آخر الأخبار

الرحم الاصطناعي وهندسة الجنين.. هل تبتلع الآلة "مركزية" الإنسان؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

إن من أهم الآراء التي طرحها عالم الأعصاب الحاسوبي الفرنسي يان ليكون أثناء المحاورة التي عقدت بينه وبين عالم الأعصاب الإدراكي الفرنسي الآخر ستانيسلاس ديهان هي "إن التطور الكوني يتجه دائما نحو مزيد من التعقيد، يتطور الذكاء لكن ليس من الموجب أن يظل إنسانيا تماما" وهذا يحيلنا إلى جملة من الأسئلة التي ترتبط ارتباطا كليا بالوعي البشري وقدرته على إدارة شأنه بنفسه.

ومن جهة أخرى قد يكون هذا الرأي هو بداية لمرحلة قادمة تكون الآلة الذكية شريكا مع الإنسان، ومما لا شك فيه أن مستحدثات البيئة الرقمية ما هي إلا نتاج عقل بشري، لكن هل بمقدور هذا العقل البشري أن يصمد حيال المستحدثات الرقمية؟ ولو تداخلت هذه الابتكارات مع الاعتبارات القيمية والأخلاقية للكائن البشري، ما الذي يحصل للإنسان المعاصر؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من مقاومة النازية للتضامن مع فلسطين.. رحيل الفيلسوف الفرنسي إدغار موران
* list 2 of 2 الفقه السياسي عند الشيخ محمد الغزالي.. كيف واجه الإمام “الاستبداد” بسلاح المقاصد والأخلاق؟ end of list

هوية الإنسان أمام الاختراعات الذكية

يطالعنا في هذا العالم الجديد اختراعات ذكية لها انعكاسها الواضح على الهوية الجنسانية للإنسان، ولعلي أجد أن أكثر الابتكارات حيوية هو ما يتفاعل مع القضايا الأخلاقية والقيمية له، فلو استقرأنا ماهية زراعة الرحم الاصطناعي للروبوت، هذا المستودع الذكي الذي باستطاعته أن يدخر الجنين تسعة أشهر وهي المدة نفسها التي يقضيها في رحم الأم، فإذا بينا حقيقة هذا الأمر الذي له تبعاته على البنية النفسية والثقافية للكائن البشري لاتضحت لنا استفهامات كثيرة أولها: هل هذه الصناعات الذكية جاءت عونا للبشرية أم أنها تحاول أن تشترك مع ماهية الإنسان لتبيد قواه الفكرية في كيفية اتخاذ قراره؟

لكن علينا أن ننظر إلى الجانب الإيجابي الآخر منه، قد تكون الابتكارات العلمية جاءت مساعدة للإنسان ابن هذه المرحلة، ومما لا شك فيه أن العلم أعاد تغيير كثيرٍ من المفاهيم بل أنتج لنا مفاهيم جديدة على جميع الأصعدة فمثلا المرأة التي لا تريد أن تتعرض لمخاضات الحمل وتوابعه تلجأ إلى الرحم الاصطناعي وقد بان الأمر جليا في أغلب البلدان، بقي لنا أن نتساءل: هل عمر الإنسان الفعلي محكوم بهذه التقنيات الذكية التي تناولت مفاصل مهمة من تكوينه البشري؟ وهل من الضروري أن تتعاطى مع الجوانب الجوهرية التي تمثل قيمة الكائن البشري على وجه التحديد؟

الرحم الاصطناعي: من النظرية إلى مركز "إكتولايف"

حقيقة الأمر، أن أول من بشّر بصناعة رحم اصطناعي عبر مباحث علمية مهمة هو العالم إيمانويلز غرينبيرغ (1911-1982)، وقد سعت مراكز بحثية علمية أخرى بتحسين هذا المضمون إلى أن وصل بنا الحال إلى مركز (إكتولايف)، أول مركز طبي للرحم الاصطناعي في العالم يعمل بالطاقة المتجددة والذي أُعلن عنه الباحث اليمني هاشم الغيلي.

إعلان

هذا المركز يتيح للأشخاص العقيمين عن الإنجاب خارجيا، يضم المركز 75 مختبرا مجهزا، يتسع الواحد منها إلى 400 حاضنة إنجاب، تتكون الحاضنة من مجسات استشعار تلائم درجة حرارة الجنين فضلا عن مراقبة نبضات قلبه، كذلك يحوي هذا المستودع الزجاجي على سائل يحل محل السائل الأمنيوسي عند الأم البشرية ليمد الطفل بالغذاء ويتيح له عملية النمو.

وبسبب المادة المصنوعة منها الحاضنة يُمنع دخول الجراثيم لذا يعيش الجنين بجو خال من الأمراض ويظهر لكل جنين تقرير يومي يبيّن احتياجاته ومدى فاعليته مع المحيط، ويتابع مجهز الذكاء الاصطناعي عملية نمو الجسم وإرسال تنويه للمختصين لوجود أي اضطراب يطرأ عليه.

هذه البيانات تبعث إلى جهاز هاتف الأبوين، لذلك تتم عملية المتابعة بصورة جادة، ويتسنى للأبوين اختيار اللغة أو نوع الموسيقى لجنينهما عن طريق زر التشغيل في جهاز الهاتف الذي يرتبط ارتباطا مباشرا بالحاضنة، وتهب (النظارة الذكية) لهما عالما افتراضيا لتتصل بالجنين بصورة مباشرة وتراقب تحركاته على أتم صورة، مما يتيح للأبوين أن يتعرفا على طفلهما ومراحل تشكل نموه فضلا عن بث سياق معين له على مستوى الصوت والصورة وتهيئته كما يريدان، بل يستشعران تحركاته أيضا.

"هل يستشعر الإنسان نفسياً بمولوده أم أن له فكرة مبيته من أن العالم يدار بيد الآلة؟ وهل له أن يستوعب من أن حقيقته تدار بتقانات ذكية لا تخضع للعاطفة والوجدان؟"

مأزق العاطفة في حضرة الآلة

بطبيعة الحال، أجد أن الكائن البشري يتفق مع أي فعل علمي له القابلية على أن يمكنه من اختصار الطريق والوصول إلى مناله بسهولة وبكفاءة عالية، وخصوصا الابتكارات التي تنتظم مع القضايا ذات البعد الإنساني، فلو استقرأنا نتائج الحاضنة الذكية لوجدنا أنَّنا أمام طرح علمي عظيم له القابلية على أن ينتج لنا وليدا بشريا.

لكننا إزاء سؤال مهم على المستوى الأخلاقي والقيمي، كيف ينظر الإنسان لجوهر هذا الابتكار؟ وهل يستشعر نفسيا بمولوده أم أن له فكرة مبيتة من أن العالم يدار بيد الآلة؟ وهل له أن يستوعب من أن حقيقته تدار بتقنيات ذكية لا تخضع للعاطفة والوجدان؟ وما هي الكمية التي يمتلكها هذا المولود من العاطفة؟ وفي حال لو أصبحت الأمور متاحة على الصعيد الاجتماعي لفتح مراكز للولادة عن طريق الحاضنات الذكية في بلدان عديدة، هل سيكون بمقدور الأم أن تمتلك الرغبة الداخلية في استشعار جنينها ومواكبة نموه كما لو كان في رحمها؟ وهذا ما يجعلنا نفكر تفكيرا جادا ونتساءل: هل العلم له عتبات من الهدنة أم أنه سائر في مسير الكائن البشري واستحداث مشكلاته؟

البحث عن مركزية الإنسان

واقعا، إن بعد الثورة الصناعية الرابعة التي عُنيت بالاختراعات الذكية والتي أصبحت تمثل جزءا حيويا له أثرها الواضح على النظام الثقافي للإنسان، بل انصهرت في تكوينه الاجتماعي أيضا، صار لزاما على الإنسان أن يعيّن مركزيته، وبرأيي أن أي ابتكار علمي بإمكانه أن يعيد تهيئة العالم ليفتح مسارا مغايرا آخر له مؤهلاته الجديدة.

لكننا إزاء طرح تقني مغاير يتعالق مع حقيقة الكائن البشري وهذا ما يخلق لنا عالما مختلفا على مستوى التلقي والسلوك والتصرف، وهنا من المفترض أن نشير إلى سؤال معرفي آخر: هل بمقدور الكائن البشري أن يدرك هذه الابتكارات ويعي مقصدها خصوصا بعد أن استطاعت الآلة الذكية أن تستشرف حقيقته وتحديدا عندما اشتركت في إعداده جينيا وهذا ما كوّن عنده شعورا لا إراديا من أن يعتمد اعتمادا كليا عليها، فقد تمكنت من أن تحقق قفزة نوعية على مستوى التاريخ العلمي والبشري، لكن بعد كل هذه الاختراعات العظيمة التي من المفترض أن تعزز مكانة الإنسان وتزيد من قيمته، كيف له أن يضيء وجوده؟

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار