في مشهد يبدو أقرب إلى لوحة "ليلة النجوم" للفنان الهولندي "فينسنت فان غوخ"، التقط علماء الفلك صورة مذهلة تكشف في إطار واحد سُحبا غازية متوهجة، وخيوطا داكنة من الغبار، ونجوما في طور التكوين، إلى جانب عنقود نجمي يضم مئات الآلاف من النجوم التي يعود بعضها إلى بدايات عمر الكون.
صورة التقطتها كاميرا الطاقة المظلمة "ديكام" (DECam) المثبتة على التلسكوب ذي المرآة التي يبلغ قطرها 4 أمتار في مرصد "فيكتور إم بلانكو" التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية في تشيلي.
وفيها تظهر السحابة الجزيئية لكوكبة الإكليل الجنوبي (Corona Australis Molecular Cloud)، وهي واحدة من أقرب المناطق النشطة لتكوين النجوم إلى نظامنا الشمسي، وتبعد نحو 430 سنة ضوئية، أي قرابة 4.07 كوادريليون كيلومتر (1 وبجواره 15 صفرا).
وتكشف الصورة منطقة شديدة البرودة، إذ تنخفض درجات الحرارة فيها إلى نحو 260 درجة مئوية تحت الصفر، وهي ظروف تسمح لتجمعات كثيفة من الغاز والغبار بالانهيار تدريجيا تحت تأثير الجاذبية، لتنشأ منها نجوم جديدة.
في الجانب الأيسر من الصورة، يظهر السديم المتوهج "إن جي سي 6729" (NGC 6729)، وهو جزء من السحابة الجزيئية. وتظهر فيه ألوان مختلفة تكشف العمليات الفيزيائية التي تحدث في المنطقة؛ فاللون الأزرق يرتبط بسديم انعكاسي، حيث يعكس الغبار ضوء النجوم، بينما يشير اللون البرتقالي إلى سديم انبعاثي يتوهج عندما تؤدي الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن نجم حديث التكوين إلى تأيين الغاز المحيط به.
وفي قلب هذا السديم يوجد نظام نجمي ثنائي يُعرَف باسم "آر الإكليل الجنوبي"، تدور نجماه حول بعضهما بعضا في دورة تستغرق ما بين 43 و47 عاما. وهكذا لا تقدم الصورة مجرد منظر جمالي، بل تكشف للعلماء عن واحدة من البيئات التي يمكن من خلالها دراسة كيفية تشكّل النجوم في المراحل الأولى من حياتها.
وقد ساعدت قدرات كاميرا الطاقة المظلمة على التقاط هذه التفاصيل الواسعة؛ فهي مزودة بـ74 كاشفا وتبلغ دقة صورها 570 ميغابكسلا، بينما يبلغ قطر عدستها نحو متر واحد، مما يجعلها من أقوى الأدوات الفلكية ذات مجال الرؤية الواسع في العالم.
وعلى الجانب العلوي الأيمن من الصورة يظهر جسم سماوي مختلف تماما: العنقود النجمي الكروي "إن جي سي 6723" (NGC 6723)، الذي يبدو كأنه ألعاب نارية معلّقة في الفضاء.
ويقع هذا العنقود على مسافة تقارب 29 ألف سنة ضوئية من الأرض، أي نحو 274.4 كوادريليون كيلومتر، ويضم مئات الآلاف من النجوم التي تشكّلت قبل مليارات السنين.
ويُعرَف العنقود أيضا باسم "عنقود الشمعدان" (Chandelier Cluster)، وتعتقد الدراسات الفلكية أن بعض نجومه يكاد يكون في عمر الكون نفسه.
لكن الصورة لا تكشف فقط عن قدم هذه النجوم، بل تلمّح أيضا إلى تاريخ أكثر تعقيدا؛ إذ يشتبه علماء الفلك في وجود مجموعات متعددة من النجوم المتقاربة في العمر داخل العنقود، وهو ما يشير إلى أنه مر بتاريخ تطوري معقّد.
وتكمن أهمية جمع هذه الأجسام في صورة واحدة في أنها تضع أمام العين مرحلتين متباعدتين للغاية من تاريخ النجوم: سحب غاز وغبار تصنع نجوما جديدة، وعنقودا قديما يضم نجوما وُلِدت قبل مليارات السنين.
تُعَد منطقتا السديم الجزيئي وعنقود الشمعدان من الأهداف المفضلة لدى علماء الفلك والمصورين الفلكيين، ويرجع ذلك جزئيا إلى قربهما النسبي من الأرض مقارنة بكثير من الأجرام البعيدة. غير أن موقعهما في الجزء الجنوبي من السماء، أسفل كوكبة القوس، يجعلهما أكثر ملاءمة للرصد من النصف الجنوبي للكرة الأرضية.
وتمنح هذه الصورة القارئ أكثر من مشهد سماوي جميل؛ فهي تختصر أمامه دورة حياة نجمية تمتد لمليارات السنين، من انهيار الغاز والغبار وولادة النجوم، إلى تجمعها في عناقيد قديمة تشهد على تاريخ الكون.
وكلما تطورت أدوات الرصد، أصبحت قدرة البشر على قراءة هذا التاريخ الكوني أكثر دقة، لتؤكد هذه الصور أن قيمة العلم لا تكمن في جمال ما نراه فحسب، بل في الأسئلة التي يفتحها أمامنا، وفي إصرار الباحثين على استكشاف ما لا يزال مجهولا في الكون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة