منذ مطلع عام 2026، تتواصل الاعتداءات الوحشية التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين، في مشهد يومي يطال الأطفال والنساء والشيوخ والمزارعين والعمال والتجار وحتى الرعاة الذين تُسرق أغنامهم أمام أعين العالم. هذه الاعتداءات لا تُنفذ في الخفاء، بل تجري تحت حماية الجيش الإسرائيلي، لتكشف عن أبشع صور العراء من القيم الأخلاقية، وعن زيف الديمقراطية التي تتغنى بها إسرائيل بينما تمارس أبشع أشكال القمع والتمييز.
منذ بداية العام، قُتل عدد كبير من الفلسطينيين على يد المستوطنين، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، وسقط عشرات الجرحى في هجمات متفرقة شملت إطلاق النار المباشر، الاعتداء بالغاز والفلفل، وإحراق الممتلكات الزراعية. لم تتوقف الجرائم عند القتل والجرح، بل امتدت لتشمل الاعتقالات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في كل مواجهة بين الفلسطينيين والمستوطنين، حيث يُعتقل الضحايا بدلًا من المعتدين، في مشهد يفضح الانحياز المتوقع للمؤسسة العسكرية بالكامل إلى جانب المستوطنين. وفي قرى شمال رام الله، يقتحم المستوطنون المنازل ويسرقون المعدات الزراعية والماشية، ويطلقون الرصاص فيسقط الأطفال والنساء والرجال جرحى أو شهداء، بينما يقف الجيش الإسرائيلي مؤدياً دور الحارس الأمين للمعتدين. وفي نابلس والخليل، يواصل المستوطنون اعتداءاتهم على المزارع والدواجن، ويرشّون غاز الفلفل على الأهالي، فيما يتدخل الجيش بقنابل الغاز لتفريق الفلسطينيين بدلًا من حمايتهم. وفي غور الأردن، تتجلى سياسة الاستيلاء بأبشع صورها، حيث يسيطر المستوطنون على الأراضي الزراعية الخصبة، ويطردون المزارعين الفلسطينيين من حقولهم، ويستولون على مصادر المياه والموارد الطبيعية، في محاولة ممنهجة لتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين وتحويلها إلى مستعمرات مغلقة تخدم المشروع الاستيطاني.
الجيش الإسرائيلي لا يقف موقف المتفرج على هذه الجرائم، بل ينخرط في دعمها بشكل فجّ وغير قانوني، ليصبح شريكًا كاملًا في مشروع قضم الفلسطينيين. الجنود الذين يُفترض أن يمثلوا مؤسسة دولة، تظهرون علناً تحولهم إلى ميليشيا رسمية تحرس المعتدين، وتطلق النار على الضحايا، وتعتقل من يحاول الدفاع عن أرضه أو بيته أو أطفاله. هذا الانحياز ليس مجرد خلل فردي، بل خلل رسمي وسياسة ممنهجة تعكس توجهات الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا وعنصرية في تاريخها، حكومة جعلت من الجيش أداةً لتأمين التوسع الاستيطاني. وجعلت من القانون الدولي مجرد ورقة مغبرة لا قيمة لها.
الأمم المتحدة أكدت أن الاعتداءات أصبحت أكثر حدة، وأدت إلى نزوح مئات الفلسطينيين من تجمعاتهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، بينما وصفت الأونروا ما يجري بأنه “حرب صامتة” أودت بحياة أكثر من ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023، ربعهم من الأطفال، مع تهجير عشرات الآلاف. هذه الأرقام تكشف أن ما يجري ليس أحداثًا متفرقة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين، عبر العنف المنظم والتهجير القسري.
إن ما يجري اليوم يعكس بوضوح أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ليست فقط عاجزة عن كبح جماح المستوطنين، بل هي الراعي الرسمي لهذه الاعتداءات، إذ توفر لهم الغطاء القانوني والسياسي والعسكري. هذه الحكومة، الأكثر تطرفًا وعنصرية في تاريخ إسرائيل، جعلت من الاعتداءات اليومية سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، بما فيها غور الأردن، عبر القتل والجرح والاعتقال وسرقة الأرض والموارد.
كيف يمكن لدولة تدّعي الديمقراطية أن تسمح بمثل هذه الجرائم اليومية ضد المدنيين العزّل؟ إن حماية الجيش للمستوطنين تكشف أن الديمقراطية الإسرائيلية ليست سوى واجهة تخفي نظامًا قائماً على التمييز والاحتلال. أما المستوطنون، فيرفعون شعارات دينية لتبرير جرائمهم، في حين أن جوهر الأديان يقوم على العدالة والرحمة، مما يجعل هذا الاستخدام للدين أداة لتكريس الانحطاط الأخلاقي. إن استغلال الديانة اليهودية لتبرير القتل والنهب والتهجير هو إساءة للدين نفسه قبل أن يكون إساءة للإنسانية.
استمرار هذه الاعتداءات دون محاسبة دولية يفضح ضعف المنظومة العالمية التي تدّعي حماية حقوق الإنسان، ويجعل صمت العالم شريكًا في الجريمة. إن ما يجري في الضفة الغربية هو عار على الإنسانية، وفضيحة أخلاقية وسياسية لمن يمارس أبشع أشكال الاحتلال والعنصرية. هذا الواقع يضع العالم أمام اختبار أخلاقي: هل يقبل استمرار هذا الانحطاط الإنساني؟ أم أن الصمت سيبقى هو القاعدة، ليُسجل التاريخ أن الإنسانية تخلّت عن قيمها في لحظة فارقة؟
المصدر:
كل العرب