آخر الأخبار

جيل جديد… وبلطجة سياسية قديمة

شارك

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود إلى الواجهة ذلك التيار الذي يمكن وصفه مجازاً بـ”معهد البلطجية السياسية”، وهو تيار عرفناه منذ عقود طويلة، لا يملك من أدوات العمل السياسي سوى التشويه والتخوين ومحاولات فرض السيطرة على كل نشاط لا يخضع لنفوذه. هذا التيار الذي اعتاد أن يهاجم كل مبادرة جديدة، وكل صوت مختلف، وكل محاولة لتجديد الحياة السياسية، يستيقظ فجأة بعد سنوات من الخمول، وكأن الانتخابات هي وحدها التي تذكّره بوجوده.

المفارقة أن بعض هؤلاء الذين يرفعون شعارات الوطنية والالتزام، هم أنفسهم الذين يعيبون على الآخرين ما يمارسونه يومياً، ويحرّمون على غيرهم ما يبيحونه لأنفسهم. يهاجمون العلاقات الطبيعية بين القوى السياسية، ويشككون في نوايا كل من يحاول بناء شراكات جديدة أو فتح قنوات تواصل، رغم أنهم أول من يسعى إلى هذه العلاقات حين تخدم مصالحهم. إنها ازدواجية باتت مكشوفة للجمهور، ولم تعد تنطلي على أحد، خصوصاً على الجيل الشاب الذي يراقب المشهد بعين ناقدة ووعي متزايد.

بدلاً من أن تنشغل بعض الأحزاب والشخصيات بتجديد خطابها، أو تطوير برامجها، أو فتح أبوابها أمام طاقات جديدة من الشباب والنساء، نجدها تلجأ إلى الأسلوب الأسهل والأسرع: مهاجمة القوى الناشئة التي تحاول أن تضخ حياة جديدة في المشهد السياسي. وكأن هذه الأحزاب لم تدرك بعد أن الزمن تغيّر، وأن الناس لم تعد تقبل الخطاب القديم القائم على التخويف والتشويه، ولا تلك اللغة التي تحاول احتكار الوطنية وتوزيع صكوك الانتماء.

هذا السلوك لا يعكس قوة، بل يعكس خوفاً من فقدان ما تبقى من نفوذ. فالقوى التقليدية التي اعتادت السيطرة على المشهد السياسي تجد نفسها اليوم أمام منافسين جدد، يمتلكون لغة مختلفة، وأدوات مختلفة، وجمهوراً مختلفاً. بدلاً من مواجهة هذا التحدي عبر التجديد، تختار الهجوم، وكأنها تحاول إخفاء ضعفها بالصراخ.

لكن هذا النهج يخلق أثراً عكسياً واضحاً. فبدلاً من أن تستعيد هذه الأحزاب ثقة الناس، تدفعهم إلى الابتعاد عنها، وإلى البحث عن بدائل تحترم التعددية في الرأي، وتمنح دوراً حقيقياً للمرأة والشباب، وتتبنى خطاباً سياسياً ناضجاً يقوم على الحوار لا على البلطجة. بل إن بعض المواطنين قد يجدون أنفسهم أمام خيار أكثر حدّة: مقاطعة الانتخابات كلياً، احتجاجاً على مشهد سياسي يصرّ البعض على إبقائه في دائرة الاتهامات والصراخ، بدلاً من الانتقال إلى دائرة العمل والإنجاز.

المجتمع يتغير، والوعي السياسي يتطور، والجيل الجديد لم يعد يقبل أن يُدار مستقبله بعقلية الماضي. من يرفض أن يتطور مع هذا الجيل سيجد نفسه خارج اللعبة السياسية، مهما علا صوته. أما من يصرّ على أساليب البلطجة السياسية، فسيكتشف قريباً أن الناس لم تعد تقبل هذا الخطاب، وأن صناديق الاقتراع لا تكافئ الضجيج، بل تكافئ من يحترم عقل الناخب وكرامته وتعدديته

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا