● غار جبيلات على السكة: الرئيس تبون يضع حجر الأساس لجزائر ما بعد الريع
الجزائرالٱن _ في لحظة تاريخية وصفها مراقبون بالفارقة في مسيرة التنمية الجزائرية، حلّ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الأحد، بمنطقة غار جبيلات بولاية تندوف، ليشرف على تدشين خط السكة الحديدية المنجمي الغربي الرابط بين غار جبيلات-تندوف-بشار، في مشهد احتفالي عكس حجم الإنجاز الاستراتيجي الذي طال انتظاره لعقود.
● زيارة رئاسية إلى قلب الصحراء
اختار الرئيس تبون أن يكون حاضراً شخصياً في هذه المنطقة النائية بأقصى الجنوب الغربي الجزائري، في رسالة رمزية قوية حول أهمية هذا المشروع ضمن الاستراتيجية الوطنية للتنمية.
وسط حشود من المسؤولين المحليين، الإطارات التقنية، العمال، وأبناء المنطقة، وقف رئيس الجمهورية ليعلن انطلاق حقبة جديدة في تاريخ الجزائر الاقتصادي.
الزيارة التي شملت معاينة ميدانية للمنشآت المنجمية والبنى التحتية للسكة الحديدية، تُعتبر الأولى من نوعها لرئيس جزائري إلى هذه المنطقة الاستراتيجية، ما يعكس الاهتمام الرئاسي المباشر بمتابعة المشاريع الكبرى وضمان تنفيذها على أرض الواقع.
● تصريحات رئاسية تُعيد رسم خريطة المستقبل
في كلمة قوية ألقاها من موقع المشروع، أكد الرئيس تبون أن “تدشين خط السكة الحديدية المنجمي الغربي غار جبيلات-تندوف-بشار يشكل مرحلة أولى من مراحل مشروع وطني مهيكل سيغير إن شاء الله على المدى القريب وجه المنطقة التي تمتد على جنوبنا الكبير”.
وأضاف الرئيس أن المشروع “يساهم في تكريس أهداف توجهاتنا الاقتصادية الوطنية نحو استغلال الثروات المتعددة في غار جبيلات”، في إشارة واضحة إلى التوجه الاستراتيجي نحو تنويع الاقتصاد الوطني والاستثمار في القطاعات غير النفطية.
لم يتوقف الرئيس عند حدود مشروع غار جبيلات، بل كشف عن منظومة وطنية متكاملة للاستثمار المنجمي تشمل “إطلاق منجم الزنك والرصاص بوادي أميزور ببجاية ومشروع إنجاز خط السكة الحديدية لمنجم بلاد الحدبة والرصيف المنجمي لعنابة”، في رؤية شاملة تربط الجنوب بالشمال وتحوّل الثروات الكامنة إلى محرك اقتصادي حقيقي.
● إنجاز استثنائي في زمن قياسي
ما أثار إعجاب الحضور في كلمة الرئيس هو الإشارة إلى السرعة غير المسبوقة في إنجاز هذا المشروع العملاق، حيث توجه رئيس الجمهورية “بشكره إلى كل العمال والكفاءات والإطارات المسيرة وكذا الأصدقاء الصينيين نظير هذا الإنجاز التاريخي في ظرف قياسي قدر بعشرين شهراً”.
إنجاز خط سكة حديدية يمتد لمئات الكيلومترات عبر تضاريس صحراوية قاسية، مع كل ما يتطلبه من بنى تحتية ومحطات ومنشآت، في غضون 20 شهراً فقط، يُعتبر إنجازاً هندسياً يُحتذى به، ويعكس الإرادة السياسية القوية والتنسيق الفعال بين مختلف الأطراف المنفذة.
● مشروع تاريخي بأبعاد استراتيجية
خط السكة الحديدية المنجمي الغربي ليس مجرد مشروع بنية تحتية عادي، بل يمثل نقلة نوعية في تاريخ الجزائر الاقتصادي لعدة اعتبارات:
أولاً، يفتح هذا المشروع الباب أمام استغلال واحد من أكبر احتياطيات خام الحديد في إفريقيا والعالم، حيث تحتوي منطقة غار جبيلات على مليارات الأطنان من الحديد الخام عالي الجودة، ظلت حبيسة الصحراء لعقود طويلة بسبب غياب البنية التحتية اللازمة لنقلها.
ثانياً، يُحدث المشروع ثورة تنموية في منطقة الجنوب الغربي، من تندوف إلى بشار، مناطق ظلت تعاني من التهميش والعزلة، حيث سيخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويجذب استثمارات مصاحبة في مختلف القطاعات.
ثالثاً، يضع المشروع الجزائر على خريطة اللاعبين الكبار في سوق الحديد العالمي، ويوفر مصدر دخل استراتيجي بديل عن المحروقات في ظل التحولات العالمية نحو الطاقات المتجددة.
رابعاً، يُعزز السيادة الوطنية على المناطق الحدودية الاستراتيجية، ويدعم الوجود الاقتصادي والديموغرافي في الجنوب الكبير.
● بُعد جيوسياسي إقليمي
لا يمكن فصل هذا المشروع عن بُعده الجيوسياسي في منطقة الساحل والصحراء، حيث يُعزز الموقع الاستراتيجي للجزائر كقوة إقليمية، ويفتح آفاقاً للتعاون الاقتصادي مع دول الجوار الإفريقي، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن ممرات تنموية عابرة للصحراء.
كما أن تطوير منطقة غار جبيلات وربطها بشبكة النقل الوطنية يُرسّخ السيطرة الجزائرية على هذه المنطقة الحدودية الحساسة، في رسالة واضحة حول قدرة الدولة على تنمية كامل ترابها الوطني.
● تحديات المرحلة المقبلة
رغم النجاح الباهر في إنجاز البنية التحتية، تبقى التحديات الحقيقية في مرحلة التشغيل والإنتاج: كيف سيتم تسويق الإنتاج في أسواق عالمية تنافسية؟ ما هي الاستراتيجية لتطوير صناعات تحويلية محلية تضيف قيمة للخام المستخرج؟ كيف سيتم الحفاظ على البيئة الصحراوية الهشة؟ وهل ستستطيع الكفاءات الجزائرية إدارة هذا المشروع العملاق بكفاءة واستدامة؟
● إعلان ميلاد جزائر تنمي جنوبها الكبير
بتدشين خط السكة الحديدية المنجمي الغربي، تكون الجزائر قد دخلت رسمياً عصر التعدين الحديث، وأطلقت مشروعاً سيكون له ما بعده في تشكيل الاقتصاد الوطني للعقود القادمة.
الحدث الذي شهدته غار جبيلات (الأحد) ليس مجرد قطع شريط تدشين، بل هو إعلان عن ميلاد جزائر جديدة، جزائر تستثمر في ثرواتها الحقيقية، تنمّي جنوبها الكبير، وتبني اقتصاداً متنوعاً قادراً على مواجهة تحديات المستقبل.
ومن قلب الصحراء، من غار جبيلات، أطلق الرئيس تبون رسالة واضحة: الجزائر الجديدة لن تبقى رهينة لاقتصاد ريعي أحادي، بل ستبني مستقبلها على التنوع والاستثمار الذكي في ثرواتها المتعددة، وهذا المشروع التاريخي هو البداية فقط.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة