يتعرض الدولار لضغوط جديدة في الأسابيع القليلة الأولى المضطربة من عام 2026 وسط دفع مجموعة متزايدة من العوامل -منها رغبة واشنطن في عملة أضعف – المستثمرين إلى معاودة النظر في توقعاتهم المتفائلة إزاء فترة استقرار للدولار.
وتراجع الدولار 0.34% – وقت كتابة هذا التقرير- أمام سلة من 6 عملات أساسية في العالم إلى 96.71 نقطة، وسط موجة بيع الأصول الأمريكية في ظل فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما أطلق عليه "يوم التحرير".
وخلال العام الأول من توليه منصب الرئيس لولاية ثانية، أدى نهج ترمب المتقلب تجاه التجارة والدبلوماسية الدولية فضلا عن هجومه على مجلس الاحتياطي الفدرالي ( البنك المركزي الأمريكي) إلى تراجع الدولار بأكثر من 9%، ليسجل أسوأ أداء سنوي له منذ عام 2017.
ولا يزال أداء الدولار منذ بداية العام أقل من أداء العملات الرئيسية الأخرى التي تشمل اليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري.
نقلت وكالة رويترز عن سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين في "برينسيبال أسيت مانجمنت"، وهي شركة تدير أصولا تزيد قيمتها عن 600 مليار دولار، قولها: "ثمة عوامل تتضافر معا.. لا أعتقد أن هذا الوضع يعكس اتجاها لبيع الأصول الأمريكية، لكن العوامل الأساسية تتحسن وبسرعة أكبر من المتوقع".
وخلال هذا الشهر فقط، هدد ترمب بالسيطرة على غرينلاند وفرض مزيد من الرسوم الجمركية على الحلفاء الأوروبيين بسبب هذه القضية كما تحرك لتوجيه تهم جنائية لرئيس البنك المركزي جيروم باول ووجه باعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، ويوم السبت، هدد كندا بفرض حظر تجاري فعلي.
ورغم تراجع ترمب عن تهديداته بشأن غرينلاند وعن فرض رسوم جمركية على دول أوروبية وتجاوز الأسواق آثار الهجوم على فنزويلا، فإن الوضع لا يزال يشوبه التوتر.
ولا تزال مؤشرات تقلبات السوق مرتفعة ومعنويات سوق السندات هشة، لا سيما بسبب عمليات البيع المكثفة في سندات الحكومة اليابانية التي ربما تمتد آثارها إلى سندات الخزانة الأمريكية، بينما يعكس الارتفاع المتواصل للذهب إلى مستويات قياسية جديدة بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة بديلة.
وقد تؤدي سياسات ترمب الداخلية – ومن بينها حملة على الهجرة غير القانونية أودت بحياة مواطنين أمريكيين اثنين خلال الشهر الجاري وأشعلت شرارة احتجاجات – إلى إغلاق حكومي آخر هذا الشهر.
ويقول كبير مسؤولي الاستثمار لدى شركة "بوتوماك ريفر كابيتال" في واشنطن، مارك سبينديل: "يضاف خطر الإغلاق هذا إلى العوامل التي تضغط على الدولار، ويمثل سببا إضافيا لأي شخص قد يعيد النظر في الاستثمار في الولايات المتحدة أو التحوط من مخاطر الدولار".
وعلاوة على ذلك، لا يزال من المتوقع أن يقدم الاحتياطي الاتحادي على خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال العام الجاري، بينما تثبت البنوك المركزية الكبرى الأخرى أسعار الفائدة أو قد ترفعها.
في غضون ذلك، شهدت أسواق الأسهم العالمية ارتفاعا ملحوظا العام الماضي، ويُعزى هذا إلى حد بعيد إلى الحماس المتزايد للذكاء الاصطناعي، وفق رويترز.
وتراجع أداء المؤشر ستاندرد آند بورز 500 منذ تولي ترمب منصبه مقارنة بأداء الأسواق الأخرى، فارتفع المؤشر بنحو 15% منذ ذلك الحين، مقابل صعود المؤشر كوسبي في سول 95% وتقدم المؤشر نيكي في طوكيو 40% ومؤشر بورصة شنغهاي بنحو 30%.
وقال الخبير الاقتصادي لدى "دايوا كابيتال ماركتس"، كريس سيكلونا: "يحرص مديرو الأصول على مواصلة تنويع محافظهم الاستثمارية بعيدا عن الولايات المتحدة. من الواضح أن العديد منهم كانوا يبالغون، أو شعروا أنهم يبالغون، في الاستثمار في السوق الأمريكية".
وأكد ترمب مرارا أن فرض الرسوم الجمركية ضروري لمعالجة الاختلالات التجارية، مع التركيز على عملات الدول الآسيوية التي تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري كبير معها.
ورغم الارتفاع اللاحق في قيمة الين، خسرت العملة اليابانية نحو 13% أمام الدولار خلال العام الماضي.
ومع ذلك، وبحسب مؤشر صادر عن بنك التسويات الدولية، لم يخسر الدولار سوى نحو 5.3% خلال 12 شهرا الماضية.
وأوضح رئيس استراتيجية الصرف الأجنبي لمجموعة العملات الرئيسية العشر في نومورا، دومينيك بانينغ أن المستثمرين باتوا أكثر قلقا إزاء انكشافهم على الدولار، وأن انخفاض العام الماضي يعود في معظمه إلى عوامل دورية مثل تباطؤ النمو.
وأضاف: "يكمن الفرق بالنسبة لي (هذا العام) في أن السياسات التي تتبناها واشنطن تبدو عدائية وجيوسياسية أكثر منها اقتصادية، لا سيما فيما يتعلق بالرسوم الجمركية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة