أصدر مركز الجزيرة للدراسات كتابًا جديدًا بعنوان "إسرائيل من ذروة الصعود إلى تصدُّع النموذج: أزمة الشرعية والمكانة الدولية بعد حرب الإبادة في غزة"، للباحث الدكتور نواف التميمي، يقدِّم فيه قراءة تحليلية معمَّقة للتحولات التي طرأت على صورة إسرائيل ومكانتها الدولية عقب حرب الإبادة على قطاع غزة خلال الأعوام 2023–2025، بوصفها لحظة مفصلية أطلقت مسارًا متسارعًا لتآكل شرعية إسرائيل الدولية وتصدُّع مشروع "Brand Israel" الذي سعت من خلاله منذ عام 2005 إلى تقديم نفسها نموذجًا عالميًّا للدولة الحديثة والديمقراطية.
ينطلق الباحث د. نواف التميمي من فرضية رئيسة مفادها أن حرب غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية جديدة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، بل مثلت لحظة فاصلة كشفت عن أزمة عميقة في النموذج الإسرائيلي ذاته. ويرى أن الاهتمام الذي انصب طوال عقود على التفوق العسكري الإسرائيلي أخفى جانبًا أكثر أهمية، هو الكيفية التي صنعت بها إسرائيل شرعيتها الدولية وصورتها الذهنية ومكانتها في النظام الدولي، وأن ما أصاب هذه المرتكزات خلال الحرب يفوق في أهميته أي خسائر ميدانية أو مكاسب عسكرية مؤقتة.
ويستعرض الباحث عددًا من المواقف الصادرة عن شخصيات إسرائيلية بارزة، بينها مسؤولون سابقون في الموساد والشاباك ومفكرون ودبلوماسيون، ليؤكد أن التحذير من خسارة الشرعية الدولية لم يعد مقتصرًا على خصوم إسرائيل، بل أصبح جزءًا من النقاش الداخلي الإسرائيلي نفسه. فهؤلاء يحذرون من أن استمرار الحرب قد يحول إسرائيل من دولة تدافع عن نفسها إلى دولة تواجه عزلة أخلاقية وسياسية متزايدة، وأن خسارة الرأي العام العالمي قد تصبح أخطر من أي تهديد عسكري مباشر.
ويبين المؤلف أن كتابه لا ينطلق من موقف سياسي مسبق، ولا يهدف إلى إثبات انتصار طرف أو هزيمة آخر، بل يسعى إلى تحليل التحول البنيوي الذي طرأ على صورة إسرائيل في النظام الدولي، وكيف انتقلت من نموذج جرى تقديمه طويلًا باعتباره نموذجًا للدولة الديمقراطية الحديثة إلى دولة أصبحت تواجه اتهامات متزايدة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي والإنساني، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة تتعلق بشرعيتها ومكانتها العالمية.
ويؤسس الباحث لهذا التحليل عبر تبني إطار نظري يعتمد على مفهوم "العلامة الوطنية" (Nation Brand) الذي طوره الباحث البريطاني سايمون أنهولت، ويرى أن مكانة الدول لا تقاس فقط بقدراتها الاقتصادية أو العسكرية، وإنما أيضًا بالصورة الذهنية التي ترسمها لنفسها لدى الشعوب والمؤسسات الدولية، وبقدرتها على إنتاج الثقة والقبول والشرعية. ومن هذا المنطلق تصبح الحرب حدثًا لا يقتصر أثره على الميدان، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الإدراك العالمي للدولة وموقعها في النظام الدولي.
ويرى د. نواف التميمي أن المشروع الإسرائيلي لم يكن منذ قيام الدولة عام 1948 مشروعًا عسكريًا فقط، وإنما كان مشروعًا متكاملًا لبناء صورة وهوية ورواية دولية، ولذلك فإن فهم تداعيات حرب غزة لا يكتمل بدراسة العمليات العسكرية، بل يتطلب تحليل ما أصاب هذه الرواية من تصدع، وما ترتب على ذلك من تغيرات في نظرة العالم إلى إسرائيل. ولهذا فإن الكتاب يتتبع رحلة بناء هذه الصورة منذ التأسيس، ثم يدرس أدوات الدعاية التي رسختها، قبل أن ينتقل إلى تحليل الكيفية التي تعرضت بها للاهتزاز بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصولًا إلى مناقشة مستقبل المكانة الدولية لإسرائيل في ضوء هذه التحولات.
كتاب
مصدر الصورة
الباب الأول
يفتتح الباحث د. نواف التميمي الباب الأول من كتابه «بعد حرب الإبادة في غزة: إسرائيل من ذروة الصعود إلى تصدع النموذج.. أزمة الشرعية والمكانة الدولية»، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، بوضع الإطار النظري الذي تقوم عليه الدراسة، مؤكدًا أن فهم الأزمة التي تواجهها إسرائيل بعد حرب غزة لا يمكن أن يتم من خلال متابعة التطورات العسكرية وحدها، وإنما يستلزم فهم الكيفية التي تُبنى بها صورة الدول في الوعي العالمي، وكيف تتحول هذه الصورة إلى مصدر للقوة والنفوذ والشرعية.
ويرى المؤلف أن الأدبيات التقليدية في العلاقات الدولية انشغلت طويلًا بقياس عناصر القوة الصلبة، كالتفوق العسكري والاقتصادي، بينما شهدت العقود الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بعناصر أكثر تعقيدًا، تتمثل في السمعة الدولية، والصورة الذهنية، والشرعية الأخلاقية، وقدرة الدولة على كسب التعاطف والثقة. ومن هنا تصبح المكانة الدولية نتاجًا لتفاعل القوة المادية مع الإدراك العالمي، وليس انعكاسًا مباشرًا للتفوق العسكري وحده.
ويبدأ الباحث بالفصل الأول، الذي يناقش البنية المفاهيمية للمجال العام وصناعة الرأي العام، موضحًا أن الرأي العام لم يعد ظاهرة تلقائية تنشأ بصورة عفوية، بل أصبح نتاج منظومة واسعة من وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية ومراكز التفكير والمنصات الرقمية، التي تشارك جميعها في تحديد أولويات الجمهور وصياغة تصوراته عن الدول والقضايا الدولية. ويؤكد أن المجال العام العالمي تحول إلى ساحة تنافس مستمرة بين الدول، بحيث لم تعد الحروب تُحسم في ميادين القتال فقط، وإنما في الفضاء الإعلامي أيضًا، حيث تُبنى الروايات وتُمنح الشرعية أو تُسحب.
ويبين المؤلف أن الدولة التي تنجح في إدارة حضورها داخل المجال العام العالمي تستطيع أن تضاعف أثر قوتها السياسية والعسكرية، في حين أن الإخفاق في إدارة الصورة الذهنية قد يؤدي إلى تقويض المكاسب التي تحققها في الميدان. ولهذا أصبحت وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمؤسسات البحثية، والمنظمات غير الحكومية، عناصر مؤثرة في تشكيل المكانة الدولية للدول، لا تقل أهمية عن الجيوش أو القدرات الاقتصادية.
ثم ينتقل الباحث إلى الفصل الثاني، الذي يتناول مفهوم «السمة الوطنية» (Nation Brand)، موضحًا أنه لا يقصد به مجرد حملة إعلامية أو عملية ترويج دعائي، وإنما مشروع استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى تكوين صورة ذهنية مستقرة للدولة في أذهان الشعوب والمؤسسات الدولية. ويستند في ذلك إلى الأدبيات الحديثة، ولا سيما أعمال الباحث البريطاني سايمون أنهولت، الذي يعد من أبرز منظري هذا المفهوم، ويرى أن السمعة الوطنية أصبحت أحد أهم أصول الدولة في القرن الحادي والعشرين.
ويستعرض المؤلف مكونات السمة الوطنية، مبينًا أنها تتشكل من عناصر متعددة، تشمل النظام السياسي، والقيم التي تعلن الدولة تبنيها، ومستوى احترامها للقانون الدولي، وصورتها الثقافية، وسياساتها الخارجية، وأدائها الاقتصادي، وقدرتها على إنتاج الثقة لدى المجتمع الدولي. ويؤكد أن هذه العناصر تتفاعل معًا لتكوين الانطباع العام عن الدولة، بحيث لا يمكن تعويض تراجع أحدها بالتفوق في عنصر آخر.
ويرى الباحث أن المكانة الدولية لم تعد تُكتسب بالقوة وحدها، وإنما تحتاج إلى شرعية أخلاقية وسياسية، وإلى قدرة مستمرة على إقناع الآخرين بعدالة السياسات التي تنتهجها الدولة. ولذلك أصبحت إدارة السمعة الوطنية جزءًا من الأمن القومي، وأحد مجالات التنافس بين الدول، خاصة في ظل الثورة الرقمية التي جعلت المعلومات والصور تنتشر بسرعة غير مسبوقة، وأتاحت للرأي العام العالمي التأثير في مواقف الحكومات والمؤسسات الدولية.
ويؤكد المؤلف أن هذا التحول أدى إلى إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته؛ فالدولة قد تحقق انتصارًا عسكريًا، لكنها تخسر في الوقت نفسه صورتها الدولية، وهو ما يجعل مكاسبها الميدانية محدودة الأثر على المدى البعيد. ومن هنا يميز بين النجاح العسكري والنجاح الاستراتيجي، معتبرًا أن الثاني لا يتحقق إلا إذا حافظت الدولة على شرعيتها وصورتها ومكانتها الدولية.
ويستشهد الباحث بعدد من الشخصيات الإسرائيلية التي أصبحت ترى أن أخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم ليس تراجع قدرتها العسكرية، وإنما تآكل شرعيتها الدولية. ويعرض آراء شخصيات أمنية وسياسية، من بينها عاموس يدلين وتامير باردو ويوفال ديسكين، الذين حذروا من أن خسارة الرأي العام العالمي قد تتحول إلى تهديد استراتيجي يفوق في خطورته التهديدات العسكرية التقليدية، وأن استمرار الحرب قد ينقل إسرائيل من موقع الدولة التي تدافع عن نفسها إلى دولة تواجه عزلة أخلاقية وسياسية متنامية.
ويخلص المؤلف في نهاية الباب الأول إلى أن فهم ما جرى لإسرائيل بعد حرب غزة لا يبدأ من ساحات القتال، وإنما من إدراك أن العالم أصبح يقيس مكانة الدول بقدر ما يقيس قدرتها على إنتاج الشرعية والقبول والثقة. ولهذا فإن أي دراسة لتراجع إسرائيل لا بد أن تنطلق أولًا من فهم مفهوم السمة الوطنية وآليات بنائها، قبل الانتقال إلى دراسة المشروع الدعائي الذي صنع هذه السمة، ثم تحليل الكيفية التي تعرضت بها للاهتزاز بعد الحرب، وهو ما يتناوله البابان التاليان.
الباب الثاني:
بعد أن وضع الباحث د. نواف التميمي الأساس النظري لمفهوم السمة الوطنية، ينتقل في الباب الثاني من كتابه «بعد حرب الإبادة في غزة: إسرائيل من ذروة الصعود إلى تصدع النموذج.. أزمة الشرعية والمكانة الدولية»، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، إلى تتبع الكيفية التي بنت بها الحركة الصهيونية، ثم دولة إسرائيل، جهازًا دعائيًّا متكاملًا استهدف صناعة صورتها في العالم، وتحويلها إلى أحد أهم مصادر قوتها السياسية والدبلوماسية. ويرى المؤلف أن هذه العملية لم تكن نشاطًا إعلاميًا عابرًا، وإنما مشروعًا مؤسسيًا امتد لعقود، شاركت فيه أجهزة الدولة، والمؤسسات الأكاديمية، واللوبيات السياسية، والمنظمات اليهودية، ووسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث، في إطار رؤية واحدة تستهدف إنتاج رواية إسرائيلية مهيمنة في المجال العام العالمي.
ويبدأ الباحث باستعراض مرحلة التأسيس، مبينًا أن الحركة الصهيونية أدركت، منذ نشأتها، أن نجاح مشروعها لا يتوقف على السيطرة على الأرض فحسب، بل يتطلب أيضًا السيطرة على الرواية. ولذلك حرصت مبكرًا على مخاطبة الرأي العام الغربي، وتقديم المشروع الصهيوني باعتباره مشروعًا تحرريًا وإنسانيًا، مستندًا إلى سردية الاضطهاد التاريخي لليهود، وربط إقامة الدولة الإسرائيلية بقيم الحداثة والديمقراطية الغربية. ويرى أن هذا الاستثمار المبكر في بناء الرواية كان أحد أهم أسباب نجاح إسرائيل في الحصول على تأييد سياسي وإعلامي واسع خلال العقود الأولى من عمرها.
ويستعرض المؤلف تطور المؤسسات الدعائية الإسرائيلية، مبينًا أنها لم تقتصر على وزارة الخارجية أو الأجهزة الرسمية، وإنما تشكلت من شبكة واسعة من الفاعلين، ضمت السفارات، والمؤسسات الإعلامية، والمنظمات اليهودية، ومراكز الدراسات، والجماعات الضاغطة، والجامعات، بما جعل عملية الدفاع عن صورة إسرائيل جهدًا مؤسسيًا منظمًا، وليس مجرد نشاط حكومي.
ويخصص الباحث مساحة واسعة لتحليل مفهوم «الهاسبارا» (Hasbara)، موضحًا أنه يمثل النموذج الإسرائيلي للدبلوماسية العامة، ويختلف عن الدعاية التقليدية في كونه لا يكتفي بتبرير السياسات، وإنما يسعى إلى التأثير في إدراك الجمهور العالمي وإعادة تشكيل تفسيره للأحداث. ويرى أن الهاسبارا تطورت مع الزمن من خطاب دفاعي محدود إلى منظومة اتصال دولية تستخدم الإعلام، والسينما، والمنصات الرقمية، والدبلوماسية الثقافية، والنخب الأكاديمية، بهدف ترسيخ الرواية الإسرائيلية في الوعي الغربي.
ويشير المؤلف إلى أن إسرائيل أعادت هيكلة هذه المنظومة أكثر من مرة، خاصة بعد الأزمات التي تعرضت لها صورتها الدولية، ولا سيما عقب حرب لبنان عام 1982، عندما أدركت أن التفوق العسكري لا يكفي إذا صاحبه تراجع في الصورة الذهنية. ومن هنا اتجهت إلى تطوير خطابها الدعائي، وإنشاء وحدات متخصصة داخل وزارة الخارجية لتنسيق الرسائل الإعلامية، مع تعزيز التعاون مع أبرز المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية-الإسرائيلية (AIPAC)، واللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، ورابطة مكافحة التشهير (ADL)، لتكوين شبكة متكاملة تجمع بين الدبلوماسية الرسمية والضغط السياسي والإعلامي.
ويرى الباحث أن نجاح المشروع الدعائي الإسرائيلي لم يكن نتيجة الإمكانات المالية وحدها، بل بسبب قدرته على إنتاج خطاب يتوافق مع المنظومة القيمية الغربية، إذ قدم إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية، ومتقدمة علميًا، ومنفتحة ثقافيًا، ومحاطة ببيئة معادية، وهو خطاب ساعدها طويلًا في اكتساب التعاطف والدعم السياسي في أوروبا وأمريكا.
ثم يناقش المؤلف التناقضات الداخلية التي صاحبت هذا المشروع، موضحًا أن إسرائيل قدمت نفسها للعالم باعتبارها نموذجًا ديمقراطيًا موحدًا، بينما كانت تعاني في الداخل انقسامات دينية وإثنية وسياسية وثقافية متزايدة. ويرى أن اتساع نفوذ التيارات الدينية والقومية، وتصاعد الخلافات بين المكونات الإسرائيلية المختلفة، جعلا المحافظة على هذه الصورة أكثر صعوبة مع مرور الوقت، خاصة عندما بدأت السياسات الداخلية تنعكس مباشرة على صورة الدولة في الخارج.
ويخصص الباحث الفصل الأخير من الباب الثاني لتحليل مشروع "Brand Israel"، الذي ظهر بوصفه محاولة للانتقال من الخطاب السياسي التقليدي إلى إدارة الصورة الوطنية وفق مفاهيم التسويق الحديثة. ويبين أن المشروع استهدف تقديم إسرائيل باعتبارها مركزًا عالميًا للتكنولوجيا والابتكار، ووجهة للاستثمار والبحث العلمي والثقافة، بحيث تصبح هذه الصورة المدنية الحديثة أكثر حضورًا من صور الصراع والحروب.
ويرى المؤلف أن هذا المشروع حقق نجاحات ملموسة لسنوات، إذ استطاع أن يعزز حضور إسرائيل في مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال والاقتصاد المعرفي، وأن يخفف نسبيًا من هيمنة الصورة الأمنية على الانطباع العالمي عنها. غير أن نجاح هذا المشروع ظل مشروطًا باستمرار الفصل بين صورة الدولة الحديثة وسياساتها في الأراضي الفلسطينية.
ويخلص الباحث إلى أن المشروع الدعائي الإسرائيلي ظل، لعقود، أحد أكثر مشاريع بناء السمعة الوطنية تنظيمًا وفاعلية في العالم، لكنه كان يعتمد على فرضية أساسية، هي القدرة على المحافظة على التوازن بين الخطاب الأخلاقي الذي تقدمه إسرائيل للعالم، والممارسات الفعلية على الأرض. ويرى أن حرب غزة وضعت هذا التوازن أمام اختبار غير مسبوق، إذ لم تعد أدوات الدعاية التقليدية قادرة على احتواء الصور والمشاهد التي انتشرت عالميًا، وهو ما مهد لبدء مرحلة جديدة من تآكل السمة الوطنية الإسرائيلية، وهي المرحلة التي يناقشها المؤلف بالتفصيل في الباب الثالث.
الباب الثالث:
يخصص الباحث د. نواف التميمي الباب الثالث، وهو أهم أبواب الكتاب، لتحليل التحول الذي أصاب الصورة الدولية لإسرائيل بعد حرب الإبادة على غزة، ويرى أن ما حدث لم يكن أزمة إعلامية عابرة أو تراجعًا مؤقتًا في التعاطف الدولي، وإنما انكشاف بنيوي أصاب المشروع الذي بُنيت عليه السمة الوطنية الإسرائيلية طوال عقود. ويؤكد أن الحرب لم تُنتج أزمة جديدة بقدر ما كشفت عن تناقضات كانت كامنة داخل النموذج الإسرائيلي، لكنها أصبحت مرئية للعالم على نطاق غير مسبوق.
ويبدأ المؤلف بتحليل ما يسميه انتكاسة مشروع "Brand Israel"، موضحًا أن المشروع الذي نجح طويلًا في تقديم إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية حديثة ومركزًا عالميًا للابتكار والتكنولوجيا، وجد نفسه عاجزًا أمام سيل الصور القادمة من قطاع غزة. فقد أصبحت مشاهد الدمار والضحايا والكارثة الإنسانية هي المادة الأساسية التي شكلت الإدراك العالمي، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرة الخطاب الدعائي التقليدي على إعادة تفسير الأحداث أو احتواء آثارها.
ويرى الباحث أن البيئة الإعلامية العالمية نفسها تغيرت بصورة جذرية. ففي العقود السابقة كانت الحكومات والمؤسسات الإعلامية الكبرى تتحكم إلى حد بعيد في تدفق المعلومات، أما اليوم فقد أتاحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي انتقال الصور ومقاطع الفيديو مباشرة من الميدان إلى الجمهور العالمي، وهو ما حدَّ كثيرًا من قدرة المؤسسات الرسمية على احتكار الرواية أو إعادة صياغتها. ولذلك أصبحت إسرائيل تواجه معركة إعلامية مختلفة جذريًا عن المعارك السابقة، لأن الجمهور بات يشاهد الوقائع بصورة مباشرة، لا من خلال البيانات الرسمية وحدها.
ويستعرض المؤلف مظاهر التصدع البنيوي في السمة الوطنية الإسرائيلية، مبينًا أنها لم تقتصر على تراجع التعاطف الشعبي، بل امتدت إلى مستويات أعمق، شملت اتساع الانتقادات الصادرة عن مؤسسات دولية، ومنظمات حقوق الإنسان، ودوائر أكاديمية وإعلامية غربية، إضافة إلى تنامي الاحتجاجات في الجامعات الأمريكية والأوروبية، وتصاعد حملات المقاطعة، واتساع النقاش القانوني حول مسؤولية إسرائيل عن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب. ويرى أن هذه التطورات تشير إلى انتقال الأزمة من المجال الإعلامي إلى المجالين السياسي والقانوني، بما يهدد الرصيد المعنوي الذي راكمته إسرائيل خلال عقود.
ويناقش الباحث بعد ذلك محاولات احتواء الانكشاف وإعادة موضعة الدولة، موضحًا أن إسرائيل لم تقف موقف المتفرج أمام هذا التراجع، بل شرعت في إعادة تنشيط أدواتها الدعائية والدبلوماسية، وعملت على تكثيف خطابها التقليدي القائم على حق الدفاع عن النفس، وربط الحرب بمواجهة الإرهاب، واستدعاء الذاكرة التاريخية للمحرقة، وتوسيع نشاط المؤسسات الدبلوماسية والإعلامية في الخارج. كما حاولت تعزيز حضورها في المنصات الرقمية، والاستعانة بشبكات الضغط التقليدية داخل الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف الحد من تدهور صورتها الدولية.
غير أن المؤلف يرى أن هذه الجهود واجهت تحديات لم تكن موجودة في السابق، لأن المشكلة لم تعد تتعلق بضعف الرسالة الإعلامية، وإنما بتغير البيئة التي تُستقبل فيها هذه الرسائل. فالتدفق الهائل للمعلومات والصور، وتعدد مصادرها، واتساع نطاق التفاعل الشعبي، كلها عوامل جعلت من الصعب استعادة الهيمنة السابقة على السردية الدولية.
وفي الفصل الأخير من هذا الباب يناقش الباحث مستقبل المكانة الدولية لإسرائيل، من خلال عنوان دال هو «من ذروة التفوق إلى عتبة الانحدار: إعادة تعريف شروط المكانة الدولية». ويؤكد أن القوة العسكرية ستظل عنصرًا مهمًا في مكانة الدول، لكنها لم تعد كافية وحدها لضمان الشرعية أو النفوذ. فالعالم، في نظره، أصبح أكثر حساسية تجاه الاعتبارات الأخلاقية والقانونية والإنسانية، وأصبحت المكانة الدولية ترتبط بدرجة متزايدة بقدرة الدولة على المحافظة على صورتها وقبولها الدولي، وليس فقط بقدرتها على تحقيق الانتصارات العسكرية.
ويرى المؤلف أن إسرائيل تواجه، للمرة الأولى منذ عقود، احتمال فقدان جزء من الرصيد الرمزي الذي مثل أحد أهم مصادر قوتها الناعمة، وأن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى إعادة تشكيل علاقتها بالرأي العام العالمي، وإلى تغيرات تدريجية في البيئة السياسية والدبلوماسية التي اعتمدت عليها طويلًا.
ويخلص الباحث إلى أن حرب غزة لم تُسقط إسرائيل بوصفها دولة، ولم تُنهِ تفوقها العسكري، لكنها وضعتها أمام أزمة شرعية ومكانة يصعب معالجتها بالأدوات التقليدية. فالمشكلة، في تقديره، لم تعد مرتبطة بإدارة حملة إعلامية أو تحسين صورة مؤقتة، وإنما تتعلق بإعادة بناء الثقة والشرعية في عالم أصبح أكثر قدرة على مساءلة الدول، وأكثر تأثرًا بالصور والوقائع المباشرة من أي وقت مضى. ومن هنا يرى أن السؤال الذي سيحدد مستقبل إسرائيل خلال السنوات المقبلة لن يكون متعلقًا بقدرتها على كسب الحروب، بل بقدرتها على استعادة المكانة الدولية التي تعرضت لهزة عميقة بعد حرب الإبادة على غزة.
الخاتمة
يختتم الباحث د. نواف التميمي كتابه «بعد حرب الإبادة في غزة: إسرائيل من ذروة الصعود إلى تصدع النموذج.. أزمة الشرعية والمكانة الدولية»، الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، بالتأكيد أن الدراسة لم تستهدف تقييم نتائج الحرب من منظور عسكري أو سياسي مباشر، وإنما سعت إلى تحليل التحول الذي أصاب المكانة الدولية لإسرائيل بوصفها أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية. ويرى أن ما شهدته إسرائيل بعد حرب غزة يمثل نقطة انعطاف في مسار الصورة التي عملت على بنائها منذ قيامها، وأن هذا التحول يستحق الدراسة بوصفه تطورًا بنيويًا، لا مجرد أزمة إعلامية عابرة.
ويؤكد المؤلف أن إسرائيل نجحت، طوال عقود، في بناء «سمة وطنية» متماسكة، استندت إلى الجمع بين القوة العسكرية، والدبلوماسية العامة، والخطاب الأخلاقي، والدعم الغربي، والقدرة على إدارة الرواية في المجال العام الدولي. وقد أسهم هذا النموذج في ترسيخ صورة إسرائيل باعتبارها دولة حديثة وديمقراطية، تتمتع بشرعية سياسية وأخلاقية في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي.
غير أن حرب الإبادة على غزة، في تقدير الباحث، وضعت هذا النموذج أمام اختبار غير مسبوق، إذ لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا للحفاظ على المكانة الدولية، بعدما أصبحت صور الدمار والخسائر الإنسانية عنصرًا رئيسيًا في تشكيل الإدراك العالمي. ويرى أن اتساع نطاق تداول هذه الصور عبر المنصات الرقمية، وتراجع قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على احتكار الرواية، أديا إلى إعادة تشكيل نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى إسرائيل، وإلى بروز تساؤلات متزايدة حول شرعيتها السياسية والأخلاقية.
ويخلص المؤلف إلى أن أخطر ما أفرزته الحرب ليس تراجع التعاطف الإعلامي فحسب، وإنما اهتزاز الرصيد الرمزي الذي استندت إليه إسرائيل في تبرير سياساتها وكسب الدعم الدولي. فالصورة الذهنية التي تشكلت عبر عقود تعرضت لاختبار قاسٍ، وأصبحت أقل قدرة على مقاومة الانتقادات المتزايدة الصادرة عن المؤسسات الدولية، والجامعات، ووسائل الإعلام، ومنظمات حقوق الإنسان، والرأي العام في عدد من الدول الغربية.
ويرى الباحث أن هذا التحول لا يعني بالضرورة فقدان إسرائيل مكانتها الدولية بصورة فورية، ولا انهيار تحالفاتها التقليدية، لكنه يشير إلى بداية مرحلة جديدة أصبحت فيها الشرعية الدولية عنصرًا أكثر تأثيرًا في تقييم قوة الدول، إلى جانب عناصر القوة التقليدية. ومن ثم فإن استمرار التراجع في الصورة الذهنية قد ينعكس، مع مرور الوقت، على البيئة السياسية والدبلوماسية التي تتحرك فيها إسرائيل، وعلى قدرتها على المحافظة على النفوذ الذي تمتعت به خلال العقود الماضية.
ويؤكد المؤلف أن القيمة الأساسية للدراسة تكمن في نقل النقاش من حدود التحليل العسكري المباشر إلى دراسة العلاقة بين القوة والشرعية والصورة الذهنية، مبينًا أن الدول لم تعد تُقاس بما تمتلكه من جيوش واقتصادات فقط، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على الثقة والقبول والشرعية في النظام الدولي. ومن هذا المنطلق، يرى أن حرب غزة قد تمثل بداية إعادة تشكيل مفهوم المكانة الدولية في الشرق الأوسط، وأن فهم هذه التحولات يتطلب متابعة مستمرة للتغيرات التي يشهدها الرأي العام العالمي وآليات صناعة السرديات في العصر الرقمي.
لقراءة الكتاب وتحميله (اضغط هنا)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة