بينما تشتعل جبهات القتال من شرق أوروبا إلى قلب الشرق الأوسط، يجد حلف شمال الأطلسي ( الناتو) نفسه أمام مرآة تعكس واقعا دفاعيا مقلقا.
ورغم محاولات الحلف لتبنّي سياسة "النأي بالنفس" وتجنب الانخراط المباشر في أتون الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، فإن أصداء المدافع في تلك المنطقة لم تبقَ حبيسة حدودها الجغرافية، بل تردد صداها داخل غرف العمليات في بروكسل، كاشفة عن تصدعات صامتة ونقاط ضعف لم تكن في الحسبان.
هذا المشهد المعقد يضع الناتو أمام اختبار وجودي غير مسبوق، ومع تصاعد التحذيرات من أن طموحات موسكو قد تتجاوز حدود أوكرانيا لتضع الحلف في مواجهة مباشرة بحلول عام 2029، يصبح السؤال الأهم في هذه المرحلة: هل يمتلك الحلف "النفس الطويل" والتماسك السياسي والتقني للصمود في وجه حرب شاملة؟
وبين الاستعدادات النظرية والواقع، كشفت تقارير حديثة عن فجوة عميقة لحكومات أوروبا في مواجهة خطر روسي محتمل، إذ أظهرت أحدث عمليات المحاكاة العسكرية أن الحلف ليس مستعدا كما يُعتقد، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال.
ومع الوقت بدأت تتلاشى فرضية عام 2029، إذ شهدنا تحولا جذريا في تقديرات أجهزة الاستخبارات والأمن الأوروبية. ففي حين كان الاعتقاد السائد في برلين وعواصم أخرى أن روسيا لن تشكل تهديدا مباشرا قبل عام 2029، هناك إجماع متزايد الآن على أن الأزمة قد تنفجر في وقت أقرب بكثير.
وقال وزير الدفاع الهولندي روبن بريكلمانز في مقابلة إن تقييم بلاده يشير إلى أن روسيا ستكون قادرة على تحريك أعداد كبيرة من القوات في غضون عام واحد.
وأضاف أن بلاده تلاحظ بالفعل زيادة في المخزونات الإستراتيجية الروسية، وتوسعا في الوجود العسكري والقدرات على طول حدود الناتو.
ويُعزى ذلك إلى تحوُّل روسيا إلى "اقتصاد الحرب" وتكريس مواردها لإعادة التسلح والتجنيد بما يتجاوز احتياجات جبهة أوكرانيا.
كما قال مستشار الأمن القومي الليتواني ديفيداس ماتوليونيس إن "القلق واضح جليّ في بلادي، لكننا في الوقت ذاته نستعد للدفاع عن أنفسنا".
وأضاف أنه بينما تتوقع ليتوانيا مساعدة الولايات المتحدة وحلفاء الناتو الآخرين في حال حدوث توغل روسي، فلا ينبغي الاستهانة بقوات البلاد "سيخوضون القتال بلا شك، حتى قبل وصول التعزيزات".
وفي المقابل، قال قائد القوات البرية الألمانية الفريق كريستيان فرويدينغ إن تقديرات الناتو الاستخبارية ما زالت تشير إلى أن روسيا غير قادرة على مهاجمة دول الحلف قبل 2029، لكنه أكد أن ألمانيا وحلفاءها مستعدون للقتال الآن إذا لزم الأمر.
كما يؤثر الجدل بشأن قرب التهديد الروسي بشكل مباشر على التخطيط العسكري الأوروبي، إذ يشير مشككون إلى بطء التقدم الروسي في أوكرانيا وتكلفة حرب الاستنزاف هناك. وقال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إن الرئيس فلاديمير بوتين "فشل في تحقيق معظم أهدافه، ولم يحاول حتى مواجهة الناتو بسبب تعثره في أوكرانيا".
وأثارت محاكاة عسكرية لسيناريو توغل روسي في ليتوانيا، نظمتها صحيفة دي فيلت الألمانية في ديسمبر/كانون الأول بالتعاون مع مركز المحاكاة الحربية الألماني في جامعة هيلموت شميت التابعة للقوات المسلحة الألمانية، نقاشا واسعا داخل الأوساط الأمنية الأوروبية حتى قبل نشر نتائجها يوم الخميس.
وشارك في هذه المحاكاة 16 شخصا، هم مسؤولون ألمان سابقون ومسؤولون من الناتو ونواب وخبراء بارزون في الأمن، حيث جسدوا أدوارا في سيناريو مفترض حدوثه في أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وبحسب المحاكاة، استخدمت روسيا ذريعة أزمة إنسانية في جيب كالينينغراد للاستيلاء على مدينة ماريامبولي الليتوانية، وهي عقدة طرق حيوية في الفجوة الضيقة بين روسيا وبيلاروسيا.
ونجحت الرواية الروسية التي صورت الهجوم على أنه مهمة إنسانية في دفع الولايات المتحدة إلى الامتناع عن تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو التي تنص على الدفاع الجماعي.
كما بدت ألمانيا مترددة، في حين امتنعت بولندا رغم التعبئة عن إرسال قوات عبر الحدود إلى ليتوانيا. ولم تتدخل الكتيبة الألمانية المنتشرة بالفعل في ليتوانيا جزئيا بسبب استخدام روسيا طائرات مسيّرة في زرع ألغام على الطرق المؤدية من قاعدتها.
وكشفت محاكاة عسكرية لاندلاع نزاع، تفترض توغلا روسيا داخل ليتوانيا، عن احتمال عدم جاهزية الناتو وتردده في اتخاذ القرار. وسلطت تلك المحاكاة العسكرية الضوء على مدينة ماريامبولي الليتوانية، بوصفها "عنق زجاجة" إستراتيجيا يربط دول البلطيق ببقية دول الناتو.
وفي المحاكاة، تمكنت روسيا خلال أيام قليلة، وفي غياب القيادة الأمريكية، من تقويض مصداقية الناتو وفرض هيمنتها على دول البلطيق باستخدام قوة أولية قوامها نحو 15 ألف جندي فقط.
وأظهرت نتائج المحاكاة أن الخطر الأكبر يكمن في استغلال روسيا "المنطقة الرمادية"، حيث تستخدم تكتيكات هجينة (مثل التذرع بمهام إنسانية) تجعل من الصعب على الحلفاء الـ32 الاتفاق على نقطة تجاوز "الخط الأحمر"، ويهدف هذا التكتيك إلى تقسيم الأوروبيين وإظهار عدم فاعلية دفاعات الناتو المشتركة، دون الحاجة إلى الدخول في حرب استنزاف طويلة.
والواقع أن "التوغل الروسي أو الغزو الصريح" لدول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي أكثر احتمالا بسبب توترات أوروبا مع الرئيس ترمب بشأن غرينلاند وأوكرانيا والتجارة وقضايا أخرى، كما يقول قادة أمنيون وسياسيون أوروبيون.
إذا كانت المحاكاة قد حذرت من التردد السياسي، فإن الصراع الأخير في الشرق الأوسط نقل التحذير إلى المستوى العسكري العملي، ويؤكد خبراء ودبلوماسيون لموقع بوليتيكو أن انخراط الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة إيران كشف عن "تصدعات" قد تجعل الحلف يعاني بشدة إذا قررت روسيا الهجوم.
وسلطت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الضوء على نقص حاد في الذخائر، إذ استهلكت الولايات المتحدة نصف مخزونها من صواريخ " باتريوت"، في حين بدأت مخزونات فرنسا من صواريخ "أستر" و"ميكا" بالنفاد خلال أول أسبوعين. ومع إنتاج روسيا لآلاف المسيّرات شهريا، يحذر الخبراء من أن صواريخ الناتو العالية القيمة قد تنفد خلال أسابيع، مما يفرض ضرورة التحول نحو بدائل أرخص وأكثر وفرة.
ونقل "بوليتيكو" عن مصدر مطلع على الأمر أن ملف نقص ذخائر الحلف حساس لدرجة إنه سيحتل حيزا كبيرا في قمة قادة الناتو المقررة في يوليو/تموز المقبل.
وأثبتت الهجمات الإيرانية المكثفة لا سيما على دول الجوار بأكثر من 5000 هجوم صاروخي و بطائرات مسيّرة أن القصف الجوي التقليدي له حدود واضحة ولا يمكنه إخضاع الدول، وهذا الواقع -وفقا للصحيفة- يدفع الناتو إلى إعادة التفكير في عقيدته الجوية، والتوجه نحو الاستثمار في أسلحة الضربات الدقيقة البعيدة المدى لضرب العمق الروسي ومراكز إنتاج المسيّرات، بدلا من الاعتماد الكلي على الطائرات.
وقال دبلوماسيان في الحلف إن حرب إيران أثارت بالفعل نقاشات جديدة داخل الناتو بشأن الحاجة إلى قدرات ضربات عميقة أكبر، مع انطلاق المحادثات بشأن دورة التخطيط الدفاعي للأعوام الأربعة المقبلة للمنظمة هذا العام.
كما ترى تقارير أن الرد الأوروبي المحدود في المنطقة كشف عن إهمال طويل الأمد للقوى البحرية. فبريطانيا، التي تُعَد قوة بحرية تاريخية، احتاجت إلى 3 أسابيع لنشر مدمرة واحدة سرعان ما عادت إلى الميناء بسبب خلل فني، في حين يعاني الأسطول الكندي تعطل نصف سفنه. وفي أي صراع مع روسيا، ستكون هذه الأساطيل عاجزة عن مطاردة الغواصات الروسية في الشمال أو حماية البحار.
ولم تكن الفجوات عسكرية فحسب، بل اتسعت الفجوة السياسية داخل الحلف، مع رفض أوروبا مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالدعم العسكري في إيران، وهو ما دفع واشنطن إلى التفكير في إجراءات انتقامية، وعزز رؤية ترمب للناتو بأنه "نمر من ورق"، كما رددها مرات.
ولعل هذا الواقع يثير مخاوف حقيقية من أن الولايات المتحدة قد ترفض التدخل أو تكتفي بدعم محدود إذا تعرضت أوروبا لغزو روسي، مما يضع مصير القارة على المحك.
وردا على ذلك، قال أندرس فوغ راسموسن، الأمين العام السابق للناتو، إنه يجب على العواصم الأوروبية تبنّي "النهج النفعي" نفسه الذي يتبعه ترمب، ويجب عليها ربط دعمها في إعادة فتح مضيق هرمز بوضوح بالتزام واشنطن تجاه الناتو.
كما حذر من مواصلة ما سمّاه استرضاء ترمب، وهو ركن أساسي في نهج الأمين العام للناتو مارك روته تجاه الرئيس الأمريكي. وقال راسموسن "وقت المداهنة قد انتهى".
ولا يمكن إغفال أن روسيا تعلمت دروسا من الجبهة الأوكرانية، فبينما يرى بعض المسؤولين أن خسائر روسيا الفادحة في أوكرانيا تمنح أوروبا وقتا للاستعداد، يحذر آخرون من أن إنهاء القتال في أوكرانيا أو تجميده قد يحرر فورا نحو 200 ألف جندي روسي "متمرس" للعمل في جبهات جديدة.
ويؤكد تقرير لـ"وول ستريت جورنال" أن روسيا لن تنتظر حتى تصبح أوروبا مستعدة، بل ستتحين الفرص السياسية لضرب تماسك الحلف.
كما أن التحول المفاجئ في دور أوكرانيا من "طالب للمساعدة" إلى "مزود للأمن" وخبير في إسقاط المسيّرات، يضع الحلف أمام حقيقة واحدة، أن المواجهة المقبلة لن تُحسم بالخطابات السياسية، بل بالجاهزية الصناعية والقدرة على سد الفجوات قبل حلول عام 2029، وفقا للصحيفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة