ذباب إلكتروني برتبة وزير في المغرب
الجزائرالٱن _ في تصريح تلفزيوني حديث، أطل وزير التجهيز والماء المغربي نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، بعبارة لافتة خلال حديثه عن تدبير ملف عيد الأضحى، عندما قال: “مابغيناش نكونو الجزائر”.
عبارة واحدة أشعلت جدلاً واسعاً، ليس لأنها مقارنة بين دولتين جارتين، بل لأنها تكشف عن خطاب شعبوي رخيص يفتقر إلى أدنى قدر من الدقة والمسؤولية.
وهو خطاب يليق بمنشورات الذباب الإلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما يليق بوزير يُفترض أن يزن كلامه ويحترم الحقائق.
ما الذي فعلته الجزائر فعلاً؟
قبل إطلاق الأحكام، تستوقفنا الوقائع. فأمام موجات الجفاف التي ضربت القطيع المحلي خلال السنوات الأخيرة، لم تنتظر الحكومة الجزائرية أن تتحول الأزمة إلى احتقان شعبي لتتحرك.
قررت استيراد مليون رأس من الأغنام للعام الثاني على التوالي، ووضعت نظام دعم حكومي مباشر حدّد فيه الرئيس عبد المجيد تبون سعر كبش العيد بما لا يتجاوز 50 ألف دينار، أي ما يعادل ثلث الأسعار الحرة في السوق.
الرسالة كانت واضحة ومباشرة: “لن يُحرم الجزائري من شعيرته الدينية مهما كانت الظروف”، والدولة موجودة لتحمي قدرته الشرائية لا لتتركه وحده في مواجهة السوق.
هذا التدخل الحكومي لم يكن ترفاً سياسياً، بل كان استجابة مسؤولة لواقع موضوعي صعب، وهو ما يُناقض تماماً الصورة السلبية التي حاول الوزير المغربي رسمها عن الجزائر أمام جمهوره.
في المغرب .. الهيليكوبتر بدل الدعم
أما في المغرب، فإنّ الأمور مختلفة تماما، فبدل أن يترك (أمير المؤمنين) الحرية لمواطنيه، ويطبق عليهم شعار (لمن استطاع إليها سبيلا)، أقر العام الماضي (بتحريم) الأضحية، وأمر كل الرعية بعدم الاستجابة لأمر الله ومنعهم من ذبح الأضاحي.
كما فعل والده من قبل، والأكثر من ذلك، أنّ الحكومة المغربية وضعت تدابير صارمة، حتى تمنع المواطنين من الوصول إلى الأضاحي، ولم تقتصر الإجراءات على الرقابة الإدارية التقليدية، بل خصصت طائرات هيليكوبتر لمراقبة أسطح المنازل والأسواق، للتحقق من التزام المواطنين بالأمر الملكي.
كما فرضت عقوبات صارمة على كل من تجاوز التنظيمات. هذه الإجراءات تكشف أن الأزمة في المغرب أشد وأعمق ولا تتعلق فقط بقلة المعروض، عكس الجزائر التي تركز على دعم المواطن وتسهيل شعيرة الأضحية.
مشهد يقول كل شيء دون أن يحتاج إلى تعليق، ويطرح سؤالاً مشروعاً: من يحتاج فعلاً إلى أن لا يكون كالآخر؟
الأرقام تُسقط الخطاب الشعبوي
ما يجعل تصريح الوزير المغربي أكثر غرابة هو أنه جاء في وقت تُسجل فيه الجزائر قفزة اقتصادية موثقة دولياً لا يمكن تجاهلها.
فوفق أحدث تقارير صندوق النقد الدولي، يتوقع أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي الجزائري 317 مليار دولار بحلول 2026، مما يُكرّس صدارتها لاقتصادات المغرب العربي بفارق مريح ويضعها في المرتبة الرابعة عربياً.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة أم الخير البرود، أستاذة السياسات النقدية والمالية، في تصريحات سابقة لصحيفة “الجزائر الآن” الإلكترونية، أن هذه الأرقام تعكس تحولاً جوهرياً يمنح الجزائر ثقلاً جيوسياسياً حقيقياً بوصفها مركزاً طاقوياً حيوياً وقوة استقرار اقتصادي في شمال إفريقيا.
فيما يرى الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي من جامعة الجزائر أن هذه القفزة تمنح الجزائر قدرة تفاوضية عالية في التكتلات الإقليمية، مشيراً إلى أن الاقتصاد الوطني بدأ ينتقل فعلياً من الاعتماد على الريع إلى بناء أسس نمو ذاتي تدعمها مشاريع ميدانية حقيقية.
بناء المستقبل: من الغاز إلى الشمس
ولا تقف الجزائر عند حدود ثروتها الطاقوية التقليدية التي تجعلها شريكاً لا غنى عنه لأوروبا وتركيا والعالم.
فهي تمضي في الوقت ذاته نحو تنويع مصادر طاقتها، مستفيدة من أكثر من 3000 ساعة سطوع شمسي سنوياً وامتداد صحراوي شاسع يجعلها من أبرز الدول المؤهلة لقيادة التحول الطاقوي في إفريقيا.
وتستهدف بلوغ 15 جيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2035، فيما انطلقت محطات إنتاج فعلية كمحطتي الغروس ببسكرة وتيندلة بالمغير، في مسار يثبت أن ما تبنيه الجزائر ليس خطاباً بل واقعاً ملموساً على الأرض.
“مابغيناش نكونو المغرب”
في نهاية المطاف، عبارة نزار بركة لم تكن رأياً سياسياً مسؤولاً، بل كانت رسالة موجهة للداخل المغربي لتسويق إنجاز محدود عبر تشويه صورة دولة جارة. والمفارقة أن الجزائر التي دعمت أضاحي مواطنيها.
بينما كانت الهيليكوبتر تحلق فوق أسطح البيوت في المغرب، والتي يتجه اقتصادها نحو 317 مليار دولار وتبني منظومة طاقوية متجددة وتستقبل 1600 شركة تركية وتوقع اتفاقيات مع كبرى دول العالم، لا تحتاج إلى من يدافع عنها.
فإن كان ثمة من يجب أن يقول “مابغيناش نكونو”، فالأرقام والوقائع تعرف الإجابة.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة