في وقت مضى كان الزوجان يستطيعان فيه قضاء ساعات طويلة في الحديث دون النظر إلى الساعة. أما اليوم، فكثير من الأزواج يجلسون جنبا إلى جنب في صمت، كل منهم غارق في شاشة مضيئة، يتصفح بلا نهاية حياة الآخرين، بينما تنزلق علاقتهما تدريجيا نحو مسافة عاطفية باردة.
غالبًا ما يُطرح تراجع الشغف والحميمية بعد سنوات من الزواج إما كموضوع محرج ومسكوت عنه، أو يُختزل في تفسيرات سطحية مثل "الروتين" و"الملل". لكن علماء النفس والأعصاب وخبراء العلاقات يرون اليوم أن الأمر أكثر تعقيدا بكثير، فهو ظاهرة بيولوجية ونفسية واجتماعية تتداخل فيها الهرمونات، والضغوط النفسية، والتكنولوجيا، والأعباء الاقتصادية، وتربية الأطفال، وطبيعة الحياة الحديثة نفسها.
ويؤكد المختصون أن انخفاض مستوى الشغف مع مرور الوقت لا يعني بالضرورة فشل العلاقة. فالعلاقات طويلة الأمد تمرّ بطبيعتها بمراحل مختلفة. ذلك الاندفاع العاطفي والكيميائي الذي يميز بدايات الحب يصعب على الدماغ البشري الحفاظ عليه إلى الأبد.
والتحدي الحقيقي ليس في بقاء الانبهار الأول، بل في قدرة الزوجين على الانتقال من مرحلة الشغف الأولي إلى علاقة أعمق تقوم على الأمان العاطفي والتعلق والدعم المتبادل.
يرتبط الحب في مراحله الأولى بتنشيط دوائر المكافأة في الدماغ، خصوصا المسارات المرتبطة بالدوبامين والنورأدرينالين، وهي مواد كيميائية ترتبط بالحماس، والتحفيز، والشعور بالجِدة والتوقع. وقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن الوقوع في الحب ينشط مناطق عصبية مشابهة لتلك التي تنشط أثناء التجارب الممتعة والمحفزة.
لكن الدماغ البشري يتكيف مع التكرار. فمع مرور الوقت، يقل تأثير عنصر الجِدة، وهي ظاهرة معروفة في علم النفس باسم التكيف المتعوي. وهذا يفسر جزئيا لماذا تخف حدة المشاعر والانبهار التي ترافق بدايات العلاقة بعد سنوات من العيش المشترك.
غير أن ذلك لا يعني اختفاء الحب، بل تحوّل العلاقة إلى نمط آخر أكثر استقرارا، يعتمد على الارتباط العاطفي والثقة والأمان، وهي عمليات ترتبط بأنظمة بيولوجية تشمل الأوكسيتوسين والفازوبريسين. وفي العلاقات الصحية، يمكن أن يحل الاستقرار والطمأنينة محل الإثارة الأولى. لكن المشكلة تبدأ عندما يتآكل التواصل العاطفي نفسه.
كما أن الضغوط المالية، وساعات العمل الطويلة، والمسؤوليات اليومية، والإجهاد النفسي المستمر، تستنزف تدريجيا الطاقة النفسية اللازمة للحفاظ على الحميمية. ولهذا يرى بعض الباحثين أن كثيرا من الأزواج لا يعانون من نقص الحب، بل من الإرهاق المزمن.
كما تلعب الصحة النفسية دورا أساسيا. فالاكتئاب، والقلق، والصدمات النفسية، والإجهاد الذهني المزمن، كلها ترتبط بانخفاض الرغبة والانسحاب العاطفي. وحتى بعض الأدوية المستخدمة لعلاج الاكتئاب والقلق قد تؤثر بدورها على الرغبة.
تمر العلاقة الزوجية أيضا بتحولات هرمونية معقدة عبر مراحل الحياة المختلفة. فعند النساء، يؤدي الحمل والولادة والرضاعة وسن اليأس إلى تغيرات كبيرة في مستويات الهرمونات مثل الإستروجين، والبروجسترون، والبرولاكتين والتستوستيرون، وهو ما قد ينعكس على المزاج والطاقة والصورة الذاتية والرغبة.
أما الرجال، فيشهد بعضهم انخفاضا تدريجيا في مستويات التستوستيرون مع التقدم في العمر، ما قد يؤثر على الطاقة والرغبة والمزاج، رغم أن الخطاب الشعبي حول هذا الهرمون غالبا ما يكون مبالغا فيه.
ويزيد الحرمان من النوم، خاصة لدى الآباء والأمهات الذين لديهم أطفال صغار، من تفاقم هذه التأثيرات، إذ ترتبط قلة النوم باضطراب المزاج وزيادة التوتر وانخفاض الرضا عن العلاقة.
كما أن الأطفال أنفسهم قد يعيدون تشكيل الديناميكيات العاطفية داخل الزواج بشكل عميق. فرغم أن الأبوة والأمومة توصف غالبا بأنها مصدر للمعنى والسعادة، فإن الدراسات تظهر باستمرار أن تربية الأطفال، خصوصا في السنوات الأولى، تضع ضغوطا هائلة على الأزواج. فالإرهاق المستمر، وقلة النوم، والمسؤوليات اليومية، والأعباء المالية، وتراجع الخصوصية، كلها تترك وقتا وطاقة أقل للعلاقة العاطفية.
ومع الوقت، يتحول كثير من الأزواج تدريجيا من شريكين عاطفيين إلى مديرين لشؤون الأسرة. وقد أظهرت دراسات أن مستوى الرضا عن العلاقة ينخفض غالبا بعد الانتقال إلى مرحلة الأبوة والأمومة، خاصة عندما تصبح أعباء تربية الأطفال غير متوازنة أو عندما يهمل الزوجان الحفاظ على لحظات خاصة تجمعهما بعيدا عن دورهما كوالدين.
ويضاف إلى كل هذه العوامل بُعد ثقافي واجتماعي مهم، خاصة في المجتمعات العربية، حيث لا يزال التعبير العاطفي المباشر بين الأزواج يمثل تحديا لدى كثير من الناس.
فكثيرون نشؤوا في بيئات تعتبر الإفصاح عن الحب أو المشاعر نوعا من الحرج أو الضعف أو أمرا لا ينسجم مع صورة الوقار الاجتماعي، خصوصا لدى الرجال. ونتيجة لذلك، قد يعيش بعض الأزواج سنوات طويلة دون تعبير واضح عن التقدير أو الحنان أو الاحتياج العاطفي، رغم وجود مشاعر حقيقية في الداخل.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الصمت العاطفي إلى شعور أحد الطرفين بالإهمال أو البرود، حتى في غياب المشاكل الكبيرة. فالعلاقات الإنسانية لا تعتمد فقط على وجود الحب، بل أيضا على التعبير عنه.
وتشير دراسات علم النفس العاطفي إلى أن الكلمات الدافئة، والاهتمام، والتقدير، واللمسات البسيطة، تلعب دورا أساسيا في تعزيز الترابط العاطفي والشعور بالأمان داخل العلاقة الزوجية.
كما يستهين بعض الأزواج بدور العلاقة الحميمة في تقوية الترابط العاطفي والنفسي بين الشريكين، وينظرون إليها أحيانا كمسألة ثانوية أو كحاجة جسدية فقط، بينما تشير الأبحاث النفسية والبيولوجية إلى أن الحميمية تلعب دورا أعمق بكثير داخل العلاقة الزوجية.
فالتقارب الجسدي والعاطفي يساهم في تعزيز الشعور بالأمان والانتماء والثقة، ويرتبط بإفراز هرمونات مثل الأوكسيتوسين التي تعزز الارتباط العاطفي وتخفف التوتر والقلق.
ولا يتعلق الأمر فقط بالعلاقة الحميمة بمعناها الضيق، بل أيضا بالمودة الجسدية اليومية مثل اللمسات، والاحتضان، والتقارب العاطفي، وهي تفاصيل صغيرة قد تبدو بسيطة لكنها تلعب دورا مهما في الحفاظ على الدفء العاطفي داخل الزواج. وعندما يغيب هذا الجانب لفترات طويلة دون حوار أو فهم متبادل، قد تتوسع المسافة النفسية بين الزوجين تدريجيا، حتى لو استمرت الحياة اليومية بشكل طبيعي ظاهريا.
ربما لا يوجد عامل غيّر العلاقات الإنسانية الحديثة بسرعة مثل الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي. فالزوجان قد يعيشان في المكان نفسه، لكن كلا منهما يعيش نفسيا وعاطفيا داخل عالم مختلف. الإشعارات المستمرة، والتمرير اللانهائي، والخوارزميات المصممة لسرقة الانتباه، أصبحت تنافس الحوار الحقيقي والحضور العاطفي والاهتمام المتبادل.
وقد وصف الباحثون ظاهرة تُعرف باسم «التداخل التكنولوجي»، حيث تؤدي التكنولوجيا إلى مقاطعة التفاعلات الإنسانية بشكل متكرر. وتشير الدراسات إلى أن الانشغال المتكرر بالهاتف أثناء الحديث يقلل الإحساس بالتعاطف وجودة التواصل والرضا العاطفي.
لكن تأثير السوشيال ميديا يتجاوز مجرد التشتيت. فهذه المنصات تعرض باستمرار نسخا مثالية ومنتقاة بعناية من حياة الآخرين: رحلات رومانسية، وهدايا فاخرة، وصور عائلية مثالية، ولحظات حب مصطنعة ومعدلة بالفلاتر.
وما ينساه كثير من الناس هو أن هذه المنصات نادرا ما تعكس الواقع الحقيقي للحياة اليومية. فمعظم المستخدمين يعرضون أجمل اللحظات فقط، بينما يخفون الخلافات، والضغوط، والملل، والمشاكل المالية، والانهيارات العاطفية. لكن الدماغ البشري شديد التأثر بالمقارنة الاجتماعية.
وقد أظهرت أبحاث علم النفس أن الإنسان يقارن حياته تلقائيا بحياة الآخرين. ومع التعرض المستمر لهذه الصور المثالية، يبدأ البعض في تكوين توقعات غير واقعية عن الزواج والحب والسعادة. فيتصورون أن العلاقات الصحية يجب أن تكون مليئة دائما بالإثارة والرومانسية والشغف المستمر كما يظهر على الشاشات.
وهنا تبدأ المشكلة الخطيرة: الحياة الزوجية الطبيعية، بما فيها الروتين وضغوط العمل وتربية الأطفال والتقلبات العاطفية، قد تبدو للبعض وكأنها فشل فقط لأنها لا تشبه المسرح المثالي الذي يراه يوميا على مواقع التواصل.
وفي بعض الحالات، يتحول الاستثمار العاطفي تدريجيا من العلاقة الحقيقية إلى البحث عن التقدير الرقمي أو المقارنات الخيالية مع أشخاص غرباء على الإنترنت. فيبدأ الأزواج بمقارنة واقعهم الخاص بالعروض العامة التي يقدمها الآخرون. والمفارقة أن السوشيال ميديا التي تبيع صورة السعادة الكاملة قد تكون في الوقت نفسه أحد أسباب الشعور بالوحدة والفتور العاطفي داخل المنازل.
ليس كل تراجع في الشغف مرضيا أو خطيرا. ويحذر المختصون من التوقعات غير الواقعية التي تتصور أن العلاقات طويلة الأمد يجب أن تحافظ إلى الأبد على مشاعر البدايات نفسها. لكن الانقطاع العاطفي المستمر، أو النفور المزمن، أو غياب الحنان، أو سيطرة العدائية والاحتقار، أو تأثير الفتور على الصحة النفسية والحياة الأسرية، كلها قد تكون مؤشرات على وجود مشكلة أعمق تستدعي تدخلا متخصصا.
ويؤكد خبراء العلاقات أن الإهمال العاطفي قد يكون أحيانا أكثر تدميرا من الخلافات نفسها. فالزوجان اللذان يتوقفان عن التواصل العاطفي قد يتحولان تدريجيا إلى شخصين غريبين يعيشان تحت سقف واحد.
وتشير الأدلة العلمية إلى أن الحميمية ليست دائما أمرا عفويا، بل يمكن أيضا بناؤها ورعايتها بشكل متعمد. فجودة التواصل، والاهتمام المتبادل، والأنشطة المشتركة، والتقدير، واللمسات العاطفية الصغيرة، كلها عوامل ترتبط بقوة باستقرار العلاقات طويلة الأمد.
وفي كثير من الأحيان، تكون التفاصيل البسيطة أهم من التصرفات الكبيرة: الإنصات الحقيقي، تخصيص وقت بعيد عن الشاشات، التعبير عن الامتنان، وإبقاء الفضول العاطفي حيا تجاه الطرف الآخر. كما يمكن للعلاج الزوجي أن يساعد بشكل كبير في تحسين أنماط التواصل واستعادة القرب العاطفي، خاصة إذا تم اللجوء إليه مبكرا قبل تراكم سنوات من الصمت والاستياء.
ختاما، لعل أكبر وهم في الزواج الحديث هو الاعتقاد أن القرب العاطفي يمكن أن يستمر تلقائيا دون جهد أو رعاية. فالعلاقات، مثل الكائنات الحية، تضعف عندما تُهمَل. لقد أصبح العالم الحديث بارعا بشكل غير مسبوق في سرقة انتباه الإنسان. والسؤال الذي يواجه كثيرا من الأزواج اليوم هو: هل ما زالوا يحتفظون بجزء من هذا الانتباه لبعضهم البعض?
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة