فرحة العيد تتحول إلى حزن عميق .. طفلة بريئة في عرعرة وطبيب شاب في عبلين ضحيتا أول أيام العيد
الشيخ أحمد حسن لـ”الصنارة”: لا يمكن إعطاء تفسير ديني لما يحدث في مجتمعنا، سوى أنه لم يعد للدين ولا للأخلاق أيّ دور
صحيح أن عيد الأضحى هذا العام جاء في ظروف أمنية واقتصادية صعبة وغير مسبوقة، لكن أحدا لم يتصور أن يبات المجتمع العربي ليلة العيد، على جريمة مروعة راح ضحيتها طبيب الأسنان الانسان يحيى قسوم (58 عاما) في قرية عبلين في الجليل، وأن يصحو صباح يوم الأربعاء، أول أيام العيد على جريمة أصعب راحت ضحيتها الطفلة ليلى جهجاه (7 أعوام)، في قرية عرعرة في المثلث، وهي ترتدي فستان العيد وتتأهب لقضاء العيد مع أهلها وأترابها في حوش بيت العائلة. ومما يضيف حزنا على حزن أن الحادثتين جاءتا على خلفية نزاعات عائلية.
وقالت مصادر الشرطة، حول مقتل الطفلة أنه “وفق معطيات أولية من التحقيق، فإن جريمة إطلاق النار بدأت على ما يبدو إثر خلاف بين طفلين، قبل أن يتطور لاحقًا إلى شجار بين أهاليهما بعد تدخلهم في الحادثة”.
وبحسب المعلومات الأولية، أقدم أحد البالغين، وفق الشبهات، على إخراج سلاح وإطلاق النار، ما أدى إلى إصابة الطفلة برصاصة في منطقة العنق، أُعلن لاحقًا عن وفاتها متأثرة بها.
وأفادت مصادر بأن الشرطة اعتقلت شخصين على خلفية الجريمة، بينهما والد الطفلة القتيلة، فيما تتواصل التحقيقات لفحص ملابسات إطلاق النار وهوية مطلق النار بشكل دقيق.
وأوضح المسعفون أنهم أجروا للطفلة عمليات إنعاش شملت وقف النزيف والتنفس الاصطناعي والتدليك القلبي، قبل نقلها إلى مستشفى هيلل يافة في الخضيرة، حيث أُعلن لاحقًا عن وفاتها متأثرة بإصابتها الحرجة.
نزاع قديم بين عائلتين في عبلين يتجدد ليلة العيد
لقي طبيب الأسنان يحيى قسوم مصرعه وأصيب ابنه وشقيقه وآخر بجروح خطيرة وطفيفة اثر تعرضهم لاطلاق نار في عبلين، مساء الثلاثاء الماضي.
وقال المسعف في نجمة داوود الحمراء يشاي ليفي، والمسعف من وحدة الدراجات النارية في نجمة داوود الحمراء متان مان، والمسعف جمال أبو رومي: ” عانى أربعة رجال من إصابات نافذة وخطيرة في أجسادهم. فور وصولنا بدأنا بإجراء تقييم طبي وتقديم العلاج الأولي في المكان. وخلال عمليات التضميد ووقف النزيف، قمنا بنقل رجلين في الأربعينيات من عمرهما بواسطة سيارات العلاج المكثف التابعة لنجمة داوود الحمراء إلى المستشفى، بينما وُصفت حالتهما بالخطيرة. كما تم نقل مصابين آخرين من المكان. إضافة إلى ذلك، كان هناك عدد من المصابين بحالات هلع تلقوا العلاج ميدانيا، وفي نهاية المطاف تم نقل أحدهم إلى المستشفى”.
وكان قد وقع شجار عائلي مساء عيد الأضحى أيضا في بلدة كفر كنا، ما أسفر عن إصابة شخصين بجروح متوسطة نتيجة طعنات.
وأفادت الشرطة أن قوات كبيرة من المنطقة الشمالية وصلت إلى المكان فور تلقي البلاغ عبر مركز الطوارئ 100، وبدأت بالتحقيق في ملابسات الحادث والعمل على إعادة الهدوء إلى المنطقة. وقامت باعتقال قاصر يبلغ من العمر 15 عاما للاشتباه بتورطه في الشجار، وعُثر بحوزته على سكين. كما تم خلال تفتيش بالقرب من منزل العائلة ضبط مسدس وكمية كبيرة من الذخيرة، ما حال دون استخدامها في إطار النزاع العائلي.
الشيخ أحمد حسن لـ”الصنارة”: لم تعد هناك أيّ حرمة للإنسان أو الأيّام أو أقدس المقدسات
والتقت صحيفة “الصنارة” الشيخ أحمد حسن، إمام مسجد عمرو بن العاص في شفاعمرو سابقا، ومن سكان نحف فأدلى بحديث عن وقوع تلك الجرائم في أول أيام عيد الأضحى، فقال: ” إن رسالة العيد في الأصل هي رسالة حب وسلام وتسامح. من معاني العيد نستلهم معظم القيم الإنسانية الراقية، فالعيد محطة إنسانية فيه نتذكر الفقراء والمساكين والمحتاجين. فيه نتواصل ونصل الأرحام والأهل والجيران. فيه تتوقف غرائز الشر والسوء. أليس هذا أهم ما نتعلمه من التضحية؟ فالتضحية ترمز إلى قدرة الإنسان على التحكم بغرائز الشر فيه. ودفع هذه النفس الإنسانية في مسارات الخير والسلام والمحبة”.
وتابع الشيخ حسن قائلا: “إنّ الديانات جميعا، جاءت لتهذب الانسان وتجرده من كل رذيلة أو دافع سوء. وحين يعتبر الانسان أنه محرر من وسائل التهذيب. وأن غرائزه هي التي تتحكم فيه. وأنه يعيش بدون ضوابط أخلاقية وسلوكية. ويفقد قيد المراقبة الذاتية، وقيد المحاسبة القانونية وحتى المجتمعية. هذا الشعور يكسب الانسان صاحب الميول الغريزية إشباعا لهذه الميول”.
وتساءل الشيخ حسن: “كيف يمكن للإنسان العاقل أن يفسّر ما يحصل في مجتمعاتنا في أيّام العيد، في أيّام الطّهر، في أيّام النّقاء، في أيّام اعتراف الانسان بالخطيئة، لتتسنى له الفرصة أن يغفر الله تعالى له خطاياه؟ أن يتجرأ الانسان على قتل النفس الإنسانية، هذا أعظم انتهاك لقوانين السّماء والأرض.
كنّا نأمل أن يكون العيد ضابطًا سلوكيًا أخلاقيًا راقيًا. لكن مع الأسف مع الانحدار في منظومة القيم والأخلاق، لم تعد هناك أيّ حرمة للإنسان أو الأيّام أو أقدس المقدسات. ولم تعد تقف أمام غرائز الإنسان المشبعة بحب الانتقام أيّ قدسيّة أو رادع”.
ويرى الشيخ أحمد حسن أنه “لا يمكن إعطاء تفسير ديني لما يحدث في مجتمعنا، سوى أن جميع القيود الإنسانية والأخلاقية قد تحطمت عند مجموعة من الناس، ولم يعد للدين ولا للأخلاق أيّ دور في التأثير على مثل هؤلاء الذين يتعمدون قتل البشر. وجعل من حول من قتلوا ينزفون حزنا وألما. في حقيقة الأمر ان القتل يتعدى الشخص الذي قتل إلى مجموعة إنسانية تربطها علاقة أسرية أو اخوية أو اجتماعية مع هذا الشخص. وهنا نقول يجب أن لا نعجز ويجب أن لا تهزمنا هذه الجرائم، لأن هذا هدفها أن نهزم ونستسلم. اللّهم غيّر حالنا من أسوأ حال إلى أحسن حال”.
مدير مدرسة السلام الأميرية في عرعرة، محمد أبو عقل يرثي طالبته ليلى جهجاه
كتب الأستاذ محمد صلاح أبو عقل على صفحته، كلمات مؤثرة في رثاء تلميذته ليلى جهجاه:
لم تكن طفلة عابرة في ممرات المدرسة، كانت قطعةً من الضوء،
وحين رحلت انطفأ شيءٌ في أرواحنا لن يعود كما كان.
كيف يمكن لعينٍ اعتادت رؤيتها كل صباح، أن تتقبّل فكرة أن هذا الباب لن تدخل منه مجددًا؟
وكيف للقلب أن يفهم، أن طفلةً كانت منذ أيام تضحك وتحلم وتحمل كتبها الصغيرة، أصبحت اليوم ذكرى موجعة وصورة معلّقة ودمعة لا تجف؟ أيُّ قسوةٍ هذه التي تخطف طفلةً قبل أن تكمل طفولتها؟
قبل أن تنهي أحلامها الصغيرة؟ قبل أن تحفظ الحياة ملامحها جيدًا؟
لقد رحلتِ يا صغيرتنا، وتركتِ خلفكِ وجعًا أكبر من الكلمات،
وجعلتِ المدرسة تبدو كأنها بيتٌ فقد ابنته.
أقسم أن المقاعد تبكيكِ، وأن الجدران تحفظ صوتكِ، وأن كل زاويةٍ مررتِ بها، أصبحت تحمل شيئًا من الحنين الثقيل. ما أصعب أن يرثي المدير طفلةً، كان يفترض أن يراها تكبر، لا أن يودّعها وهي ما زالت تحمل براءة العمر كله في عينيها.
المصدر:
الصّنارة