في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
خبير “للجزائر الآن “: الفوسفات المدمج قد يحوّل الجزائر إلى قوة إقليمية في صناعة الأسمدة
● الفوسفات المدمج.. من مشروع منجمي إلى قاعدة صناعية وتصديرية متكاملة
الجزائر الآن – أكد الخبير الاقتصادي والمحاضر بكلية الاقتصاد بجامعة الجزائر، الدكتور هواري تيغرسي، أن مشروع الفوسفات المدمج يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الجزائر على تحويل ثرواتها الطبيعية إلى صناعة تصديرية متكاملة.
مشيراً إلى أن توقيع عقود إنجاز المنشآت المرتبطة بالمشروع ينقل هذا الأخير من مرحلة التخطيط والدراسات إلى الالتزام التعاقدي والتنفيذ الفعل.
في وقت تستهدف فيه الدولة الشروع في تصدير فوسفات بلاد الحدبة خلال مارس 2027.
● المشروع يدخل مرحلة تجسيد قاعدة صناعية متكاملة
أوضح تيغرسي، في تصريح لـ”الجزائر الآن”، أن أهمية المشروع لا تكمن في استخراج الفوسفات فقط.
وإنما في ربط مختلف حلقاته ضمن منظومة إنتاج متكاملة تمتد عبر ولايات تبسة وسوق أهراس وعنابة، وتشمل الاستخراج والتحويل والتثمين والنقل والتصدير.
أشار إلى أن الاحتياطيات القابلة للاستغلال في المشروع تقدر بنحو 840 مليون طن من الفوسفات، مع هدف إنتاج سنوي يصل إلى 10.5 ملايين طن من الفوسفات الخام.
أضاف أن الجزائر تتجه بذلك إلى التعامل مع الفوسفات باعتباره مادة أساسية لصناعة كيميائية وزراعية.
وليس مجرد مورد منجمي يتم استخراجه وتصديره.
معتبراً أن التنويع الاقتصادي الحقيقي يمر عبر تحويل الثروات الطبيعية إلى مناجم ومصانع وشبكات سكك حديدية وموانئ وخدمات لوجستية ومؤسسات مناولة وهندسة، وصولاً إلى صادرات ذات قيمة مضافة.
في المقابل، شدد الخبير الاقتصادي على أن توقيع العقود لا يعني أن هدف التنويع الاقتصادي قد تحقق بصورة نهائية.
إنما يجعل تحقيقه ممكناً وقابلاً للقياس، على أن يكون الاختبار الحقيقي عند بدء الإنتاج، ثم بلوغ الطاقات المستهدفة.
وأخيراً القدرة على تسويق المنتجات الجزائرية بانتظام وتنافسية في الأسواق الدولية.
● التصنيع يضاعف القيمة الاقتصادية للفوسفات
بخصوص أهمية التصنيع مقارنة بتصدير الفوسفات الخام، أوضح تيغرسي أن القيمة الاستراتيجية الكبرى للمشروع تكمن في الانتقال من الخام إلى الفوسفات المخصب ثم الحمض الفوسفوري والأسمدة.
قال إن هذا المسار يسمح للجزائر بالدخول في سلسلة صناعية أطول، وبيع منتجات ذات قيمة مضافة أكبر.
بالتوازي مع خلق نشاطات مرتبطة بالطاقة والنقل والهندسة والصيانة والتعبئة والخدمات الكيميائية واللوجستية.
أكد أن الفارق لا يرتبط فقط بسعر الطن، وإنما بعدد الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن يولدها كل طن من الفوسفات قبل وصوله إلى المشتري النهائي.
في هذا السياق، اعتبر أن الربط بين بلاد الحدبة ووحدات التحويل وشبكة السكك الحديدية وميناء عنابة يمثل مشروعاً اقتصادياً متكاملاً، خاصة مع تطوير الخط المنجمي الشرقي وتوسعة ميناء عنابة والرصيف المنجمي المرتبط بالمشروع.
يرى الخبير أن هذه المنظومة يمكن أن تنقل الجزائر من موقع بائع مادة أولية إلى منتج صناعي ومصدر للأسمدة.
بما يشكل تحولاً نوعياً في طبيعة الاقتصاد الوطني، وليس مجرد زيادة في حجم الصادرات.
● الفوسفات مرشح ليكون رافعة للصادرات خارج المحروقات
في ذات الخصوص، أكد تيغرسي أن الفوسفات قادر على أن يصبح أحد روافد الصادرات خارج المحروقات.
شرط ألا يقاس نجاح المشروع بمجرد الإعلان عن الطاقات الإنتاجية.
وأوضح أنه في حال بلوغ مستويات الإنتاج المستهدفة من الفوسفات المخصب والأسمدة.
فإن الجزائر ستكون أمام قطاع تصديري جديد قادر على توليد إيرادات بالعملة الصعبة بصورة منتظمة، وليس مجرد عمليات تصدير ظرفية.
أشار إلى أن الميزة التنافسية الجزائرية لا ترتبط فقط بحجم احتياطيات الفوسفات، وإنما تشمل أيضاً توفر الموارد الطاقوية التي يمكن أن تدعم الصناعة الكيميائية.
إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يتيح الوصول إلى أسواق أوروبا والمتوسط وإفريقيا.
يرى تيغرسي أن الجزائر تستطيع أن تصبح لاعباً إقليمياً مهماً في سوق الأسمدة، خاصة إذا نجحت في تطوير شبكة تصدير متوازنة نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية.
غير أنه شدد على أن المنافسة الدولية ستكون قوية، ما يجعل امتلاك الفوسفات وحده غير كافٍ، في ظل الحاجة إلى إنتاج عالي الجودة، وتكلفة تنافسية، ولوجستيك فعال، وعقود تجارية طويلة الأجل، وعلامة تجارية جزائرية قادرة على اختراق الأسواق.
● نقل التكنولوجيا يجب أن يكون جوهر الشراكة مع الصين وإيطاليا
بخصوص الشراكة مع الصين وإيطاليا، اعتبر الخبير الاقتصادي أن هذه النقطة تعد من أهم محددات نجاح المشروع.
مؤكداً أن الشراكة الناجحة لا ينبغي أن تقتصر على بناء المصانع وتسليمها، وإنما يجب أن تتحول إلى وسيلة لبناء قدرات صناعية جزائرية مستدامة.
في هذا الإطار، دعا إلى رفع نسبة المحتوى المحلي تدريجياً في التجهيزات والخدمات والمناولة، ووضع برامج قابلة للقياس في مجال التكوين ونقل المعرفة.
كما شدد على ضرورة تكوين مهندسين وتقنيين جزائريين في تخصصات الصناعات الكيميائية والمناجم والميكانيك والأتمتة.
وإنشاء مراكز وطنية للصيانة والهندسة الصناعية، ونقل جزء من تصنيع قطع الغيار والتجهيزات إلى الجزائر.
دعا كذلك إلى إشراك الجامعات ومراكز البحث في تطوير العمليات الصناعية، مع تحديد مؤشرات سنوية واضحة لنقل التكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء بعبارات عامة حول “نقل الخبرة”.
أكد أن الهدف النهائي يجب أن يتمثل في تمكين الجزائر من امتلاك المعرفة بقدر امتلاكها للمنجم.
مع بناء قدرة وطنية على تشغيل المنشآت وصيانتها وتطويرها دون اعتماد دائم على الخبراء الأجانب.
● الآجال واللوجستيك والطاقة أبرز تحديات المشروع
بخصوص التحديات التي تواجه المشروع، وضع تيغرسي عامل الآجال في مقدمة التحديات.
خاصة في ظل استهداف بدء تصدير الفوسفات في مارس 2027، وهو ما يفرض تسريع مختلف حلقات المشروع والمنشآت المرتبطة به.
أوضح أن نجاح المنظومة لا يمكن أن يتحقق إذا اكتمل المصنع وتأخرت السكة الحديدية، أو اكتملت السكة وتأخر الميناء، أو اكتمل الميناء دون ضمان وصول كميات منتظمة من المنجم.
كما أبرز أهمية الجانب اللوجستي، مؤكداً أن مشروعاً بهذا الحجم يحتاج إلى تنسيق دقيق بين الإنتاج والنقل والتخزين والموانئ والتصدير.
لذلك فإن الخط المنجمي الشرقي لا يمثل مجرد بنية تحتية مرافقة، بل يعد جزءاً أساسياً من النموذج الاقتصادي للمشروع.
من جهة أخرى، أشار إلى تحديات الطاقة والمياه والبيئة، باعتبار أن صناعة الأسمدة والمنتجات الكيميائية تتطلب كميات معتبرة من الطاقة والمياه، فضلاً عن ضرورة الالتزام بمعايير بيئية صارمة.
أما التحدي الآخر، فيتعلق بالسوق العالمية، حيث يرى أن الجزائر مطالبة بالتحرك مبكراً لبناء شبكة تسويق وعقود تصدير وشراكات تجارية.
خصوصاً في إفريقيا وأوروبا وآسيا، بدلاً من انتظار اكتمال المصانع للبحث عن المشترين.
● تبسة وسوق أهراس وعنابة أمام تحول اقتصادي واسع
على المستوى الجهوي، أكد تيغرسي أن آثار المشروع يمكن أن تتجاوز الوظائف المباشرة داخل المناجم والمصانع.
لتشمل بناء اقتصاد معدني وصناعي جديد في شرق البلاد.
أوضح أن المشروع قادر على خلق نشاطات في مجالات النقل والمناولة والصيانة والهندسة والخدمات الصناعية والتكوين المهني والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تنشيط الحركة التجارية والخدمات اللوجستية.
يرى أن تبسة يمكن أن تنتقل تدريجياً من ولاية ذات نشاط منجمي تقليدي إلى قطب منجمي صناعي، بينما تستفيد سوق أهراس من موقعها ضمن السلسلة اللوجستية للمشروع
في حين يمكن لعنابة أن تعزز موقعها كمنصة تصدير صناعية بفضل توسعة الميناء والرصيف المنجمي.
● الرهان الحقيقي هو بناء صناعة جزائرية حول الفوسفات
خلص الخبير الاقتصادي والمحاضر بكلية الاقتصاد بجامعة الجزائر، الدكتور هواري تيغرسي، إلى أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على إنتاج ملايين الأطنان من الفوسفات المخصب أو الأسمدة، وإنما يتمثل في بناء نموذج جزائري متكامل لتحويل مورد منجمي إلى منظومة صناعية وتصديرية.
أكد أن نجاح هذا الرهان يرتبط بثلاثة شروط أساسية، تتمثل في احترام الآجال، وتحقيق التنافسية في التكلفة، وضمان نقل التكنولوجيا إلى الداخل.
في حال تحقيق هذه الشروط، يمكن لمشروع الفوسفات أن يتحول إلى أحد الأعمدة الفعلية لتنويع الاقتصاد الوطني، إلى جانب مشاريع الحديد والصلب والزنك والرصاص والصناعات الكيميائية.
أما إذا ظلت الشراكات مقتصرة على الإنجاز والتجهيز والاستيراد، فإن الجزائر قد تحصل على مصنع كبير، لكنها لن تحصل بالضرورة على صناعة وطنية قوية ومستدامة.
يبقى السؤال الاستراتيجي، وفق هذه الرؤية، هو ما إذا كانت الجزائر ستكتفي باستخراج الفوسفات، أم ستنجح في بناء صناعة وطنية قادرة على تصدير المنتج والمعرفة معاً.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة