آخر الأخبار

مؤرخ فرنسي: ما ارتكبته القوات الفرنسية من مجازر في الجزائر يفوق في وحشيته ما شهدته الحرب العالمية الثانية

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

مؤرخ فرنسي: ما ارتكبته القوات الفرنسية من مجازر في الجزائر يفوق في وحشيته ما شهدته الحرب العالمية الثانية

الجزائرالٱن _ تتجدد في الساحة الفكرية الفرنسية أصوات تُعيد قراءة الماضي الاستعماري لفرنسا في الجزائر بقدر كبير من القسوة النقدية، واضعةً أحداثه في سياق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هذا النقاش، الذي ظل لعقود محاطًا بالتردد والصمت السياسي، يعود اليوم عبر شهادات أكاديمية وإعلامية تُسلّط الضوء على حجم العنف الذي رافق الحقبة الاستعمارية.

مجازر تُقارن بأبشع صفحات الحرب العالمية الثانية

المؤرخ والمحلل السياسي الفرنسي أوليفيي لو كور غراندميزون يذهب في قراءته لتاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر إلى حدود صادمة.

مصدر الصورة

معتبرًا أن ما ارتكبته القوات الاستعمارية من مجازر بحق المدنيين الجزائريين يفوق في وحشيته ما شهدته أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك مجزرة “أورادور سور غلان” عام 1944.

ويشير إلى أن العنف الذي رافق الغزو الفرنسي في القرنين التاسع عشر والعشرين لم يكن أحداثًا معزولة، بل نمطًا متكررًا من الإبادة المنظمة ضد السكان المدنيين.

حيث قُتل عشرات الآلاف في سياق حملات عسكرية امتزج فيها القمع بالترهيب الجماعي.

8 ماي 1945 تاريخ محفور بالدم

في حديث إعلامي، يعود أوليفيي لو كور غراندميزون إلى أحداث 8 ماي 1945 في الجزائر، معتبرًا إياها نقطة مفصلية في تاريخ العنف الاستعماري.

مصدر الصورة

ويقدّر عدد الضحايا بين 30 ألفًا و35 ألف مدني، سقطوا خلال عمليات قمع نفذها الجيش الفرنسي وميليشيات استعمارية، شملت القتل الجماعي وحرق الجثث في بعض الحالات لإخفاء الأدلة.

ويشير إلى أن أساليب العنف المستخدمة آنذاك، من قتل جماعي إلى تدمير قرى بأكملها، لا تختلف من حيث البنية والوحشية عن ممارسات النازية في أوروبا، ما يجعل المقارنة بين السياقين، بحسبه، مشروعة تاريخيًا.

من “التدخين القسري” إلى الإبادة الجماعية المنظمة

يتوقف المؤرخ عند مرحلة الاحتلال بقيادة الجنرال بيجو، حيث تُنسب إليه أوامر عسكرية تسمح باستخدام وسائل إبادة غير تقليدية ضد السكان المحليين داخل الكهوف، عبر أساليب خنق ودخان أدت إلى موت جماعي لمدنيين.

كما يشير إلى عمليات لاحقة في عهد الجنرال بيليسيي، انتهت بإبادة قرى كاملة تضم مئات الأشخاص من الرجال والنساء والأطفال.

هذه الوقائع، بحسبه، تعكس نمطًا ممنهجًا من العنف الاستعماري، لا يمكن اختزاله في أخطاء عسكرية، بل يندرج ضمن سياسة إخضاع واسعة النطاق.

عقيدة الحرب المضادة للثورة

يرى أوليفيي لو كور غراندميزون أن الحروب الاستعمارية في الجزائر والهند الصينية طورت ما يُعرف بـ”عقيدة الحرب المضادة للثورة”، حيث جرى تقنين أساليب مثل التعذيب، الإخفاء القسري، والتهجير الجماعي.

ويؤكد أن ما يقارب 2.5 مليون مدني جزائري تم ترحيلهم قسرًا إلى مخيمات تجميع، في إطار استراتيجية تهدف إلى عزل جبهة التحرير الوطني عن حاضنتها الاجتماعية، وهو ما يصنف اليوم ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير القانونية الحديثة.

جدل فرنسي متجدد حول الذاكرة الاستعمارية

هذا الملف عاد بقوة إلى النقاش العام في فرنسا بعد تصريحات الصحفي جون ميشال أباتي، الذي تساءل علنًا عن ازدواجية الذاكرة الفرنسية، مقارنًا بين تخليد مجزرة “أورادور سور غلان” والصمت حول مئات المجازر المرتكبة في الجزائر.

هذه التصريحات فجّرت جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، حيث وُوجهت باتهامات حادة من أطراف سياسية فرنسية، وصلت إلى حد اتهامه بتشويه صورة فرنسا، قبل أن يغادر منصبه وسط دعم أكاديمي من بعض المؤرخين.

ذاكرة استعمارية لم تُحسم بعد

يرى أوليفيي لو كور غراندميزون أن فرنسا ما تزال متأخرة في التعامل مع ماضيها الاستعماري، مقارنة بقوى استعمارية أخرى، بسبب تردد سياسي مزمن في الاعتراف الرسمي بالجرائم المرتكبة، بل ووجود مراحل تم فيها تمجيد الاستعمار قانونيًا.

ويشير إلى أن المواقف السياسية، سواء من اليمين أو اليسار، غالبًا ما تتأرجح بين الاعتراف الجزئي والتراجع.

كما حدث مع تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قدّم اعترافات في سياق انتخابي ثم عاد لتخفيف حدتها بعد وصوله إلى الحكم.

بين الاعتراف والمصالحة

يخلص المؤرخ الفرنسي إلى أن أي مسار للمصالحة مع الجزائر لا يمكن أن يتم دون اعتراف صريح بالجرائم الاستعمارية، واعتبارها جزءًا من تاريخ الدولة الفرنسية نفسها، وليس مجرد أحداث جانبية في الماضي.

ويؤكد أن الحديث لا يتعلق بمراجعة ذاكرة فردية، بل بمسؤولية دولة، وأن الاعتراف بهذه الجرائم كـ”جرائم دولة” و”جرائم ضد الإنسانية” يمثل الحد الأدنى لأي تسوية تاريخية حقيقية.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا