في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الرئيس تبون يفتح جبهة جديدة ضد الجريمة المنظمة.. الجزائر تنتقل من ملاحقة بارونات المخدرات إلى تفكيك شبكاتها
الجزائر الآن – تحمل مخرجات اجتماع المجلس الأعلى للأمن، برئاسة رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، عبد المجيد تبون، إشارة واضحة إلى تشدد أكبر في تعامل الدولة مع المخدرات والجريمة المنظمة والحرائق العمدية.
اللافت في هذه القرارات ليس فقط مستوى الإجراءات المقترحة، وإنما طبيعة الهدف الذي تتجه إليه.
فالمواجهة لا تبدو محصورة في توقيف المهربين والمروجين وحجز المخدرات، وإنما تتجه إلى استهداف الأشخاص الذين يقفون في أعلى هرم الشبكات.
وتقليص قدرتهم على إدارة نشاطاتهم، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة التي تتعامل مع هذا النوع من الجرائم.
تأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه تجارة المخدرات نشاطاً منظماً يمتلك شبكات للنقل والتمويل والتوزيع، ويستفيد من الحدود والمسالك الصحراوية والعلاقات التجارية والوسائل الحديثة للاتصال.
لذلك فإن التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى أجهزة تستطيع النظر إلى الشبكة ككل، وليس إلى كل عملية تهريب باعتبارها قضية منفصلة.
هذا هو المعنى الأبرز لإنشاء هيئة أمنية متخصصة في مكافحة المخدرات، إلى جانب قرار تحويل ثكنة عسكرية في منطقة تنزروفت إلى سجن عالي التأمين مخصص لبارونات المخدرات وكبار المروجين.
من مطاردة المهربين إلى الوصول إلى رؤوس الشبكات
تقول الدكتورة مريم لعشاب، المختصة في القانون الجنائي العام والمحاضرة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة علي لونيسي بالبليدة 2.
في تصريح لـ«الجزائر الآن»، إن القرارات تمثل «نقطة تحول استراتيجية في منهجية الجزائر لمكافحة الجريمة المنظمة»، خصوصاً فيما يتعلق ببارونات المخدرات وشبكات الاتجار بها.
وترى لعشاب أن أهمية هذه الخطوة تكمن في انتقال الدولة إلى مقاربة أكثر تخصصاً في مواجهة التنظيمات الإجرامية، تقوم على الردع، والوقاية.
وتطوير وسائل التحري، وتوسيع التنسيق بين مختلف الجهات الأمنية والقضائية.
فالمواجهة مع شبكات المخدرات لا تتوقف عند الشخص الذي يعثر بحوزته على كمية من المخدرات.
هذا الشخص قد يكون مجرد حلقة في سلسلة أطول تبدأ بالممول وتنتهي بالموزع، مروراً بمن يتولى النقل والتخزين وإخفاء الأموال.
كلما ارتفع مستوى التحقيق من الحلقة الأخيرة إلى الهيكل الذي يدير العملية، ارتفعت فرص تفكيك الشبكة بصورة فعلية.
لهذا السبب، فإن إنشاء هيئة متخصصة يمكن أن يمنح أجهزة الدولة قدرة أكبر على جمع المعلومات وتحليلها وربط القضايا ببعضها، خصوصاً عندما تكون هناك صلات بين عمليات تهريب مختلفة أو بين مجموعات تنشط في مناطق متباعدة.
تنزروفت.. عزل بارونات المخدرات عن بيئتهم
قرار تحويل ثكنة عسكرية في عمق الصحراء بمنطقة تنزروفت إلى سجن عالي التأمين يحمل بعداً أمنياً واضحاً.
فالموقع الجغرافي، بعيداً عن المراكز الحضرية وعن البيئات التي يمكن أن تتحرك فيها شبكات الجريمة المنظمة بسهولة، يوفر ظروفاً مختلفة عن المؤسسات العقابية التقليدية.
تعتبر لعشاب أن الخطوة «جريئة وغير تقليدية» بالنظر إلى طبيعة الأشخاص المستهدفين منها.
معتبرة أن السجن عالي التأمين يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في عزل الشخصيات الرئيسية في شبكات المخدرات عن امتداداتها.
بالنسبة إلى الدولة، فإن سجن بارون مخدرات لا ينبغي أن يعني بالضرورة انتهاء قدرته على التأثير.
فالشخص الذي راكم المال والعلاقات خلال سنوات من النشاط الإجرامي قد يحتفظ بقدرة على تحريك شبكة من خارج المجال الذي كان ينشط فيه.
لهذا فإن عزل كبار المتورطين في بيئة سجنية شديدة التأمين يهدف إلى قطع قنوات الاتصال التي يمكن أن تسمح باستمرار النشاط من خارج السجن.
وهنا تتجاوز أهمية تنزروفت مسألة الموقع.
فالرسالة الأساسية هي أن كبار قادة الشبكات سيعاملون وفق مستوى الخطورة الذي تمثله مواقعهم داخل التنظيمات الإجرامية.
هيئة متخصصة لمواجهة جريمة أصبحت أكثر تعقيداً
إنشاء هيئة أمنية متخصصة في مكافحة المخدرات يضيف مستوى جديداً إلى العمل الأمني.
فالجريمة المنظمة تحتاج إلى خبرات متخصصة في التحري، وتحليل المعلومات، ومتابعة مسارات التهريب، وفهم طرق التمويل والتوزيع، والاستفادة من التقنيات الحديثة في جمع الأدلة.
توضح لعشاب أن نجاح الهيئة الجديدة يرتبط بقدرتها على جمع هذه الاختصاصات وتنسيقها، مع تعزيز التعاون بين الشرطة والجمارك وحرس الحدود والنيابة العامة ومختلف أجهزة الضبط القضائي.
تكمن أهمية التنسيق في أن شبكات المخدرات لا تعمل داخل اختصاص جهاز واحد.
قد تبدأ العملية من الحدود، ثم تنتقل إلى شبكة نقل داخلية، ثم إلى مخازن، وبعدها إلى موزعين، بينما تتحرك الأموال عبر قنوات مختلفة.
وكل جهاز قد يمتلك جزءاً من الصورة.
أما القيمة الحقيقية فتظهر عندما يتم جمع هذه الأجزاء في ملف واحد يسمح بتحديد العلاقات داخل الشبكة.
وترى لعشاب أن الهيئة يمكن أن تصبح مركزاً لتبادل المعلومات وتحديد الأولويات وتنسيق الجهود الوطنية، إضافة إلى تطوير التعاون مع الجهات الإقليمية والدولية التي تتعامل مع شبكات عابرة للحدود.
المعركة الحقيقية تبدأ من المال
في الجرائم المنظمة، لا يكفي معرفة من نقل المخدرات ومن باعها.
السؤال الأهم هو من موّل العملية، وكيف تحركت الأموال، ومن استفاد منها.
لهذا فإن تطوير قدرات التحري والتحقيق المالي يمثل جزءاً أساسياً من أي استراتيجية فعالة ضد بارونات المخدرات.
فالشبكة التي تخسر أحد أفرادها يمكنها تعويضه، والشبكة التي تخسر شحنة يمكنها محاولة تهريب شحنة أخرى.
أما عندما تتعرض مصادر تمويلها للملاحقة والمصادرة، فإن قدرتها على إعادة بناء نشاطها تتراجع بصورة أكبر.
من هنا يمكن فهم أهمية الجمع بين العمل الأمني والتحقيقات المالية، خصوصاً مع تطور وسائل إخفاء العائدات غير المشروعة واستخدام واجهات تجارية وحسابات وأصول متعددة.
إن ضرب المال الذي يقف خلف الجريمة قد يكون أكثر تأثيراً من توقيف منفذي العمليات فقط.
الصحراء تتحول إلى مساحة أمنية أكثر تشدداً
الحدود الجنوبية للجزائر تفرض طبيعتها الخاصة على مكافحة التهريب.
المسافات شاسعة، والمسالك كثيرة، وبعضها يقع بعيداً عن المناطق السكانية.
وهذا يجعل العمل الأمني في الصحراء مختلفاً عن مراقبة المدن والمنافذ التقليدية.
وفي هذا السياق، تكتسب عمليات الجيش الوطني الشعبي وحرس الحدود ومختلف الأجهزة الأمنية أهمية كبيرة، خصوصاً في مراقبة المسالك التي يمكن أن تستغلها شبكات التهريب.
لكن التعامل مع هذه الجغرافيا يحتاج أيضاً إلى معلومات دقيقة عن حركة الأشخاص والمركبات والشبكات التي تقف وراءها.
وهنا يمكن أن يؤدي التخصص الأمني دوراً مهماً، من خلال جمع المعلومات الميدانية وربطها بالتحقيقات الجارية في مختلف مناطق البلاد.
الحرائق العمدية.. عندما تصبح الثروة الوطنية هدفاً
الجزء المتعلق بالحرائق العمدية يفتح ملفاً مختلفاً، لكنه يرتبط بالمفهوم نفسه للأمن الوطني.
فالحريق المتعمد لا يستهدف الأشجار وحدها.
عندما تمتد النيران إلى الغابات والمزارع والمناطق السكنية، تصبح الخسائر اقتصادية وبيئية واجتماعية في الوقت نفسه.
وقد تؤدي الحرائق إلى إتلاف مصادر رزق عائلات، وتدمير مساحات زراعية، والإضرار بالثروة الغابية، وفي الحالات الأخطر إلى سقوط ضحايا.
وتشير لعشاب إلى أن القانون الجنائي الجزائري يتعامل مع هذه الأفعال باعتبارها من الجرائم الخطيرة، وأن المسؤولية والعقوبة ترتبطان بطبيعة الفعل والنتائج التي ترتبت عنه.
كما يستند التصدي لهذه الجرائم إلى أحكام قانون العقوبات وإلى التشريع الخاص بالغابات، ومنه القانون رقم 23-21 المتعلق بالغابات والثروات الغابية.
وبهذا المعنى، فإن التعامل مع الحرائق العمدية لا ينحصر في حماية الممتلكات الخاصة، وإنما يتعلق أيضاً بحماية ثروة طبيعية تمثل جزءاً من الموارد الوطنية.
إعادة تفعيل تنفيذ عقوبة الإعدام
التوجه نحو إعادة تفعيل تنفيذ عقوبة الإعدام في الجرائم الأكثر خطورة يضيف بعداً آخر إلى السياسة العقابية.
عقوبة الإعدام موجودة في التشريع الجزائري، لكن تنفيذ الأحكام بها ظل معلقاً منذ سنة 1993.
إذا ارتبطت إعادة التنفيذ بالجرائم التي تؤدي إلى وفيات أو أضرار واسعة، فإن ذلك سيشكل تحولاً مهماً في طريقة تعامل الدولة مع الأفعال التي تعتبرها ذات خطورة استثنائية.
تشير لعشاب إلى أن العقوبة القصوى تصبح مرتبطة بجسامة النتائج التي تخلفها الجريمة، خصوصاً عندما يؤدي الفعل العمدي إلى سقوط ضحايا أو إلى أضرار كبيرة بالثروة الغابية والممتلكات.
المسألة هنا ليست مجرد رفع سقف العقوبة، وإنما إرسال إشارة واضحة إلى أن بعض الأفعال التي تمس حياة الناس والثروة الوطنية ستواجه بأقصى درجات الردع التي يتيحها القانون.
من ملف أمني إلى سياسة دولة
المغزى الأوسع لمخرجات اجتماع المجلس الأعلى للأمن هو أن الجزائر تتجه إلى التعامل مع الجريمة المنظمة باعتبارها ظاهرة لها أكثر من مستوى.
هناك المهرب، والمروج، والممول، والناقل، وهناك الأموال التي تنتج عن النشاط الإجرامي، والمسارات التي تتحرك فيها الشبكات، والعلاقات التي تسمح لها بإعادة بناء نفسها.
إذا بقيت المواجهة عند مستوى توقيف الأفراد، فإن الشبكة تستطيع في كثير من الحالات أن تستعيد نشاطها.
أما عندما تتجه الدولة إلى ضرب القيادة والتمويل والاتصال والحركة، فإن كلفة النشاط الإجرامي ترتفع، وتصبح إعادة تشكيل الشبكة أكثر صعوبة.
وهذا هو الدور الذي يمكن أن تؤديه الهيئة الأمنية المتخصصة والسجن عالي التأمين، إلى جانب العمل الذي تقوم به أجهزة الأمن والجيش والجمارك وحرس الحدود والقضاء.
الاختبار سيكون في النتائج
القرارات الجديدة تضع الأجهزة المعنية أمام مهمة محددة: الوصول إلى الشبكات التي تقف خلف عمليات التهريب، وليس فقط إلى الأشخاص الموجودين في نهايتها.
نجاح الهيئة المتخصصة سيقاس بقدرتها على إنتاج معلومات أفضل، وربط الملفات، والوصول إلى مصادر التمويل، وتحديد القيادات التي تدير الشبكات.
كما سيقاس نجاح المؤسسات عالية التأمين بقدرتها على منع كبار المتورطين من مواصلة إدارة نشاطاتهم من داخل السجن.
أما في ملف الحرائق، فالمعيار سيكون في قدرة التحقيقات على تحديد المسؤولين عن الأفعال العمدية وإثباتها ومتابعتها قضائياً.
في النهاية، فإن قوة هذه السياسة لن تظهر في عدد القرارات التي تصدر، وإنما في قدرتها على تغيير حسابات الجريمة المنظمة داخل الجزائر.
عندما يدرك بارون المخدرات أن توقيفه يعني فقدان قدرته على إدارة شبكته.
وأن أمواله ستكون محل ملاحقة، وأن الحدود التي كان يعتمد عليها أصبحت أكثر صعوبة، وأن الدولة تمتلك جهازاً متخصصاً يتابع الشبكة من بدايتها إلى نهايتها، تتغير طبيعة المواجهة.
وهنا تكمن أهمية ما صدر عن المجلس الأعلى للأمن: الانتقال من ملاحقة الجريمة في صورتها الظاهرة إلى استهداف البنية التي تجعلها قادرة على الاستمرار.
إنها معركة طويلة، لأن شبكات الجريمة تتغير باستمرار. لكن الدولة التي تمتلك المعلومات، والتخصص، والتنسيق، والقدرة على الوصول إلى المال والقيادة، تملك أدوات أكثر فاعلية لقطع الطريق أمام إعادة تشكل تلك الشبكات.
وفي الجزائر، يبدو أن الرسالة التي خرجت من اجتماع المجلس الأعلى للأمن واضحة: الجريمة المنظمة، وفي مقدمتها تجارة المخدرات، ستواجه بأدوات أمنية أكثر تخصصاً، وبردع أشد، وبملاحقة لا تتوقف عند من يحمل المخدرات وإنما تمتد إلى من يقف خلفها.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة