آخر الأخبار

كيف تدافع أوروبا عن نفسها إذا تقلص الدور العسكري الأمريكي؟

شارك

في وقت تراجع فيه وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) انتشار نحو 80 ألف جندي أمريكي في أوروبا، بدأت بروكسل تبحث بصورة أكثر جدية للإجابة عن سؤال: ما الذي تحتاجه القارة العجوز إذا تقلص الدور العسكري الأمريكي في الدفاع عنها؟

وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال، أعلنت اليوم الثلاثاء، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس تشكيل مجموعة من قادة سياسيين وعسكريين سابقين لبحث مستقبل الدفاع الأوروبي، مؤكدة أن المجموعة ستُطلق الأسبوع المقبل، بمشاركة شخصيات من دول الاتحاد، إلى جانب بريطانيا و أوكرانيا.

وفسرت كالاس الاستعانة بقادة سابقين بقولها إنهم "يستطيعون أيضا قول أشياء لا نستطيع نحن، بصفتنا مؤسسات، قولها".

ومع ذلك، حرصت المسؤولة الأوروبية على التأكيد أن هذه الخطوة لا تعني الابتعاد عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) قائلة إن الحلف يبقى "حجر الزاوية لأمننا الأوروبي". يأتي هذا، في وقت تدعو فيه الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر عن الدفاع عن قارتهم.

ومن هذا المنطلق، قالت كالاس إن المطلوب ليس "استنساخ القدرات الدفاعية الأمريكية" بل التركيز على حماية الأراضي الأوروبية بالاستفادة من نقاط قوة القارة نفسها، إلى جانب "الخبرة العملياتية الواسعة لأوكرانيا" وذلك بهدف "تحدي التفكير التقليدي".

وبحسب كالاس فإن هذا التحول لا يفترض بالضرورة غيابا أمريكيا كاملا، بل الاستعداد لدور قد يصبح أقل حضورا أو أكثر تقييدا، فالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية يرى أن الدعم الأمريكي قد يكون كاملا وفوريا، أو متأخرا أو جزئيا أو مشروطا، وصولا في أقصى الحالات إلى الغياب التام.

مصدر الصورة وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي بعد الاجتماع غير الرسمي في ويكلو الآيرلندية مطلع سبتمبر/أيلول 2026 (الفرنسية)

مراجعة أمريكية تربك حسابات أوروبا

وتأتي هذه النقاشات بينما يجري البنتاغون مراجعة مدتها 6 أشهر لانتشار قواته بأوروبا. ووفق وثيقة اطلعت عليها رويترز، ستضع المراجعة ما لا يقل عن 4 مجموعات من الخيارات أمام وزير الحرب بيت هيغسيث بحلول 6 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل الموعد النهائي لإنجازها في ديسمبر/كانون الأول.

إعلان

وتخشى دول الناتو أن تفضي المراجعة إلى تخفيضات واسعة في صفوف نحو 80 ألف عسكري أمريكي منتشرين في القارة، وأن تشمل تداعياتها معاقبة دول يرى الرئيس دونالد ترمب أنها لم تدعم " الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران" بحسب تعبير رويترز.

وتعزز تصريحات مسؤول كبير في البنتاغون هذه المخاوف، إذ قال للوكالة إن الإدارة "تنتقل إلى تقديم دعم حاسم لكنه أكثر محدودية، مع تولي الحلفاء زمام القيادة".

كما تظهر طبيعة الأسئلة التي وجهتها واشنطن إلى حلفائها أن المراجعة لا تقتصر على عدد الجنود، إذ سألتهم "ما القيود، إن وجدت، التي فرضها البلد على وصول الولايات المتحدة إلى قواعده والتحليق فوق أجوائه؟ وإذا وجدت، فلماذا؟ وهل هو مستعد لتقليلها أو إلغائها؟".

لكن تقليص الدور الأمريكي، إن حدث، لن يضع أوروبا أمام مسألة تعويض عدد من الجنود أو شراء مزيد من الأسلحة فحسب، بل أمام فجوات أعمق في الطريقة التي تعمل بها جيوشها معا.

مصدر الصورة وزير الدفاع الأمريكي هيغسيث في اجتماع مجلس حلف الناتو بمقره في بروكسل يوم 18 يونيو/حزيران 2026 (رويترز)

المشكلة ليست في عدد الدبابات

تملك أوروبا بالفعل مدرعات ومدفعية ومقاتلات وسفنا قتالية، لكن الفجوة لا تقاس بعدد هذه المنصات وحده.

فالولايات المتحدة توفر أيضا قدرات تجعلها تعمل ضمن منظومة واحدة، من الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات الفضائية ودمجها، إلى الضربات الدقيقة بعيدة المدى والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل والنقل الإستراتيجي، فضلا عن الخبرة في قيادة العمليات متعددة الجنسيات.

ولهذا يستخدم المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية تشبيها لافتا، إذ يقول إن المشاركة الأمريكية تعمل "بمثابة نظام التشغيل" للحلف، بما توفره من ربط بين أجهزة الاستشعار ووسائل النيران، ومن بيانات واتصالات وهياكل تخطيط تسمح لقوات دول مختلفة بالعمل كقوة متماسكة.

وبمعنى أبسط، تستطيع أوروبا امتلاك السلاح، لكن التحدي أن تملك أيضا القدرة على ربطه وتشغيله واتخاذ القرار بشأنه بالسرعة والتنسيق نفسيهما.

وفي تقييم أجرته "ديفنس نيوز" المنصة الأمريكية المتخصصة في شؤون الدفاع، وشمل 16 خبيرا من مراكز أبحاث ومؤسسات أوروبية، خلصت التقديرات إلى أن تطوير بعض القدرات العسكرية الحرجة قد يستغرق حتى أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، بينما قد يحتاج بناء دفاع جوي وصاروخي متكامل وقوي بين 5 و10 سنوات.

وقال فرانسوا هيسبورغ، المستشار الخاص بمؤسسة الأبحاث الإستراتيجية في باريس، إن هناك مجالات "لا يملك فيها الأوروبيون أي قدرة ذات معنى". أما كريس كرميداس-كورتني، الباحث بمركز السياسة الأوروبية والمستشار في الناتو، فقال "لا نملك ما يكفي منه. يمكننا حماية بعض الأماكن الرئيسية، لكن حماية روتردام و روما ومراكز السكان، أعتقد أننا سنواجه مشكلة كبيرة في ذلك".

مصدر الصورة دبابة أمريكية من طراز "إم 1إيه 1أبرامز" خلال مناورات الناتو "ترايدنت جانكشر 2018" قرب تروندهايم بالنرويج (الفرنسية)

إذا لم تستنسخ أمريكا.. فكيف تدافع أوروبا؟

هنا يصبح السؤال أعمق من شراء السلاح: كيف يمكن أن يتغير أسلوب الدفاع الأوروبي نفسه؟

بحسب المعهد، قد يفرض تراجع الدعم الأمريكي على أوروبا أسلوبا دفاعيا مختلفا، يقوم أكثر على الصمود واستنزاف الخصم، وأقل على المناورة السريعة والضربات العميقة المتزامنة.

إعلان

وفي هذا السيناريو، يصبح الهدف منع روسيا مثلا من تحقيق اختراق سريع، ثم إطالة المواجهة بما يسمح لأوروبا باستخدام ثقلها الاقتصادي والصناعي. ويصف المعهد ذلك بأنه نهج يقوم على الإنكار والاستنزاف والتحمل، ويستبدل السرعة بالاستدامة.

أما المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فيقترح إبقاء الناتو عمودا عملياتيا للدفاع، مع انتقال مزيد من القيادة والتخطيط وتوفير القوات إلى الأوروبيين، بينما يتولى الاتحاد الأوروبي دورا أكبر في التمويل والسياسة الصناعية.

ويلخص المجلس الهدف بالقدرة على العمل "مع أمريكا حيثما أمكن، وبأمريكا أقل حيثما لزم، ومن دون أمريكا إذا اقتضى الأمر".

أوروبا تمول دفاعها وتقلص الاعتماد على الخارج

وعلى الجانب العملي، بدأ الاتحاد الأوروبي ترجمة هذا التوجه إلى تمويل ومشاريع دفاعية. ففي إطار أداة "إس إيه إف إي" (SAFE) وهي برنامج أوروبي يتيح للدول الأعضاء الحصول على قروض لتمويل مشتريات دفاعية مشتركة، خصص الاتحاد ما يصل إلى 150 مليار يورو.

وتندرج الأداة ضمن خطة "إعادة تسليح أوروبا/الجاهزية 2030" التي تقول بروكسل إنها قد تعبئ ما يصل إلى 800 مليار يورو خلال السنوات المقبلة.

وبين فبراير/شباط وأبريل/نيسان 2026، وافق مجلس الاتحاد على تمويل دفاعي لـ18 دولة عضو، فيما تضمنت 15 خطة وطنية من أصل 19 مشاريع مع أوكرانيا.

ولا تقتصر أداة "إس إيه إف إي" على توفير الأموال، بل تسعى أيضا إلى توجيهها نحو تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية. فقواعدها تشترط ألا تتجاوز كلفة المكونات القادمة من خارج الاتحاد وأوكرانيا والدول المؤهلة 35% من كلفة مكونات المنتج النهائي، مع شروط إضافية لبعض القدرات الحساسة تتعلق بإمكانية تعديلها وتطويرها.

وبذلك، لا يقتصر الرهان الأوروبي على شراء مزيد من الأسلحة، بل يمتد إلى تقليص الاعتماد على الخارج في إنتاجها وتكنولوجيتها وسلاسل إمدادها.

مصدر الصورة مقاتلة أمريكية من طراز "إف-35" تابعة لسلاح الجو النرويجي بقاعدة إيفينيس خلال مناورات الناتو "كولد ريسبونس" (الفرنسية)

أوكرانيا.. تحتاج السلاح وتصدر الخبرة

وتقف أوكرانيا في قلب هذا التحول بدورين متوازيين.

فهي لا تزال بحاجة عاجلة إلى السلاح، إذ قالت كالاس في ويكلو إن الأوكرانيين "لديهم نقص في الصواريخ الاعتراضية" مضيفة "نعلم أن لدى بعض الدول صواريخ اعتراضية ستنتهي صلاحيتها قريبا، وسيكون من الجيد جدا منحها لأوكرانيا كي تستخدمها لحماية شعبها".

وفي المقابل، أصبحت تجربتها القتالية مصدرا للمعرفة الأوروبية. فالكتاب الأبيض للدفاع الأوروبي يدعو إلى دمج صناعتها الدفاعية بصورة أكبر في القاعدة الصناعية الأوروبية والتعلم من خبراتها الميدانية.

وهكذا لا تسأل أوروبا فقط عما يمكنها تقديمه لأوكرانيا، بل أيضا عما يمكن أن تتعلمه منها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا