آخر الأخبار

مخاض على حواجز الاحتلال.. شهادات من نابلس

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

نابلس- قبل أن تسمع صرخة طفلها الثالث، عاشت الفلسطينية ابتسام بني جامع ساعات من القلق والتوتر؛ حيث بدأ مخاضها في منزلها ببلدة عقربا جنوبي نابلس، وأجرت عائلتها سلسلة اتصالات بسيارات الإسعاف انتهت جميعها بعدم التوفر بعد أن أغلقت الحواجز العسكرية كل الطرق إلى مستشفيات المدينة القريبة.

مع اشتداد آلام الولادة، تلاشى خيار الوصول إلى غرفة ولادة مجهزة، لتجد ابتسام نفسها في مركز صحي صغير لم يُنشأ أصلا لاستقبال مثل هذه الحالات.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 أمضى 12 عاما.. الاحتلال يمدد اعتقال فلسطيني بعد انتهاء حكمه
* list 2 of 2 الأمم المتحدة: عنف المستوطنين في الضفة يتفاقم رغم رأي محكمة العدل الدولية end of list

هناك، وبين نقص الإمكانات وسباق الوقت، بدأت معركة أخرى لإنقاذ أم وطفلها، وكانت واحدة من قصص معاناة ومخاطرة كثيرة فرضتها الحواجز على المرضى والحوامل في محيط نابلس، كبرى مدن شمال الضفة الغربية.

مخاض بلا إسعاف

لم تبدأ معاناة ابتسام بني جامع عند لحظة المخاض، بل مع أول محاولة للوصول إلى المستشفى.

تقول للجزيرة نت إنها بدأت تشعر بآلام الولادة منذ ساعات العصر، لكن مع اشتدادها ليلا بدأت رحلة البحث عن سيارة إسعاف تنقلها إلى نابلس.

اتصلت العائلة بعدة مراكز إسعاف في عقربا والبلدات المجاورة بيتا وقبلان وجمّاعين، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل بعدما حال إغلاق الحواجز العسكرية الإسرائيلية دون وصول سيارات الإسعاف إليها.

تروي السيدة الفلسطينية تفاصيل ساعات الانتظار الصعبة، إذ لم تكن تخشى آلام الولادة بقدر خوفها على طفلها الذي انتظرته تسعة أشهر، تقول: "شعرت بفقدان الأمل.. كنت أفكر أنني قد أخسر طفلي بسبب طريق مغلقة، وليس بسبب حالتي الصحية".

وبعد أكثر من أربع ساعات من المخاض، لم يبق أمامها سوى التوجه إلى المجمع الطبي الصغير في البلدة، وهناك وجدت الطبيبة يسرى دويكات نفسها أمام حالة طارئة في مكان يفتقر إلى أبسط مقومات غرف الولادة.

ورغم محدودية الإمكانات، تمكنت مع الطاقم الطبي من إجراء الولادة وإنقاذ الطفل، الذي كان يعاني من وجود مياه خضراء داخل الرحم، وهي حالة قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة إذا لم يُتدخل بسرعة.

إعلان

وتؤكد ابتسام أن ما عاشته لن تنساه، مثنية على الطاقم الذي بذل كل ما بوسعه لتعويض نقص الإمكانات، حتى خرج طفلها "عمر" إلى الحياة سالما.

مصير مشترك

تشدد ابتسام على أن قصتها لم تكن الوحيدة، إذ كانت تعلم بوجود نساء أخريات واجهن المصير نفسه في الليلة عينها، إلى جانب مرضى غسيل كلى وحالات طبية عاجلة عجزت عن الوصول إلى المستشفيات بسبب الحواجز.

ولم تكن شهادة الأم سوى واحدة من سلسلة شهادات وثّقتها الطواقم الطبية خلال أيام الإغلاق، إذ يؤكد العاملون في مركز عقربا وفي الهلال الأحمر الفلسطيني أن الحواجز لم تعطل حركة الفلسطينيين فحسب، بل وضعت حالات طبية قابلة للعلاج في سباق مع الزمن لإنقاذها من الموت.

في قسم الطوارئ بمجمع دار الحكمة الطبي في بلدة عقربا، وفي غرفة لا تشبه غرف الولادة، وجدت الطبيبة النسائية يسرى دويكات نفسها أمام حالتي ولادة معقدتين، حالت حواجز الاحتلال دون وصولهما إلى المستشفى.

كان ذلك السبت الماضي في اليوم الذي أعقب هجوم المستوطنين على بلدة تِل، جنوب غرب نابلس، حين أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي كل الحواجز المحيطة بالمدينة دفعة واحدة، بعد استشهاد 4 فلسطينيين ومقتل اثنين من الإسرائيليين.

توضح الطبيبة أن المجمع الطبي الذي يضم غرفة طوارئ ومختبرا وجهاز أشعة، لم يُصمَّم أصلا لاستقبال الولادات، فلا تتوفر فيه أدوية توقف النزيف، ولا جهاز لتخطيط قلب الجنين، ولا حاضنة، ولا وحدات دم احتياطية".

مصدر الصورة حاجز بيت فوريك يشكل عبئا كبيرا على سكان قرى شرق نابلس (الجزيرة)

أصعب اللحظات

تقول يسرى للجزيرة نت إنها المرة الأولى في مسيرتها المهنية التي تضطر فيها لإجراء عمليات توليد خارج مستشفى، وفي مكان غير مهيأ لذلك. وتضيف: "حاولنا توفير الحد الأدنى من المستلزمات، وساعدتنا الصيدلية القريبة في تأمين بعض الأدوية التي احتجناها بشكل عاجل".

وتذكر حالة الأم التي عانت من وجود "المياه الخضراء" حول الجنين داخل الرحم، فتدخل زوجها طبيب الأطفال أيسر بني جابر، بتزويده بالأكسجين وإجراء عملية شفط له، مشيرة إلى أن معظم الأطفال الذين يمرون بهذه الحالة إما يحتاجون إلى حاضنة أو يصابون بنقص في الأكسجين، لكن الطاقم تمكن من إنقاذ الجنين والمحافظة على سلامته.

أما الحالة الثانية فكانت لأم أصيبت بنزيف حاد بعد الولادة، اضطرت الطبيبة ومعها طاقم الإسعاف إلى إجراء تدليك يدوي متواصل للرحم لثلاث ساعات كاملة بانتظار وصول سيارة إسعاف عبر حواجز مغلقة، في سباق مع الوقت كان يمكن أن ينتهي بفقدان الأم لحياتها.

مخاطر حقيقية

تحذر يسرى من أن مخاطر الولادة في مراكز غير مجهزة لا تقتصر على صعوبة الإجراء الطبي، بل تمتد إلى تهديد حياة الأم والطفل. وتوضح أن الأم التي تعاني من فقر الدم قد تفقد حياتها نتيجة نزيف يمكن السيطرة عليه داخل المستشفى.

وتضيف أن إحدى المريضات نجت لأن نسبة الهيموغلوبين لديها كانت جيدة نسبيا، ما ساعدها على تحمل النزيف حتى وصول الإسعاف.

أما المواليد، فتزداد المخاطر على حياتهم وخاصة في حالات الولادة المبكرة، إذ يحتاجون إلى حاضنات وأجهزة تنفس غير متوفرة في المراكز الصحية، إضافة إلى أن غياب أجهزة تخطيط قلب الجنين يحول دون اكتشاف مضاعفات خطيرة، مثل التفاف الحبل السري أو تباطؤ نبض الجنين. وتؤكد أن تجربة الولادة خارج المستشفى تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان الطبي.

مصدر الصورة البوابة الحديدية للحاجز الذي يغلق بلدة عورتا جنوب نابلس (الجزيرة)

حواجز تعزل القرى

توضح الطبيبة يسرى أن خصوصية الموقع الجغرافي لبلدة عقربا فاقمت الأزمة، فالبلدة الواقعة جنوب نابلس يعتمد سكانها للوصول إلى مستشفيات المدينة على طرق تمر عبر الحواجز العسكرية الرئيسية، مثل حواجز حوارة وعورتا وصرة وزعترة والمربعة.

إعلان

لكن في الليلة التي أعقبت هجوم المستوطنين على بلدة تل، أغلقت قوات الاحتلال جميع هذه الحواجز ومداخل المدينة بشكل متزامن، ما عزل البلدة والقرى المحيطة بها بالكامل، وحوّل نقل الحالات الطارئة، وخاصة النساء الحوامل، إلى مهمة بالغة الخطورة.

وتقول الطبيبة إنه خلال أربعة أو خمسة أيام من تشديد الإغلاقات حول نابلس، استقبل المجمع المحلي في عقربا نحو سبع سيدات وصلن في مراحل متقدمة من المخاض، وتمكن الطاقم من إجراء حالتي ولادة، فيما نجحت ثلاث سيدات في الوصول لاحقًا إلى المستشفيات بعد فتح مسارات لنقلهن.

مصدر الصورة الطبيبة يسرى دويكات تعاملت مع حالات ولادة طارئة رغم عدم الجهوزية الكاملة (الجزيرة)

في سيارة الإسعاف

تشير المعلومات التي وثقتها الطبيبة الفلسطينية أيضا إلى ولادة سيدة داخل سيارة إسعاف في عقربا، وأخرى في بلدة بيت فوريك المجاورة، إضافة إلى حالة ولادة في قرية قريوت، مرجحة وجود حالات أخرى لم تُوثق، في ظل صعوبة الوصول إلى المرافق الصحية واستمرار إغلاق الحواجز.

وفق الهلال الأحمر الفلسطيني، فإن ما جرى في عقربا لم يكن حادثا استثنائيا، بل نموذجا مصغرا لأزمة أوسع تعيشها الحوامل والمرضى في محيط المدينة المحاصرة منذ 26 يوليو/تموز الجاري.

من 10 دقائق إلى 3 ساعات

في بلدة بيت فوريك شرقي نابلس، اضطرت امرأة حامل، وهي في طريقها للولادة، إلى النزول من سيارة الإسعاف والمشي على قدميها وهي في حالة مخاض لعبور الحاجز بعد تفتيشها، لتنتقل بعدها إلى سيارة إسعاف ثانية أوصلتها إلى أحد مشافي المدينة، في رحلة استغرقت 3 ساعات كاملة، لمسافة لا تستغرق في الظروف الطبيعية أكثر من 10 دقائق.

ويشير مدير دائرة الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر الفلسطيني أحمد جبريل إلى أن أخطر ما فرضه الحصار الأخير يتمثل في إغلاق البوابات الحديدية المنتشرة على مداخل البلدات والقرى، إذ يعمد جيش الاحتلال إلى إغلاقها ثم الانسحاب من المكان، تاركا الطواقم الطبية أمام حواجز مغلقة دون وجود جنود يمكن مخاطبتهم في الحالات الطارئة.

ويقول للجزيرة نت إن إغلاق البوابات مع غياب الجنود يضع الطواقم الطبية والمرضى في خطر محدق، كون هذه المناطق تُصنف "مناطق عسكرية"، وأي حركة قد تقوم بها الطواقم لفتح ممر قد تُجابه بإطلاق الرصاص عليهم.

استجابة متأخرة

يؤكد جبريل أن المعيقات التي تواجهها طواقم الإسعاف ليست طارئة، بل تمثل امتدادا لسياسات مستمرة تعيق عمل الطواقم الطبية وتحدّ من قدرتها على الوصول إلى المرضى في الوقت المناسب.

ويوضح أن محافظة نابلس شهدت، مع التصعيد الأخير، حصارا مشددا بعد إغلاق الاحتلال مداخلها وحواجزها بصورة شبه كاملة، الأمر الذي ضاعف من صعوبة الاستجابة للحالات الطارئة، لا سيما النساء الحوامل والمرضى الذين يحتاجون إلى تدخل طبي عاجل.

إلى جانب حالة بيت فوريك، يذكر جبريل أن طواقم الهلال الأحمر اضطرت للتدخل في حالات لا تدخل أصلا ضمن اختصاصها، مثل نقل مرضى غسيل الكلى عبر حواجز بيت فوريك وعورتا ودير شرف، شرقي وغربي المدينة.

ويورد أن 12 حالة غسيل كلى مُنعت من قبل جيش الاحتلال عند حاجز عورتا، واستغرق التنسيق لها نحو ساعتين ونصف الساعة، قبل أن يُجبَر المرضى على النزول من السيارات والمشي عبر الحاجز بعد التفتيش.

مصدر الصورة سيارة إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني خلال عبورها حاجز عورتا جنوب نابلس (الجزيرة)

ضياع الوقت الذهبي

وحول أثر هذه الإجراءات على "الوقت الذهبي" لإنقاذ المرضى، يوضح المسؤول الطبي أن عمل الإسعاف يقوم أساسا على مفهوم "زمن الاستجابة"، الذي لا يفترض أن يتجاوز 10 دقائق للوصول إلى الحالة الطارئة، لكن هذا الزمن "ألغاه الاحتلال" في عموم فلسطين بفعل انتشار الحواجز والإغلاقات، بحيث لا تقل مدة انتظار أي حالة على الحواجز حاليا عن ساعة كاملة كحد أدنى، وهو ما يعني عمليا إسقاط "الوقت الذهبي" الذي قد يتوقف عليه إنقاذ مصاب أو مريض.

إعلان

ويشير جبريل إلى أن الهلال الأحمر وجّه على الدوام رسائل تطالب بعدم التعرض للطواقم الطبية استنادا إلى القانون الدولي الإنساني، حتى من منبر الأمم المتحدة، لكن جيش الاحتلال لا يلتزم بهذه المناشدات "بل يزيد من تعسفه بحق الطواقم كلما ازدادت المناشدات الدولية الموجهة إليه".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا