آخر الأخبار

في ذكرى النكبة، المسن حسين زهدي لـبكرا: ضربوني وقتلوا أغنامي لكنني باقٍ في أرضي

شارك

في يوم النكبة، التي وقعت عام 1948، لا يحتاج المسن حسين زهدي إلى كتب التاريخ كي يروي معنى الاقتلاع. يكفي أن يشير إلى ركبته ويديه، وإلى أرضه التي لم يعد يستطيع الوصول إليها كما كان، وإلى أغنامه التي قتل المستوطنون بعضها، ليقول إن النكبة بالنسبة له لم تنتهِ.

حسين زهدي، البالغ من العمر 82 عاماً، يعيش في تجمّع الفارسية عين الغزال في الأغوار الشمالية. يتنقل بصعوبة، متكئاً على عصاه، وسط خيام وبيوت بسيطة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، ولا تمنح سكانها شعوراً حقيقياً بالأمان. هناك، في منطقة تحاصرها المستوطنات والبؤر الاستيطانية، تحوّلت الحياة اليومية إلى معركة بقاء.

ملاحقات واعتداءات

يقول زهدي لـ"بكرا" إن المستوطنين يلاحقون الأهالي ومواشيهم ليلاً ونهاراً. لا يتحدث عن خوف عام، بل عن جسد موجوع وتجربة شخصية مباشرة. يقول: “لا يوجد علف ولا طعام للأغنام”، ثم يضيف عن المستوطنين: “يعتدون علينا ليل نهار ويلحقون الأغنام، وقتلوا لي ثماني نعجات في الفترة الأخيرة. ضربوني على ركبتي وعلى يديّ وآذوني دون اكتراث لسنّي. واستولوا على أراضينا بمحاصيلها”.

بالنسبة لزهدي، الأرض ليست ملكية عابرة ولا مساحة سكن فقط. هي امتداد لعائلة سبقت قيام إسرائيل وبقيت في المكان رغم الحروب والتهجير والملاحقة. يقول: “أنا هنا منذ أكثر من 70 عاماً، وجدي كان قبلي هنا والأرض ملكنا. نحن هنا منذ زمن طويل، قبل احتلال إسرائيل البلاد”.

تختصر شهادته قصة جيل كامل من الفلسطينيين الذين لم يعيشوا النكبة كحدث منتهٍ في عام 1948، بل كمسار مستمر من الطرد والتضييق ومصادرة الأرض. في الأغوار الشمالية، لا تأتي النكبة على شكل ذكرى فقط، بل على شكل حاجز، وسياج، وبؤرة استيطانية، ومنع من الوصول إلى الماء، وخوف دائم على الأطفال والمواشي والبيت.

وتؤكد شهادات سكان المنطقة أن الاعتداءات لم تعد حوادث منفصلة. فالمستوطنون، وفق ما يرويه الأهالي، يقيّدون حركة السكان، يمنعونهم من الوصول إلى المراعي، يلاحقون الأغنام بالمركبات والخيول والكلاب، ويحرمونهم من نبع الماء الذي يشكل شريان حياتهم. ويقول أحمد زهدي إن مستوطناً وصل إلى المنطقة مع ثماني نعجات “استولى على كل الجبال من حولنا”، بينما حُرم الأهالي من أراضيهم ومحاصيلهم.

في هذه البيئة، تصبح تفاصيل الحياة اليومية ثقيلة. الحصول على الماء يحتاج إلى شراء ونقل من مناطق بعيدة. إطعام الأغنام يتطلب بيع جزء من القطيع لشراء العلف للباقي. الأطفال يذهبون إلى مدارسهم وسط خوف من اعتداءات المستوطنين، وأحياناً يضطرون إلى السير مسافات طويلة في الوحل. النساء يعشن قلقاً دائماً على الأولاد، وعلى خصوصية البيوت التي تُنتهك، وعلى الرجال الذين يتعرضون للإذلال عند الحواجز.

باقٍ في ارضه

لكن رغم كل ذلك، لا يتحدث حسين زهدي بلغة الرحيل. كلماته تحمل وجعاً كبيراً، لكنها تحمل أيضاً إصراراً واضحاً. فهو لا يرى نفسه ضيفاً في المكان، ولا يعتبر وجوده مؤقتاً. هو ابن هذه الأرض، وحفيد من عاشوا عليها قبله، وصاحب ذاكرة لا يستطيع المستوطنون اقتلاعها.

في الذكرى الـ78 للنكبة، تبدو قصة حسين زهدي كأنها صورة مكثفة لحال الأغوار. رجل مسن، جسده متعب، لكنه لا يزال يقف على أرضه. يعرف أن الخطر قريب، وأن الهجوم قد يأتي في الليل أو النهار، وأن الأغنام قد تُقتل، والمحاصيل قد تُصادر، والماء قد يُمنع. ومع ذلك، يبقى.

قصته تقول إن النكبة ليست فقط ما حدث عام 1948. النكبة أيضاً أن يبقى الفلسطيني في أرضه، ثم يُطلب منه كل يوم أن يثبت حقه في البقاء.

بكرا المصدر: بكرا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا