هناك أهداف في كرة القدم تتجاوز حدود الزمن، وتتحدى تعاقب الأجيال، لتبقى محفورة في الذاكرة الجماعية للعبة. هدف بابا بوبا ديوب في مرمى فرنسا، يوم 31 مايو/أيار 2002، يعد واحدا من تلك اللحظات المؤسسة في تاريخ كرة القدم العالمية.
في ذلك اليوم، أسقطت السنغال بطلة العالم، ودونت اسمها لأول مرة بين كبار اللعبة، في واحدة من أبرز مفاجآت كأس العالم.
بعد أربعة وعشرين عاما، يعود القدر ليجمع المنتخبين من جديد. ففي 16 يونيو/حزيران 2026، ستواجه السنغال فرنسا في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. مواجهة لا تقتصر دلالتها على بعدها الرياضي، بل تستحضر تاريخا ثقيلا من الرمزية والذاكرة.
إنه موعد يعيد إحياء إرث اللاعب الراحل بابا بوبا ديوب، الذي غاب جسدا وبقي حاضرا في وجدان "أسود التيرانغا"، بوصفه رمزا للجرأة والقدرة على كسر المعادلات، ورسالة مبكرة مفادها أن الفوارق التاريخية لا تصمد دائما أمام التنظيم والإيمان.
منذ ملحمة 2002، عرفت كرة القدم السنغالية مسارا تصاعديا لافتا، توج بالوصول إلى قمة الكرة الأفريقية. ففي 18 يناير/كانون الثاني 2026، توج المنتخب السنغالي بطلا لكأس أمم أفريقيا للمرة الثانية في تاريخه، بعد فوزه على المغرب بهدف دون رد بعد التمديد، في نهائي أكد فيه أنه لم يعد مجرد منتخب مفاجآت، بل قوة راسخة في القارة.
غير أن هذا التتويج لم يخل من الجدل، بعد أحداث شهدها ملعب مولاي عبد الله في الرباط، تحولت سريعا إلى مادة للنقاش في بعض وسائل الإعلام الدولية، خاصة الفرنسية منها.
وفي الأيام التي تلت النهائي، بدا أن جزءا من التغطية الإعلامية يترقب قرارات تأديبية قاسية، إذ تداولت صحف ومنصات رياضية فرنسية، من بينها ليكيب (L’Equipe) وفوت ميركاتو (Foot Mercato)، سيناريوهات عقوبات مشددة قد تؤثر على مشاركة السنغال في مونديال 2026.
غير أن قرار الهيئات المختصة جاء مغايرا لهذه التوقعات. إذ اكتفى الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بالأخذ علما بالعقوبات التي أقرها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، مؤكدا أن تلك الإجراءات لن يكون لها أي أثر على مشاركة السنغال في كأس العالم.
لكن ما لفت الانتباه أكثر، هو ما كشف لاحقا بشأن المتابعة الفنية الدقيقة التي يخضع لها المنتخب السنغالي من قبل الجهاز الفني للمنتخب الفرنسي. فقد كشفت تقارير صحفية فرنسية أن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بدأ مبكرا التحضير للمواجهة، عبر متابعة دقيقة لأداء السنغال خلال كأس أمم إفريقيا.
وفي هذا السياق، صرح مساعد مدرب فرنسا غي ستيفان قائلا:
"نملك كل البيانات المتعلقة بأسلوب لعب السنغال، من سرعات الجري إلى المناطق التي يغطيها اللاعبون داخل الملعب. سيتم استكمال هذا العمل في يونيو/حزيران، عبر إعداد تقرير فيديو مفصل يعرض على اللاعبين صباح يوم المباراة".
وأضاف أن الجهاز الفني سيواصل عملية الرصد، موضحا أن مراقبين سيتم إرسالهم لمتابعة مباريات المنافسين خلال فترة التوقف الدولي في مارس/آذار.
وذكرت ليكيب أن الطاقم الفني الفرنسي كان مقتنعا، منذ قرعة كأس العالم التي أجريت في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025 في واشنطن، بأن فرنسا وضعت في واحدة من أقوى مجموعات البطولة. فإلى جانب السنغال، تضم المجموعة كلا من النرويج، إضافة إلى سورينام والعراق أو بوليفيا.
ويؤكد تتويج السنغال القاري، وما أظهرته من قوة بدنية، وانضباط تكتيكي، ومستوى تقني عال، المخاوف الفرنسية بشأن صعوبة المجموعة، ويعزز صورة "أسود التيرانغا" باعتبارهم أحد المنتخبات القادرة على الذهاب بعيدا في البطولة.
من داخل المعسكر السنغالي، لم يغب الطموح ولا الثقة. فقد وجه لاعب الوسط باب غاي رسالة واضحة إلى فرنسا، مؤكدا أن منتخب بلاده سيكون جاهزا للمواجهة. وقال لاعب فياريال (Villarreal) الإسباني غاي، وصاحب هدف الفوز في نهائي كأس أمم إفريقيا، في تصريحات لبرنامج تيليفوت (Telefoot) الفرنسي:
"ستكون مباراة قوية. فرنسا تمتلك الكثير من المواهب، لكننا نملكها أيضا. سنقاتل بأسلحتنا، ونعتقد أننا قادرون على منافسة أكبر المنتخبات في العالم. يمكننا الفوز في هذا النوع من المباريات".
وتعكس تصريحات غاي حالة الثقة السائدة داخل المنتخب السنغالي، وهي حالة تعززت بعد التتويج الإفريقي الأخير، الذي رسخ مكانة السنغال باعتبارها قوة صاعدة في كرة القدم العالمية، لا بصفتها ضيف شرف في البطولات الكبرى.
مع اقتراب موعد المواجهة، يعود اسم بابا بوبا ديوب إلى الواجهة، لا بوصفه ذكرى عاطفية فحسب، بل بوصفه رمزا لمسار كامل. هدفه في 2002 لم يكن مجرد كرة عبرت خط المرمى، بل إعلان دخول السنغال إلى فضاء المنافسة العالمية.
في 2026، لن تدخل السنغال الملعب باعتبارها منتخبا مغمورا أو طرفا ثانويا. ستدخل وهي بطلة إفريقيا، مدعومة بتجربة تراكمت، وجيل ناضج، وذاكرة جماعية تعرف أن التاريخ قد لا يعيد نفسه حرفيا، لكنه يمنح فرصا جديدة لمن يحسن قراءته.
أمام فرنسا، لن تكون المواجهة مجرد مباراة في كأس العالم، بل فصل جديد في قصة ما تزال تكتب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة