آخر الأخبار

الشيخ كامل ريان لـ بكرا: كسر الستاتيكو في الأقصى يجري خطوة خطوة حتى يصبح التغيير أمرًا واقعًا

شارك

قال الشيخ د. كامل ريان، رئيس مركز أمان، في تصريحات خاصة لموقع بكرا، إن قرارات الإبعاد المتواصلة عن المسجد الأقصى، والتي تخطت الـ 300 ابعادًا، لم تعد إجراءً معزولًا، بل تأتي داخل مسار سياسي وأمني يُعاد عبره تشكيل “الوضع الراهن” تدريجيًا. وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية أصدرت اليوم الثلاثاء قرارًا بإبعاد الشابين بلال سرحان وحاتم جبر العباسي من بلدة سلوان جنوب القدس عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر، وفق ما أفادت به محافظة القدس، لافتًا إلى أن الأيام الأخيرة شهدت إصدار أكثر من 300 قرار إبعاد عن الأقصى بحق مواطنين مقدسيين.

سياق تاريخي

وأضاف ريان أن فهم ما يجري في الأقصى يحتاج إلى وضعه في سياق تاريخي أوسع، يبدأ من القرن التاسع عشر، حين لم تكن “المسألة الشرقية” مجرد توصيف لانحدار الدولة العثمانية، بل منظومة إدارة دولية لصراع على الإرث والسيادة والنفوذ. وقال إن حرب القرم لم تندلع بسبب نزاع طقسي محدود، بل لأن الخلاف حول الأماكن المقدسة كان المدخل الرمزي لصراع أعمق على التحكم بقلب الشرق ومفاصله الدينية والاستراتيجية، مشيرًا إلى أن معاهدة باريس عام 1856 لم تهدف إلى إنصاف العثمانيين بقدر ما هدفت إلى إدخالهم في نظام توازن أوروبي يمنع سقوطهم المفاجئ ويمنع، في الوقت نفسه، انفراد قوة بعينها بوراثتهم. واعتبر أن إدارة الشأن الديني في القدس منذ ذلك الوقت تحولت إلى جزء من معادلة دولية، وأن الأماكن المقدسة صارت مساحة يُختبر فيها ميزان القوة، لا مجرد ترتيبات عبادة.

وأكد ريان أن هذا المنطق لم ينته بسقوط الإمبراطورية العثمانية، بل أعاد إنتاج نفسه بصيغ جديدة. وقال إن ما بعد 1967 شهد انتقال السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية، لكن “الوضع الراهن” في الأقصى لم يُلغَ، بل أُعيدت صياغته ضمن بنية مركبة تجمع بين سيطرة أمنية إسرائيلية وإدارة دينية أردنية، تحت حساسية إسلامية ودولية واسعة. وأضاف أن الستاتيكو في هذه الصيغة كان أداة احتواء تؤجل الحسم بدل أن تحسمه، وتوازن بين القوة الميدانية والشرعية الدينية.

عام 2000 وهشاشة التوازن

وتابع ريان أن زيارة أريئيل شارون للأقصى عام 2000 كشفت هشاشة هذا التوازن، لأنها لم تكن خطوة سياسية عادية، بل إعلانًا رمزيًا عن أولوية خطاب السيادة على خطاب الإدارة الحساسة. وأوضح أن ما تلا الزيارة أكد أن أي تغيير في الإشارات الرمزية داخل الأقصى يمكن أن يشعل المنطقة، وأن الستاتيكو ليس نصًا إداريًا جامدًا بل عقدًا ضمنيًا بين قوى متعددة داخليًا وخارجيًا.

وفي تقييمه للمرحلة الراهنة، قال ريان إن التعامل مع الأقصى انتقل من إدارة التوازن إلى اختبار حدوده، خاصة في ظل سياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. واعتبر أن تقديم ساعات دخول المستوطنين إلى السادسة والنصف صباحًا لا يُقرأ كتفصيل تقني، بل كتعديل زمني يمس جوهر الستاتيكو، لأن الزمن في الأقصى تعبير عن السيادة، وكل تغيير فيه يعني إعادة توزيع للسلطة الرمزية على المكان.

وأوضح ريان أن الاستمرارية بين القرن التاسع عشر والواقع الحالي تظهر في أدوات التبرير، فكما استُخدمت آنذاك ذريعة “حماية الطوائف” لتبرير التدخل، تُستخدم اليوم مفردات مثل “حرية العبادة” و“المساواة” لتبرير إعادة تشكيل الوقائع في ساحات الأقصى. لكنه شدد على أن الفارق الجوهري يتمثل في أن “التدويل الوقائي” بعد 1856 سعى لمنع الانفراد، بينما تكشف السياسات الراهنة عن سعي إلى تكريس الانفراد عبر التدرج البطيء وتغيير التفاصيل الصغيرة التي تتراكم حتى تُحدث انقلابًا في المعادلة الكبرى.

تفكيك تدريجي

وقال ريان إن إسرائيل لا تعلن إلغاء “الوضع الراهن” دفعة واحدة لأنها تدرك حساسية المكان إقليميًا ودوليًا، لكنها تعمل على تفكيكه تدريجيًا عبر توسيع أوقات الدخول، وتكريس حضور دائم، وإعادة تعريف الصلاحيات الأمنية، وإعادة إنتاج خطاب قانوني يمنح التغيير مظهرًا إداريًا محايدًا. واعتبر أن هذه السياسة تقوم على “الإنهاك البطيء” لقاعدة تاريخية استقرت منذ العهد العثماني وحمت، ولو نسبيًا، التوازن الديني في القدس.

وختم ريان تصريحاته لموقع بكرا بالتأكيد أن ما يجري اليوم ليس حادثة منفصلة، بل حلقة في مسار طويل حوّل الأماكن المقدسة إلى ساحة اختبار للتوازنات. وأضاف أن التوازن الذي سعت إليه معاهدة باريس كان يهدف إلى منع الانفجار عبر ضبط الأطراف، بينما يعمل الاحتلال اليوم على كسر الضبط نفسه واستبداله بوقائع تُفرض بقوة السيطرة، بحيث يتحول الستاتيكو من آلية حماية إلى هدف للهدم التدريجي، “خطوة إثر خطوة، إلى أن يصبح التغيير أمرًا واقعًا لا يحتاج إلى إعلان”.

بكرا المصدر: بكرا
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا