آخر الأخبار

كفى قتلًا… كفى دمًا

شارك

دمٌ يُسفك كلَّ يوم، وأمهاتٌ يُفجعن، وأطفالٌ يكبرون على الخوف بدل الأمان. إلى متى يستمر هذا النزيف؟ وأين الرجال؟ أين أحفاد سعدٍ وخالدٍ وبلال؟ وأين الضمير الجمعي حين يصبح الصمت شراكة، وحين يتحوّل الاعتياد على الدم إلى جريمة أخلاقية؟
لم يعد مقبولًا أن نبقى متفرّقين، ولا أن تُدار مأساتنا بالبيانات العابرة والكلمات المستهلكة. لقد آن الأوان أن تتحمّل كلّ المدن والقرى مسؤوليتها، وأن ننتقل من حالة الشكوى والعجز إلى الفعل المنظّم الواعي. نحن مجتمع لا يملك دولة تحميه، لكنّه يملك وعيًا وعقولًا وقوة بشرية هائلة، ومن هذا الواقع القاسي لا بدّ من مواقف جريئة وخيارات غير تقليدية، لأنّ النجاة لم تعد ترفًا ولا شعارًا، بل ضرورة وجود.
لا يمكن معالجة العنف بمعزل عن أسبابه، فما نعيشه اليوم ليس انفلاتًا عابرًا، بل نتيجة تراكمات عميقة امتدّت لسنوات طويلة، تتعلّق بجذور العنف، وأسباب النزاعات، وفقدان الأمن، وأثر القهر التاريخي الذي عاشه مجتمع خاضع لمجتمع آخر، وما خلّفه ذلك من تشويه في القيم وتفكك في البنية الاجتماعية. وهنا يفرض نفسه سؤال جوهري لا يجوز الهروب منه: هل هذا العنف طبيعي؟ أم أنّه صُنع عمدًا عبر سياسات طويلة هدفت إلى التفكيك، والإهمال، وتطبيع الفوضى؟ ومن دون مواجهة هذا السؤال بصدق، سيبقى أي حلّ أمني ناقصًا ومؤقتًا، ولهذا لا بدّ من حراك علمي وتربوي واسع يشارك فيه العلماء والمربّون والمفكّرون، لإعادة بناء الوعي، وترميم المعنى، وإعادة الاعتبار للقيم التي تحمي المجتمع من الانهيار.
وإلى جانب الوعي، لا بدّ من حضور ميداني مسؤول ومنظّم. نحن نمتلك قوة بشرية هائلة متمثّلة في 216 قرية ومدينة، ولو شارك من كل قرية 28 رجلًا فقط، فإننا نتحدّث عن نحو ستة إلى سبعة آلاف رجل قادرين على تشكيل قوة تدخل مجتمعية سريعة، مهمتها احتواء النزاعات قبل انفجارها، والتواجد الوقائي في القرى والمدن المشحونة، وفضّ الخلافات، وحماية السلم الأهلي. هذه ليست ميليشيا ولا فوضى، بل تنظيم أهلي واعٍ ومنضبط وأخلاقي، يبعث رسالة واضحة مفادها أن المجتمع حاضر، ولن يترك أبناءه فريسة للفلتان والعنف.
ولا يمكن لهذا المسار أن ينجح بلا موارد، ومن هنا تبرز أهمية التمويل المجتمعي الذاتي كخيار مسؤول. فجمع مبلغ رمزي من كل فرد، لا يتجاوز خمسين شيكلًا شهريًا، كفيل بأن يوفّر مئات ملايين الشواقل سنويًا، تُدار عبر صندوق مجتمعي مستقل، بشفافية كاملة ورقابة أهلية واضحة. تُستخدم هذه الموارد لاستقدام شركات أمن مدنية محترفة، مستقلة وغير منتمية، تعمل وفق معايير مهنية وأخلاقية، هدفها ضبط الأمن وحماية الناس ومنع تفجّر النزاعات، لا القمع ولا الهيمنة
وحين يُترك مجتمع كامل بلا حماية، يصبح التوجّه إلى المجتمع الدولي حقًا لا ترفًا. ومن هنا لا بدّ من بحث الخيارات الدولية الممكنة، سواء عبر آليات حماية أو أطر أممية أو صيغ رقابية تحفظ الأرواح، وكلّ ذلك من خلال تشاور شعبي واسع يقرّر فيه الناس ما هو الأنسب لهم، لا ما يُفرض عليهم.
هذه ليست دعوة غضب ولا خطاب انفعال، بل دعوة حياة ومسؤولية. فإن لم نتحرّك اليوم بعقلٍ وشجاعة، فسيأتي الغد أشدّ قسوة، وسيُسأل كلّ واحدٍ منا سؤالًا واحدًا لا مهرب منه: أين كنت حين كان الدم يُنادى؟
إذا أردتها:
أقصر قليلًا للمنصات السريعة
أو أقوى لغويًا بلمسة بلاغية إضافية
أو نسخة رسمية باسم “بيان”
قل لي، ونصقلها أكثر

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا