في الأغوار الشمالية، لا يعيش الفلسطينيون معركة يومية على الأرض فقط، بل على أبسط شروط الحياة. الرعاة هناك يواجهون تضييقاً متواصلاً، منعاً من الوصول إلى المراعي، ملاحقة للمواشي، قيوداً على الحركة، واعتداءات متكررة من المستوطنين. في بعض التجمعات، تحولت الخيام والبيوت البسيطة إلى نقاط صمود وسط واقع يزداد قسوة مع توسع البؤر الاستيطانية وتكثيف الضغط على العائلات البدوية والرعوية.
وسط هذا المشهد، تصل إلى المنطقة مجموعات إسرائيلية متضامنة تحاول إسناد الرعاة الفلسطينيين ميدانياً، عبر مرافقتهم والوجود معهم في مناطق الرعي، لتقليل الاحتكاك وحمايتهم من الاعتداءات. من بين هؤلاء داين شايش، البالغ من العمر 86 عاماً ونصف، والذي جاء من كرمي يوسف إلى الأغوار ليقف إلى جانب الأهالي.
وقال شايش في حديث خاص لموقع "بكرا": "جئت من كرمي يوسف. أنا كيبوتسنك سابق، وأنا هنا لمساعدة الرعاة على مواجهة المستوطنين".
وعندما سُئل عن السبب الذي يدفعه إلى القدوم إلى الأغوار في هذا العمر، أجاب بكلمة واحدة: "العدالة".
يستحقون العدالة
ثم أوضح لـ"بكرا": "هؤلاء الناس يستحقون العدالة. إنهم أناس أبرياء. لا يوجد هنا حتى شخص واحد يمكن وصفه بالإرهابي، ومع ذلك يتعاملون معهم كأنهم مخربون".
كلمات شايش تكشف جانباً مختلفاً من الواقع في الأغوار. فبينما يعيش الفلسطينيون هناك تحت ضغط يومي يهدف إلى دفعهم بعيداً عن أراضيهم ومراعيهم، يرى متضامنون إسرائيليون أن وجودهم في المكان ضرورة أخلاقية. هم لا يأتون لتنظيم زيارة عابرة، بل للوقوف في الميدان، قرب الرعاة، في لحظة الاحتكاك نفسها.
وعن طريقة المساعدة، قال شايش لـ"بكرا": "نحن نقف بينهم وبين من يهددهم، لكن احيانا هذا لا يردعهم، فأنا مسن وتعرضت عدة مرات للإعتداء الجسدي".
واقع الأغوار
وتشهد الأغوار الشمالية في الفترة الأخيرة تصعيداً واضحاً في اعتداءات المستوطنين، وفق شهادات الأهالي في المنطقة. السكان يتحدثون عن بؤر استيطانية جديدة، وضع سياجات تحد من حركتهم، منعهم من الوصول إلى المراعي، وملاحقة الأغنام بالمركبات والخيول والكلاب. كما يقول الأهالي إن الوصول إلى المياه أصبح أكثر صعوبة، ما يضاعف كلفة الحياة اليومية ويهدد بقاء العائلات في أماكنها.
في هذا الواقع، لا تعود الأغوار مجرد منطقة جغرافية بعيدة عن مركز الاهتمام السياسي والإعلامي. إنها ساحة اختبار يومية لمعنى البقاء. كل طريق إلى المرعى قد يتحول إلى مواجهة. كل مصدر ماء قد يصبح موضع نزاع. وكل عائلة تبقى في مكانها تدفع ثمناً نفسياً واقتصادياً ومعيشياً.
وتبقى الأغوار اليوم واحدة من أكثر المناطق هشاشة في الضفة الغربية. العائلات التي تعيش هناك لا تطلب سوى البقاء في أرضها، رعي مواشيها، الوصول إلى المياه، وإرسال أطفالها إلى المدارس من دون خوف. لكن هذه المطالب البسيطة تصطدم يومياً بسياسة تضييق تجعل الحياة نفسها معركة مفتوحة.
المصدر:
بكرا