آخر الأخبار

توني بلير.. إرث العراق يلاحقه وغزة ستقوده إلى لاهاي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

علي سعادة

انتهج خطا براغماتيا، وكان حائرا بين الاشتراكية والرأسمالية فاختار "الطريق الثالث"، فيما كان يميل، ضمن تصنيفات السياسة، إلى "يسار الوسط"، أو "اليسار المعتدل"، رغم أن صحيفة الغارديان البريطانية وصفته بأنه "وسط اليمين".

بيد أن الوقائع تضعه كزعيم "شعبوي" وليس حتى "محافظ"، حسب صحيفة "فايننشال تايمز".

إرثه الأكثر إثارة للجدل، كان زعمه وإصراره على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، رغم عدم تقديمه أية أدلة على ذلك، وهو المبرر الذي أدى إلى الاحتلال الأميركي للعراق وشن حرب لا تزال آثارها ظاهرة للعيان حتى اليوم.

وبدا بلير كمندوب مبيعات متجول يبدي حماسة في المزادات أكثر منه رئيس وزراء لدولة كانت ذات يوم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

وُلد توني بلير في العاصمة الأسكتلندية إدنبرة في عام 1953 لأب كان يعمل محاميا بالقضاء العالي وأكاديميا، ودرس بلير الابن القانون في كلية "سانت جونز" بجامعة "أكسفورد"، وأصبح محاميا بالقضاء العالي.

في بداية حياته، انحاز للسياسة العمالية، ثم انتخب في البرلمان عن "سيجفيلد" في شمال شرق إنجلترا في عام 1983، وفيما بعد أصبح زعيما للمعارضة بعد انتخابه رئيسا لـ" حزب العمال " في عام 1994، بعد الموت المفاجئ لزعيم الحزب آنذاك، جون سميث.

وخلال تلك الفترة، اتهمه زعيم نقابات العمال آرثر سكارجيل بـ"اعتناق الرأسمالية والارتقاء إلى حضن الشيطان".

وما لبث بعد 3 أعوام أن انتزع رئاسة الحكومة البريطانية من حزب المحافظين بزعامة جون ميجر، بعد حكم "المحافظين" نحو 18 عاما.

بقي بلير في المنصب 3 فترات رئاسية متتالية ما بين عامي 1997 و2007، وشهد " العمال" في عهده تغيرا جذريا في البنية الفكرية والاقتصادية للحزب، واستخدم الحزب عبارة " حزب العمل الجديد"، لينأى بنفسه عن سياسات "حزب العمال" السابقة والفكرة التقليدية للاشتراكية.

إعلان

وحسب ما نشر حول سيرته الذاتية، فقد عارض النهج اليساري في الحزب، وألغى البند الرابع، وهو الالتزام الرسمي للحزب بتأميم الاقتصاد، وإضعاف النفوذ النقابي في الحزب، والتزامه بالسوق الحرة والاتحاد الأوروبي .

في العام 2007 استقال بلير من منصب رئيس الوزراء وزعامة حزب "العمل"، ليخلفه غوردون براون ، الذي كان على علاقة مشحونة مع بلير منذ عام 1994.

وجاءت استقالة بلير بعد ضغوط مكثفة للتنحي بعد أن تراجعت شعبيته إلى أدنى مستوياتها، وعانى حزب "العمال"، الذي تولى بلير رئاسته لنحو 13 من سياساته.

كما ساهمت الخسارة الكبيرة التي تعرّض لها "العمال" في الانتخابات المحلية في ذلك، إذ سارع نواب عماليون لجمع التواقيع على عريضة تطالب بلير بالتنحي، وتسليم السلطة لوزير المالية جوردن براون.

وشهدت بريطانيا في عهده تدخلات خارجية عديدة مثل التدخلات البريطانية في كوسوفو وسيراليون، وخلال الحرب على ما وصف بـ"الإرهاب"، كما أيد السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش دون تحفظ، وشاركت بريطانيا عسكريا في الحرب في أفغانستان خلال عام 2001.

وكان الموقف الأكثر إثارة للجدل هو غزو العراق في عام 2003، حيث زعم بلير أن نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين امتلك برنامج أسلحة دمار شامل نشطا، ولكن لم يعثروا على أي مخزون أو برنامج لأسلحة الدمار الشامل في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.



انحياز بلير لواشنطن لم يقتصر على العراق فقط، وإنما امتد أيضا للبنان فقد أيد الولايات المتحدة وتل أبيب في شن الحرب على لبنان في يوليو/تموز عام 2006، وفي عزل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد فوزها بالانتخابات في فلسطين .

وفي جميع المراحل كان بلير سفيرا فوق العادة أو رئيس وزراء بصلاحيات سفير، وهو أيضا خطيب يتقن حرفته، وينتقي كلماته بعناية على عكس إدارة بوش التي تفتقد للوضوح والتبرير.

وقد منحته واشنطن جائزة ترضيه بعد سقوطه حين ضغطت لتعيينه في عام 2007 مبعوثا دوليا للجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام في الشرق الأوسط .

ورغم النمو الاقتصادي المتواصل الذي سجلته بريطانيا في عهده، ونسبة البطالة المتدنية، والإصلاحات الواسعة النطاق التي أدخلها إلى الخدمات العامة فإن الإنجليز لم يغفروا له توريط بلادهم في الحرب على العراق، حيث قتل نحو 150 جنديا بريطانيا.

كما يحكمون بقسوة على وقوفه دون تردد إلى جانب السياسات الأميركية، حتى إن الصحافة البريطانية ألصقت ببلير وصف "كلب بوش المدلل" بعد الحرب على العراق.

العراق سيبقى أكبر فشل في عهد بلير، و"كما لم يتمكن الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيسكون يوما من محو فضيحة وترغيت، فإن بلير قد لا يتمكن يوما من الخروج من ظل العراق". كما ذهب أستاذ التاريخ دومينيك ساندبروك في صحيفة "ذي أوبزرفر".

وعلى وقع الحرب على قطاع غزة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، تردد اسم بلير بقوة في منصات التواصل بعد أن كشف الإعلام الإسرائيلي بأن بلير عقد عدة لقاءات مع قادة الاحتلال، في مقدمتهم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ، لم يجرِ الإفصاح عنها، وكانت تهدف إلى أن يلعب بلير دور الوسيط "بين الرغبات الإسرائيلية لليوم التالي، وبين الدول العربية المعتدلة، إضافة إلى إعادة دراسة إمكانية قبول لاجئين من غزة في دول حول العالم"، حسب الإعلام الإسرائيلي.

واعتبر حقوقيون أن مشاركة بلير في هذا السيناريو يعد جريمة حرب وتندرج في إطار مخططات الاحتلال لتعميق الإبادة الجماعية والتهجير القسري في صفوف الفلسطينيين.

إعلان

كان يمزج بين الاهتمام "التبشيري" القائم على حرب عادلة، وتوقه لإحياء نفوذ بريطانيا الإستراتيجي لزمن ما بعد الاستعمار، أو عالم ما بعد "الحداثة" كما ذهب توم بنتلي مدير مركز الدراسات المستقبلية في لندن ، هذا المزج المغلف بالتبرير كان مرفقا بانتهازية وبراغماتية، وتمسكا بالظروف الملائمة أكثر من تمسكه بالمبادئ الثابتة.

بلير لم يتوقف منذ أن قاد السياسة البريطانية وحتى اليوم عن التبعية الكاملة للرؤية الأميركية للمنطقة، فقد واصل حديث الانتهازي المغلف بالبلاغة والسرد المضلل، وعاد اسمه للتصدر في وسائل الإعلام بعد أن أعلن البيت الأبيض أمس أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترأس اجتماعا بشأن الحرب في غزة، حضره توني بلير، ومبعوث ترامب السابق للشرق الأوسط، وصهره جاريد كوشنر .

ووصف مسؤول أميركي الجلسة بأنها "مجرد اجتماع سياسي، من النوع الذي يعقده ترامب وفريقه بشكل متكرر".

وتبدو هذه التصريحات محاولة لتشتيت الرأي العام العالمي، الذي بدأ في نشر فيديوهات وتسجيلات له لدوره في حرب العراق وتضليله للعالم بمزاعم الأسلحة العراقية، وربطه عبر عدة تقارير صحفية بمزاعم تهجير سكان غزة ونقلهم إلى دول أخرى، لتنفيذ رؤية ترامب بـ"ريفيرا غزة".

جريمته في العراق لم تسقط بالتقادم، وهي تطارده مثل مطاردة الساحرات، فمثل هذه الجرائم تبقى تنتظر العدالة، وكما ارتقى إلى "حضن الشيطان" في العراق وأفغانستان فستطارده أشباح بغداد وصرخات أطفال ونساء غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية في " لاهاي " بهولندا، ولن تنفعه بلاغته وتمكنه من الخطابة والتبرير في الهروب من قفص الاتهام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا