آخر الأخبار

مرصد الأزهر " للجزائر الآن " : خطاب اليمين المتطرف الفرنسي.. ليس مجرد عنصرية بل آلية سياسية متكاملة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بواسطة محمود منصور
مصدر الصورة
الكاتب: محمود منصور

الجزائر الآن ـ في خضم تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي لليمين المتطرف الفرنسي، وعودة الدعوات التي تستهدف النساء المحجبات في فرنسا، تواصلت صحيفة “ الجزائر الآن” مع مرصد الأزهر الشريف لمكافحة التطرف، ومقره القاهرة، للوقوف على خلفيات هذه الحملة، ودلالاتها السياسية والاجتماعية، وانعكاساتها على مفهوم العلمانية والمواطنة في فرنسا.

وفي رد مكتوب وصل إلى صحيفة “الجزائر الآن”، اعتبر مرصد الأزهر الشريف لمكافحة التطرف أن فهم الخرجات الإعلامية الأخيرة لليمين المتطرف الفرنسي، وما رافقها من دعوات إلى فرض غرامات على المحجبات، لا يمكن فصله عن مسار تاريخي وسياسي طويل، بدأ منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وجاء في رد المرصد:

لا يمكن فهم خطاب اليمين المتطرف الفرنسي الراهن حول الحجاب والغرامات المالية في الحملة الرئاسية المقبلة بمعزل عن مسار تاريخي تراكمي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود.

فالحجاب في فرنسا لم يعد مجرد قطعة لباس أو ممارسة دينية شخصية، بل تحول إلى رمز سياسي يُستخدم في صياغة الهوية الوطنية، وتعبئة الناخبين، وترسيم حدود “لمواطنة المقبولة”.

بدأت القصة بشكل جدي في أكتوبر 1989عندما مُنعت ثلاث طالبات محجبات من دخول مدرسة في مدينة كريل (Creil)، فأثارت القضية جدلًا واسعًا حول العلمانية وحدود التعبير الديني.

ورغم أن الوزارة لم تصدر حظرًا شاملًا آنذاك، وأصدر مجلس الدولة (Conseil d’État) في نوفمبر 1989 رأيًا استشاريًا اعتبر أن ارتداء الحجاب لا يتعارض مع العلمانية ما لم يكن “استفزازيًا”، إلا أن الحجاب أصبح علامة انقسام بين من يرونه تعبيرًا عن الحرية الدينية، ومن يعتبرونه تحديًا لمبادئ الجمهورية.

وفي مارس 2004، أقرت فرنسا قانونًا يحظر الرموز الدينية “البارزة” في المدارس الحكومية (القانون رقم 2004-228).

ورغم أن النص شمل رموزًا يهودية ومسيحية وسيخية، فإن الإحصاءات الرسمية التي نشرتها صحيفة (لوموند) أظهرت أن التطبيق العملي استهدف الغالبية العظمى من الحالات من الفتيات المحجبات.

وبعد قانون 2004 الذي حظر الرموز الدينية الظاهرة في المدارس، أقرّت فرنسا في أكتوبر 2010 قانونًا جديدًا (رقم 2010-1192) يمنع “إخفاء الوجه” في الأماكن العامة، ودخل حيز التنفيذ في 11 أبريل 2011.

ورغم أن النص لم يذكر الحجاب صراحة، فإن المناقشات البرلمانية والتصريحات الرسمية والصحافة الفرنسية أشارت بوضوح إلى استهداف النقاب أو البُرقع (niqab/burqa)، مع عقوبات تصل إلى غرامة 150 يورو على المخالفة وغرامات أشدّ على من يُكرِه امرأة على ارتدائه.

وبعد هجمات 2015، تصاعد الخطاب الأمني حول الإسلام، وبدأت الحكومة الفرنسية تميز بين “الإسلام الفرنسي” و”الإسلام السياسي”.

وفي هذا السياق، توسعت النقاشات حول حظر الحجاب في الرحلات المدرسية، والجامعات، والأماكن الرياضية، وصولًا إلى الألعاب الأولمبية2024 ، حيث مُنع الرياضيون الفرنسيون من ارتداء الحجاب أثناء المنافسات باسم العلمانية والحياد.

مصدر الصورة

واليوم، في سياق الحملة الرئاسية لعام2027 ، أعاد حزب “التجمع الوطني” (RN) طرح فكرة حظر الحجاب في الأماكن العامة، مع الحديث عن فرض غرامات مالية وإخضاع المقترح لاستفتاء.

ورغم أن المقترح لم يتحول بعد إلى قانون، فإن طرحه بحد ذاته يحمل دلالة سياسية واضحة.

لأننا هنا لسنا أمام نقاش قانوني تقني بقدر ما نحن أمام مشهد سياسي محكم الصنع.

فالخطاب لا يدور حول حرية اللباس أو حدود العلمانية فحسب، بل يرسم صورة نمطية للمرأة المسلمة بوصفها علامة تهديد للهوية الفرنسية.

وبهذه الصياغة يتجاوز الجدل حول اللائيكية إلى تسييس الجسد الأنثوي، فيصير الحجاب مقياسًا للولاء أو الانتماء، وأحيانًا مؤشرًا على الخطر.

وهكذا يتحول من ممارسة دينية شخصية إلى موضوع للرقابة العامة، يُستخدم لإيصال رسالة سياسية إلى ناخبين يشعرون بالقلق من تحولات ديموغرافية وثقافية سريعة.

أما الحديث عن فرض غرامات مالية على ارتداء الحجاب، فيستدعي تمييزًا بين الطرح السياسي والقابلية القانونية للتنفيذ. فالقانون الفرنسي عرف بالفعل غرامة مرتبطة بإخفاء الوجه في الفضاء العام بموجب قانون 2010، غير أن توسيع العقوبة لتشمل الحجاب العادي سيطرح أسئلة دستورية وحقوقية معقدة، لأنه يمسّ حرية المعتقد وحرية إظهار الانتماء الديني التى هي في الأصل مشروعة في القانون الفرنسي.

لذلك لا تبدو الغرامة، في هذه الحالة، مجرد تدبير إداري أو جزاء محدود، بل تصبح جزءًا من خطاب انتخابي يحمّل لباسًا دينيًا معنى سياسيًا وأمنيًا يتجاوز طبيعته الشخصية.

وقد يفضي هذا المنطق، إذا تحوّل إلى سياسة عامة، إلى شعور فئات من المواطنات بأن حضورهن في المجال العام بات مشروطًا بالتخلي عن مظهر من مظاهر هويتهن الدينية.

غير أن ما يحدث في سياق السباق الرئاسي يتجاوز الجدل القانوني إلى تحويل الحجاب إلى ورقة انتخابية بامتياز.

فقد أدرك اليمين المتطرف أن الحديث عن حظر الحجاب أو معاقبة من ترتديه يهزّ مشاعر القلق والهوية لدى شريحة من الناخبين، ويمنحه ميزة في التعبئة أمام أحزاب الوسط واليسار.

وبهذا تحوّل خطابه من “حماية القيم الجمهورية”إلى توظيف سياسي للخوف، حيث يُقدَّم المسلمون، ولا سيما النساء المحجبات، كـ”آخر” يهدد النسيج الاجتماعي، مما يعمّق الانقسام بدل التماسك.

غير أن الأثر لا يقتصر على المسلمين وحدهم، بل يمتد إلى يمتد إلى بنية المجتمع نفسه.

فالمجتمع الذي يقبل تحويل هوية مواطنيه إلى موضوع للعقاب الرمزي يفقد جزءًا من قدرته على بناء ثقة مشتركة.

وتحويل الحجاب إلى قضية أمنية أو انتخابية يشرّع التمييز اليومي، ويجعل الاعتداءات اللفظية أو الجسدية تبدو “مفهومة”أو “مبررة”في أوساط معينة.

ولذلك لا ينبغي اختزال هذا الخطاب في كونه “مجرد عنصرية”، بل هو آلية سياسية متكاملة تستخدم الهوية كأداة تعبئة، والخوف كوسيلة حشد، والرمزية (الحجاب) كعلامة مرئية للتمييز، والمؤسسات (القانون، الغرامات، الاستفتاء) لإضفاء شرعية على التمييز.

وقد ترتب على هذا المقترح موجة من ردود الفعل المتباينة. فقد انتقدت جمعيات حقوقية، مثل رابطة حقوق الإنسان (LDH)، مقترح الغرامات بوصفه تقييدًا غير مبرر للحرية الدينية، وحذّرت نقابة شرطية (UNSA Police) من تحويل رجال الأمن إلى “مراقبي ملابس” في الشوارع، بينما أيده أصوات في اليمين، ووجد تفهمًا محدودًا في أوساط من الوسط باعتباره دفاعًا عن العلمانية.

وفي المقابل، عبّر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) عن قلقه من أن يؤدي التصعيد إلى تطبيع التمييز اليومي ضد النساء المحجبات، في وقت لا تزال فيه فرنسا منقسمة حول معنى العلمانية وحدود التعبير الديني في الحياة اليومية.

في المحصلة، يرى مرصد الأزهر لمكافحة الإرهاب والتطرف أن خطاب اليمين المتطرف الفرنسي حول الحجاب والغرامات ليس مجرد خلاف حول العلمانية أو الأمن، بل هو توظيف سياسي للهوية الدينية يحوّل المواطنة إلى امتياز مشروط، ويستخدم المرأة المسلمة كرمز في معركة انتخابية.

وهذا النوع من الخطاب لا يهدد المسلمين فقط، بل يهدد فكرة المواطنة نفسها، لأنه يجعل الانتماء مرهونًا بالتوافق مع صورة معيارية واحدة، بدل أن يكون حقًا أصيلًا لكل مواطن.

شارك

الأكثر تداولا أمريكا روسيا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا