حذر باحثون وخبراء سوريون -في مساحة نقاش استضافتها الجزيرة على منصة إكس- من أن التفاهمات الأخيرة بين القيادة السورية وقوات سوريا الديمقراطية ( قسد) أصبحت مهددة، في ظل ما وصفوه بأنه "تخبط داخلي" و"تضارب تيارات" داخل قوات قسد.
وعبر الباحثون عن مخاوفهم من لجوئها إلى خيارات عسكرية غير منضبطة قد تفشل الاتفاقات القائمة وتعيد التصعيد الميداني.
وفي مشاركته في الجلسة، قال الباحث الإستراتيجي في وزارة الخارجية السورية عبيدة غضبان، إن التفاؤل الذي رافق الإعلان عن الاتفاقات السابقة تراجع خلال الأشهر الماضية، مشيرا إلى أن النهج الذي اتبعته قسد منذ نحو عام جعل الاتفاق مشوبا بالحذر.
وأكد الباحث أن القنوات لا تزال مفتوحة حتى آخر لحظة، لتقليل خسائر أرواح السوريين، مع إمكانية استمرار الشراكة تحت مظلة مؤسسات الدولة، بعد أن فقدت قسد معظم أوراق الضغط التي كانت تمتلكها.
وأضاف غضبان أن قسد لم تعد قوة موحدة، بل أصبحت عدة تيارات تعاني ارتباكا في الرؤى والخيارات، موضحا أن قائدها مظلوم عبدي وقع اتفاقا ثم أبدى رغبة في الانسحاب منه في اليوم التالي، وسط مخاوف من "خيارات انتحارية" قد تلجأ إليها بعض الأجنحة.
واستدل الباحث على ما قدمه بتراجع ثقل قسد العسكري، واعتمادها المتزايد على القوى العربية المحلية، إلى جانب مؤشرات مقلقة مثل استخدام السيارات المفخخة، وأشار إلى أن هذه الاضطرابات قد تترجم إلى قرارات إستراتيجية وعملياتية غير منضبطة تهدف إلى إفشال الاتفاق.
ولفت الباحث إلى وجود محاولات لعزل بعض التيارات في الخطاب الرسمي، كما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، لإبقاء باب التفاوض مفتوحا، رغم أن المسؤولية -حسب قوله- تقع على قسد، كما حذّر من مساعٍ داخل بعض التيارات لنقل المعركة خارج الحدود أو استدراج أطراف إقليمية بينها إسرائيل، لإرباك المسار القائم.
وأكد غضبان أن الملف الاقتصادي، ولا سيما آبار النفط والسدود، يسير بوتيرة أسرع من الملفات الأمنية، بعد تسلم الوزارات المعنية إدارتها المباشرة.
وأوضح أن الاتفاقيات غير الرسمية التي أبرمتها شركات أجنبية مع "قسد" أُعيد النظر فيها، مع وجود اهتمام من شركات عالمية بالاستثمار فيها، واعتبر أن المسار الاقتصادي قد يكون المدخل الأسهل لترتيب المرحلة المقبلة، مقارنة بالمسارات الأمنية والعسكرية المعقدة.
من جهته، وصف مؤسس ورئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني ما يجري في الجزيرة السورية بأنه "شديد التعقيد"، واعتبر أن ما حدث في 18 يناير/كانون الثاني لا يعد اتفاقا فعليا، بل إضفاء طابع رسمي على واقع عسكري جديد، موضحا أن قسد ليست كتلة واحدة، بل امتدادا تنظيميا لحزب العمال الكردستاني.
وأشار عبد الغني إلى أن مخيم الهول، الذي يضم نحو 23 ألف شخص، لم يعد صالحا للاستخدام البشري، ووصفه بأنه "مخيم اعتقال جماعي"، يضم عائلات لعناصر من تنظيم الدولة الإسلامية، كما كشف عن وجود آلاف حالات الاعتقال التعسفي شملت عراقيين، وعن نحو 4 آلاف حالة اختفاء قسري في سجون قسد، مطالبا بالسماح للإعلام -ومن ضمنه الجزيرة- بدخول المخيم لرصد أوضاعه الكارثية.
وقال مراسل "سوريا الآن" مالك أبو عبيدة إن سجن أقطان، الذي يضم نحو 1500 سجين، لا يزال نقطة توتر بين قسد والجيش السوري، في ظل غياب اتفاق نهائي حوله، رغم جولات التفاوض المتكررة بين الطرفين.
تساءل مدير المركز السوري للدراسات السياسية والإستراتيجية هل تخلت الولايات المتحدة عن قسد، مشيرا إلى أن تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك على منصة "إكس" حملت دلالات واضحة عن بداية تشكيل القوات ونهايتها.
ولفت المدير إلى أن قسد قد "أُنشئت بطلب أميركي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وكانت حليفا مهما لواشنطن، إلا أن الإدارة الأميركية أبلغتها أن وجودها في سوريا لن يكون دائما، خاصة مع تغير أولويات الإدارة الجديدة للرئيس دونالد ترامب" وفق تقديره.
من جانبه، قال الباحث المتعاون مع معهد الشرق الأوسط سامر الأحمد، إن "قسد مرتبطة بشكل معقد ومباشر بقيادات حزب العمال الكردستاني في تركيا"، مؤكدا أن أصحاب القرار الحقيقيين ليسوا داخل سوريا.
وأضاف أن هذه البنية فرضت عقلية قمعية على المناطق الخاضعة لسيطرة قسد، واتهمها بارتكاب انتهاكات واسعة ونهب للموارد، مشيرا إلى أن الجزء الأكبر من نفط الجزيرة كان يُحوّل إلى خارج سوريا خلال السنوات الماضية.
واختتم المشاركون في المساحة بالتأكيد على أن إنهاء تعدد السلطات وفرض سيادة الدولة السورية الكاملة يمثلان شرطا أساسيا لتحقيق الأمن والاستقرار، محذرين من أن استمرار الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة يهدد بإعادة إنتاج الفوضى، مهما تعددت الاتفاقات أو المسميات.
المصدر:
الجزيرة