذين يعيشون حالة عزلة كاملة عن العالم.
لكن الجيش الإسرائيلي اعترض الأسطول بالكامل في عرض البحر، مستخدمًا سفنًا حربية وقوات خاصة، وسط معلومات عن تنسيق أمني واسع مع الأسطول الأمريكي في المنطقة، إضافة إلى دعم لوجستي قدمته بعض الدول الأوروبية، وخاصة اليونان.

وقد اعتبر كثير من القانونيين والحقوقيين أن ما قامت به إسرائيل يمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وحرية الملاحة البحرية، خاصة أن عمليات الاعتراض جرت في مناطق بحرية قريبة من حدود دول متوسطية عدة، بينها تركيا ولبنان ومصر واليونان.

إلا أن الصدمة الكبرى لم تكن فقط في اعتراض السفن، بل في الطريقة التي عومل بها نشطاء السلام بعد اعتقالهم.
ففي هذه المرة، لم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بالاعتقال والترحيل، بل جرى نقل النشطاء إلى ميناء أشدود، حيث تعرضوا لحملة إذلال علنية وتعنيف جسدي غير مسبوقة، قادها الوزير إيتمار بن غفير بنفسه.

وبحسب شهادات وصور بثتها وسائل إعلام عالمية، جرى تكبيل كافة النشطاء أمام الكاميرات، وإجبار بعضهم على الوقوف لساعات طويلة، بينما وُجهت إليهم الشتائم والإهانات، وتم وصفهم بأنهم “داعمو إرهاب”.
وقد ظهر بن غفير بنفسه أمام الكاميرات وهو يهاجم النشطاء الأوروبيين ويصفهم بالإرهابيين، مؤكدًا أنهم “جاءوا لدعم الإرهاب”، في مشهد أثار صدمة كبيرة في أوروبا والعالم، لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بموقف من القضية الفلسطينية، بل بإهانة مباشرة لمواطنين أوروبيين وآسيويين قدموا أنفسهم كنشطاء سلام ومدافعين عن حقوق الإنسان.

وسرعان ما تحولت القضية إلى أزمة دبلوماسية واسعة، حيث استدعت دول أوروبية عديدة السفراء الإسرائيليين للاحتجاج الرسمي على سلوك الحكومة الإسرائيلية.
وقد صدرت انتقادات حادة من المانيا ايطاليا فرنسا بريطانيا هولندا اسبانية ونرويج، إضافة إلى مواقف غاضبة من دول آسيوية بينها الهند وكوريا الجنوبية.
والأكثر إثارة كان موقف السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكبي، المعروف بتأييده القوي لإسرائيل، والذي انتقد بصورة غير مباشرة سلوك بن غفير، معتبرًا أن هذه الممارسات “تتناقض مع القيم الأخلاقية للشعب اليهودي”.
كما بدأت تتصاعد دعوات أوروبية لفرض قيود سياسية ودبلوماسية على بن غفير وسموتريتش، وسط تسريبات تتحدث عن تحركات قانونية مرتبطة بالمحاكم الدولية، خاصة بعد ازدياد الاتهامات المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات ضد المدنيين.
ولقد أرادت إسرائيل من خلال إذلال نشطاء “أسطول الصمود” أن تبعث برسالة قوة وردع، لكنها في المقابل ساهمت في توسيع الغضب العالمي ضدها، وكشفت من جديد حجم الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها الحكومة الإسرائيلية الحالية.
كما أثبتت الأحداث أن تجاهل تنفيذ أي مشروع سلام حقيقي، وتحويل الأموال المخصصة للإعمار إلى ملفات غامضة، وترك غزة تحت الحصار والمجاعة، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من الانفجار والتوتر الإقليمي والدولي.

واليوم، لم يعد “أسطول الصمود” مجرد قوارب تحاول الوصول إلى غزة، بل أصبح رمزًا للرأي العام العالمي الذي بدأ يرى في ما يجري داخل القطاع قضية إنسانية كبرى تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، وتضع العالم بأسره أمام سؤال أخلاقي خطير: إلى متى سيستمر الحصار، وإلى متى سيبقى المجتمع الدولي عاجزًا عن وقف المأساة؟

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا