آخر الأخبار

مقال رأي | سبع رسائل في جواب الرئيس تبون من برلين... حين انتصر منطق الدولة على إغراء التعليق

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

مقال رأي | سبع رسائل في جواب الرئيس تبون من برلين… حين انتصر منطق الدولة على إغراء التعليق

الجزائر الآن _ في السياسة، ليست كل المواقف تُقاس بعدد الكلمات، بل بما تحمله من رسائل. وخلال الندوة الصحفية المشتركة مع المستشار الألماني في برلين، سُئل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون عن إمكانية الاستجابة للدعوات المطالبة بإطلاق سراح الصحفي الفرنسي كريستوف غلياس، فجاء رده مقتضبًا لكنه بالغ الدلالة: “احترامًا للعدالة الجزائرية، لن أجيب عن هذا السؤال حتى أعود إلى الجزائر.”

قد يقرأ البعض هذه الإجابة على أنها امتناع عن التعليق، لكنني أراها موقفًا سياسيًا ودستوريًا يحمل سبع رسائل تتجاوز حدود السؤال نفسه.

أولًا: صاحب الصلاحية اختار الانضباط للمؤسسات

ربما كانت هذه هي الرسالة الأهم. فالقضية وصلت إلى مرحلة الحكم النهائي، ويمنح الدستور رئيس الجمهورية، وفق أحكامه وإجراءاته، صلاحيات تتصل بالعفو الرئاسي. ومع ذلك، لم يقدّم الرئيس أي وعد، ولم يطلق أي إشارة، ولم يفتح باب التأويل.

كان بإمكانه أن يرضي السائل بجملة واحدة، لكنه فضّل أن يحافظ على هيبة المؤسسات، وأن يؤكد أن الصلاحيات الدستورية لا تُمارس تحت ضغط الأسئلة الإعلامية، ولا تتحول إلى مادة للنقاش خلال زيارة رسمية في الخارج.

ثانيًا: الدولة لا تُدار من أمام الكاميرات

في عصر أصبحت فيه المؤتمرات الصحفية منصات لاتخاذ مواقف فورية، اختار الرئيس أن يذكّر بأن القرارات السيادية لا تُصنع أمام عدسات الكاميرات، وإنما داخل المؤسسات ووفق الآليات التي يرسمها الدستور والقانون.

ثالثًا: احترام العدالة رسالة إلى الداخل والخارج

حين قال: “احترامًا للعدالة الجزائرية”، لم يكن يخاطب الصحفي الذي طرح السؤال فقط، بل كان يوجه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن العدالة الجزائرية ليست مجرد مؤسسة قضائية، بل أحد أعمدة السيادة الوطنية التي تستحق الاحترام.

رابعًا: السيادة لا تتجزأ

السؤال جاء في برلين، لكن الجواب بقي جزائريًا خالصًا. لم يسمح الرئيس بأن تتحول قضية قضائية جزائرية إلى موضوع يُناقش تحت ضغط الإعلام الدولي، وهو بذلك كرّس مبدأ بسيطًا وعميقًا في آن واحد: السيادة القضائية جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية.

خامسًا: الدبلوماسية الهادئة أكثر فاعلية

كان بإمكان الرئيس أن يدخل في سجال سياسي أو قانوني، لكنه اختار الهدوء. هذا الهدوء حافظ على جوهر الزيارة، التي خُصصت لتعزيز الشراكة الجزائرية الألمانية في الاقتصاد والطاقة والاستثمار، ومنع تحويل الأنظار إلى قضية واحدة على حساب ملفات استراتيجية أكبر.

سادسًا: قوة المؤسسات في ضبط السلطة

ليست قوة الدولة في أن تمتلك صلاحيات واسعة، وإنما في أن تعرف متى تستخدمها ومتى تمتنع عن استخدامها. فحين يلتزم رئيس الجمهورية بحدود الدور المؤسسي في حديثه العلني، فإنه يعزز الثقة في الدولة أكثر مما لو قدّم إجابات آنية ترضي وسائل الإعلام.

سابعًا: أحيانًا يكون الامتناع عن الإجابة هو الإجابة

في عالم السياسة، قد يكون الصمت المدروس أكثر بلاغة من الخطابات الطويلة. فالامتناع عن التعليق في قضية حساسة لم يكن تهربًا من السؤال، بل كان إعلانًا بأن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، وإنما بمنطق المؤسسات واحترام الاختصاصات.

قد تتباين المواقف تجاه القضية نفسها، لكن جواب الرئيس تبون في برلين يفتح بابًا أوسع للنقاش حول مفهوم الدولة الحديثة. فالرجل الذي يملك، وفق الدستور وبعد الحكم النهائي، صلاحيات مرتبطة بالعفو الرئاسي، اختار ألا يجعل هذه الصلاحيات محل تعليق أو تلميح أمام الإعلام الدولي.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق: ليست قوة المسؤول في استعراض ما يملكه من سلطات، بل في قدرته على ضبط ممارستها، واحترام الإطار الدستوري الذي ينظمها. فالدول الكبرى لا تُبنى بكثرة التصريحات، وإنما بثقافة المؤسسات.

صدق من قال “ في السياسة، قد تصنع الكلمات خبرًا، لكن احترام المؤسسات هو الذي يصنع التاريخ”.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا