في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شهدت الساحة اللبنانية في الأسابيع الأخيرة تصعيدا إسرائيليا لافتا، أعاد فتح ملف الخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، وطرح تساؤلات واسعة حول خلفيات هذا التصعيد وتوقيته، في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب وتداخل المسارات السياسية والعسكرية بين أكثر من جبهة.
ويتزامن هذا التصعيد مع توتر متزايد في الإقليم، خصوصا على خط الولايات المتحدة وإيران، مما يثير مخاوف من انزلاق الأوضاع في لبنان إلى مسار أكثر خطورة، في وقت يعاني فيه الداخل اللبناني من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، تجعل أي مواجهة واسعة الكلفة والثمن.
وفي هذا السياق قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية نهاد أبو غوش، إن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان لم تتوقف منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مشيرا إلى تسجيل أكثر من 5 آلاف خرق وفقا لإحصاءات الجيش اللبناني ولجنة آلية المراقبة ووسائل إعلام متعددة.
واعتبر أبو غوش، في مقابلة مع الجزيرة، أن التصعيد الحالي يرتبط بشكل واضح بالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تحاول إسرائيل تصوير حزب الله باعتباره جزءا من آلة الحرب الإيرانية، في سياق ترجيحها المستمر للخيار العسكري رغم الأجواء التفاؤلية المعلنة بشأن المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران.
وأوضح أبو غوش أن إسرائيل تسعى إلى تقديم معركتها ضد حزب الله على أنها جزء من مواجهة إقليمية أوسع مع إيران، بما يمنحها غطاء سياسيا وشرعية أوسع لاستمرار هجماتها على لبنان، وكذلك على المقاومة الفلسطينية.
وأضاف أن من بين أهداف هذا التصعيد أيضا تأزيم الوضع الداخلي اللبناني، سواء عبر ملف حصر السلاح بيد الدولة أو عبر تأجيج الخلافات المرتبطة بالانتخابات المقبلة والمخيمات الفلسطينية، في محاولة لدفع الداخل اللبناني للضغط باتجاه معالجة ملف سلاح حزب الله دون تدخل إسرائيلي مباشر.
ومساء الجمعة، استهدف الطيران الإسرائيلي مبنى في بلدة رياق بقضاء بعلبك شرق لبنان، مما أدى إلى استشهاد 10 أشخاص، وإصابة أكثر من 30 آخرين.
كما شن الطيران الإسرائيلي غارتين على سهلي بلدتي قصرنبا وتمنين التحتا بقضاء بعلبك، و3 غارات على محلة الشعرة عند سفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية في قضاء بعلبك.
رسالة للولايات المتحدة
من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم حيدر، أن التصعيد الإسرائيلي الأخير يمثل انتقالا من سياسة الرسائل المحدودة إلى قرار واضح باستئناف الحرب ضد حزب الله، معتبرا أن هذا القرار له بعد لبناني مباشر وآخر مرتبط بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية، وأن إسرائيل لم تعد تكتفي بمسألة السلاح، بل تسعى إلى تفكيك ما تعتبره "ذراعا إيرانية" في المنطقة.
وفيما يتعلق بالموقف اللبناني الرسمي، أوضح حيدر أن دعوة الرئيس اللبناني جوزيف عون الدول الراعية للاستقرار إلى تحمل مسؤولياتها ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، هي رسالة موجهة أساسا إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى المجتمع الدولي ولا سيما فرنسا التي تستعد لرعاية مؤتمر لدعم الجيش اللبناني.
ولفت إلى أن لجنة آلية المراقبة المكلفة بمتابعة وقف الأعمال العدائية متوقفة بقرار أمريكي، مما أدى إلى تعطيل المسار التفاوضي الوحيد المتاح وضاعف المخاوف من توسع العمليات الإسرائيلية.
ومنذ أسابيع تقوم الولايات المتحدة وبتحريض من إسرائيل بتعزيز قواتها العسكرية في الشرق الأوسط، وتلوح بتنفيذ عمل عسكري ضد إيران لإجبارها على التخلي عن برنامجيها النووي والصاروخي وعن "وكلائها بالمنطقة".
وترى طهران أن واشنطن وإسرائيل تختلقان ذرائع للتدخل وتغيير النظام فيها، وتتوعد بالرد على أي هجوم عسكري ولو كان محدودا، مع تمسكها برفع العقوبات الاقتصادية الغربية مقابل فرض قيود على برنامجها النووي.
وحول الخيارات المتاحة أمام لبنان في حال تصاعد الهجمات، أشار حيدر إلى وجود اتصالات لبنانية مكثفة مع المجتمع الدولي لتحييد البلاد عن أي ارتدادات محتملة إذا اندلعت مواجهة أمريكية إيرانية، إلى جانب مساع لإقناع حزب الله بأخذ الوضع الداخلي اللبناني بعين الاعتبار.
لكنه أقر بأن موقف حزب الله المعلن يقوم على إسناد إيران في حال اتساع المواجهة، في وقت يركز فيه لبنان رسميا على المسار الدبلوماسي ويدعو إلى إعادة تفعيل آلية المراقبة والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها.
وفي رد على سيناريو استبعاد الخيار العسكري في الملف الإيراني، قال أبو غوش إن إسرائيل تستند في تعاملها مع حزب الله إلى ورقة الضمانات الأمريكية الموقعة على هامش اتفاق نوفمبر/تشرين الثاني 2024، التي تتيح لها مواصلة عملياتها شمال الليطاني بحجة إنفاذ القرار 1701.
وأضاف أن صمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إزاء هذه الخروقات يعزز اقتناع إسرائيل بقدرتها على الاستمرار في التصعيد، بل والعمل على دفع الخيار العسكري ليبقى مطروحا، من خلال التحريض والتعبئة وتسويق ما تسميه مخاطر "وكلاء إيران" في المنطقة.
وختم أبو غوش بالقول إن إسرائيل تحاول إظهار حزب الله على أنه أداة إيرانية فاقدة للاستقلالية، رغم إدراكها أن الحزب التزم بعدم التدخل في جولات سابقة، إلا أنها تراهن على أن أي مواجهة كبرى مع إيران ستدفعه إلى الانخراط، بما يخدم سرديتها الإقليمية ويبرر تصعيدها المتواصل.
وقتلت إسرائيل أكثر من 4 آلاف شخص وأصابت نحو 17 ألفا آخرين خلال عدوانها على لبنان، الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم تحول في سبتمبر/أيلول 2024 إلى حرب شاملة، توقفت أواخر العام ذاته عقب توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.
المصدر:
الجزيرة