آخر الأخبار

 كان العار ولعبة الفار

شارك
بواسطة محمد،قادري
صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني و الدولي .
مصدر الصورة
الكاتب: محمد،قادري

● كان العار ولعبة الفار

الجزائرالٱن _ كان من المفترض أن تكون كأس أمم إفريقيا 2025 احتفالية كروية تجمع شعوب القارة السمراء تحت راية المنافسة الشريفة والإبداع الكروي.

لكن ما شهدناه في المغرب يتجاوز مجرد أخطاء تحكيمية عابرة أو سوء تنظيم طارئ – إنها أزمة بنيوية تهدد مصداقية اللعبة الأكثر شعبية في القارة، وتحوّل البطولة من مهرجان كروي إلى مسرح للفضائح والمؤامرات.

النسخة الخامسة والثلاثون من البطولة القارية ستُذكر في التاريخ ليس بأهدافها الرائعة أو مبارياتها الملحمية، بل كنسخة العار التي أفقدت كرة القدم قيمتها وجماليتها، وحوّلت المستطيل الأخضر إلى ساحة للتلاعب والمحسوبية.

مصدر الصورة

● مباراة الجزائر ونيجيريا نموذج صارخ للمهزلة

ما حدث في مباراة الجزائر ونيجيريا يختصر كل مآسي هذه البطولة.

ركلة جزاء واضحة لا تحتاج لعين خبير لرؤيتها – لمسة يد صريحة داخل منطقة الجزاء زادت من حجم جسم المدافع النيجيري، لكن الحكم السنغالي عيسى سي تجاهلها تماماً. والأدهى من ذلك، تقنية الفار التي يُفترض أنها جاءت لتصحيح الأخطاء الواضحة ظلت صامتة كأنها معطّلة أو مُوجّهة لعدم التدخل.

الخبير التحكيمي المصري محمد صلاح عبد الفتاح لم يتردد في وصف الموقف بـ”الفضيحة التحكيمية”، مؤكداً أن المخالفة واضحة ولا تحتمل التأويل. حتى النجم محمد أبو تريكة تساءل بحيرة عن سبب صمت غرفة الفار أمام هذا الخطأ الفاضح.

مصدر الصورة

لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك – التحيز كان واضحاً طوال المباراة حيث أشهر الحكم بطاقات صفراء للاعبي الجزائر لأبسط الاحتكاكات، بينما تغاضى عن مخالفات أخطر وأعنف من اللاعبين النيجيريين. كأن المباراة كانت مكتوبة مسبقاً والنتيجة محسومة قبل صافرة البداية.

● الفوضى التحكيمية: المغرب المستفيد الأكبر

الكارثة أن ما حدث مع الجزائر ليس حادثاً منفرداً، بل جزءاً من منظومة فاسدة طغت على كامل البطولة. والملاحظ أن الأخطاء التحكيمية الكبرى كانت تصب – بشكل مريب ومتكرر – في صالح المغرب المستضيف.

في لقاء الافتتاح ومع الصعوبة التي وجدها المغاربة في تجاوز منتخب جزر القمر الصغير، حدثت لقطة غريبة جدا، عندما استدعت غرفة الفار الحكم للشك في لمس باليد داخل منطقة الجزاء.

والغريب أن الحكام لم ينتبهوا إلا متأخرا، أنّ مهاجم المنتخب المغربي إبراهيم دياز هو من لمس الكرة وليس مدافع جزر القمر.

مصدر الصورة

ما حدث في لقاء الافتتاح كان مؤشرا على اتجاه التحكيم في هذه البطولة، وتأكد الجميع من ذلك، في لقاء المنتخب المغربي الثاني أمام المنتخب المالي، حيث كانت الفضيحة أوضح.

المدرب البلجيكي توم سينتفيت لم يخف غضبه من أداء الحكم الكاميروني عبدول مفيري (أصغر حكم في البطولة!)، معتبراً أن قراراته صبّت في صالح المغرب.

حُرم منتخب مالي، الذي كاد يحرم من ركلة جزاء شرعية لو قوة احتاج لاعبيه، ما اضطر غرفة الفار إلى التدخل ولو بعد فترة طويلة مثيرة الكثير من الشكوك.

ولكن “الفار” أغمض عيونه بعد ذلك عندما داس أمرابط على قدم المهاجم المالي، وعلق مدرب مالي سينتفيت بمرارة: “شاهدت اللقطة مرة أخرى، المدافع اعتدى بوضوح على لاعبنا، من المخيب للآمال أننا لم نحصل على تلك الركلة”. صمت مريب يشي بتوجيهات من أعلى.

● مباراة المغرب وتنزانيا: سرقة في وضح النهار

ربما تكون هذه أفضح سرقة تحكيمية في البطولة. في الدقيقة 94 – اللحظات الأخيرة من المباراة – تعرض اللاعب التنزاني إيدي ناو لدفع واضح من الخلف داخل منطقة الجزاء من قبل المدافع المغربي آدم ماسينا.

الحكم المالي بوبو طراوري (وليس من المصادفة أن يكون حكماً مالياً بعد أن ظُلم منتخب بلاده!) تجاهل المخالفة تماماً ولم يعد لتقنية الفار رغم احتجاجات اللاعبين العنيفة.

الحكم المونديالي المصري جمال الغندور أكد: “هناك ركلة جزاء صحيحة لم تُحتسب لتنزانيا. اللوم يقع على حكم الفار أكثر من حكم الساحة”.

الحكم الدولي المصري الآخر توفيق السيد كان أكثر صراحة: “منتخب تنزانيا يستحق ركلة جزاء بنسبة 100%.

هذه المباراة لم تشهد أي حيادية من التحكيم – لدي تحفظات كبيرة على أداء طاقم التحكيم بالكامل”. صحيفة تنزانية وصفت الأمر بأنه “قرارات مثيرة للريبة” ودعت الكاف لمراجعة آليات تعيين الحكام، محذرة من أن “إسناد المباريات الحاسمة لحكام تحوم حولهم الشبهات يقوض الثقة في نزاهة البطولات”.

● مباراة المغرب والكاميرون: حرمان من ركلتي جزاء

استمر المسلسل في مباراة ربع النهائي ضد الكاميرون. حُرم المنتخب الكاميروني من ركلتي جزاء واضحتين، بينما تجاهل الحكم مخالفات عنيفة ضد لاعبي الكاميرون.

مصدر الصورة

كما كان اللاعب نايف أكرد يستحق الطرد، وكان أيضا وراء اعتداء بالمرفق على مهاجم كاميروني داخل منطقة الجزاء ولكن الحكم منح بطريقة غريبة مخالفة للمنتخب المغربي،

الحادثة الثانية كانت أكثر غرابة، فأمام أنظار كل العالم يتعرض نجم مانشستر يونايتد برايان مبويمو لعرقلة واضحة من طرف المدافع آدم ماسينا، ولكن لا حكم الساحة ولا حكم الساحة عاد للقطة.

وقال مبويمو بعد المباراة: “شعرت بلمسة واضحة، وبعد مشاهدة الإعادة كانت اللقطة جلية جداً”. الحكم الدولي توفيق السيد أكد أن الكاميرون استحقت ركلة جزاء، في حين أن مصادر مغربية نفسها اعترفت بـ”فضيحة تحكيمية” و”ظلم للكاميرون”.

● فضائح إدارية وتنظيمية تكشف الفساد

فضيحة الحذاء: استبعاد أفضل حكم إفريقي لعام 2025، الصومالي عمر عبد القادر أرتان، قبل ساعات من إدارة مباراة الجزائر-نيجيريا بحجة ارتدائه حذاءً لا يتوافق مع الراعي الرسمي! .

قرار يكشف عن أولويات مقلوبة حيث تُقدّم المصالح التجارية على الكفاءة والنزاهة – أو ربما كان القرار لإبعاد حكم محترف عن مباراة مهمة لضمان تمرير “السيناريو المطلوب”.

● الفوضى الإدارية: الحكم مصطفى غربال كان مرشحاً لإدارة مباراة السنغال ومالي كحكم ساحة، ثم حكم فيديو للقاء المغرب والكاميرون، ثم يجد نفسه مبرمجا للقاء المنتخبين المصري و الإيفواري.

وهذا في أقل 24 ساعة فقط – فوضى تعكس غياب أي منهجية أو احترافية، بدليل أنّ الحكم الجنوب إفريقي توم أبو نجيل، عيّن لإدارة لقاء مالي والسنغال رغم أنّ هذا الحكم أدار لقاء مالي أمام تونس في الدور 16، في سابقة لا تحدث إلا في إفريقيا.

التدخلات المشبوهة: تقدمت الجامعة المغربية بشكوى لتأخر تعيين الحكام، ثم طلبت تغيير الحكم المصري أمين عمر وحكم الفار الجزائري مصطفى غربال، وتم الاستجابة للطلب فوراً دون إبلاغ الاتحاد الكاميروني المنافس – ازدواجية معايير صارخة تكشف عن نفوذ الجامعة المغربية داخل الكاف.

ورغم أنّ رئيس الاتحاد الكاميروني صامويل إيتو رفض أن يدير لقاءه أمام المنتخب المغربي حكم عربي، إلا أنّ نفوذ فوزي لقجع كان أقوى وتم تعيين الأسوأ وهو الحكم الموريتاني دحان بيدة، الذي نفذ المهمة بنجاح.

والأخطر من كل ذلك، كشف مسؤول في الكاف أن لجنة التحكيم تتجنب عرض الحالات الجدلية في الاجتماعات الفنية خوفاً من ردود الفعل إذا ثبت وجود أخطاء أثرت على النتائج – اعتراف صريح بالتستر على الفضائح.

● التقنية الحديثة لخدمة الظلم القديم

من المفارقات المؤلمة أن هذه البطولة تشهد استخدام تقنية الفار التي كان من المفترض أن تقضي على الأخطاء التحكيمية الفادحة.

في نسخ سابقة، قبل عصر التقنية، كانت الأخطاء تُنسب للعامل البشري وضغط اللحظة وصعوبة الرؤية. لكن اليوم، مع وجود كاميرات من كل الزوايا وإمكانية إعادة المشاهد عشرات المرات، لم تعد الأخطاء مجرد أخطاء – بل قرارات مقصودة.

حتى في عصر ما قبل الفار، عندما كان التحكيم يعتمد كلياً على العين البشرية، لم نشهد هذا الكم المهول من الأخطاء الفاضحة. الآن، مع كل هذه التقنيات المتطورة، أصبحت الأخطاء أكثر وأوضح وأفضح – لأنها ببساطة ليست أخطاء بل توجيهات.

التقنية التي جاءت لتحقيق العدالة أصبحت أداة لتكريس الظلم. غرفة الفار تتدخل في مواقف هامشية لصالح المغرب، وتصمت أمام مخالفات واضحة ضد منافسيه.

في مباراة بعد أخرى، نفس النمط: ركلات جزاء مشكوك فيها للمغرب تُحتسب بسرعة، وركلات جزاء واضحة للمنافسين تُتجاهل تماماً. هذا ليس خطأً تقنياً – إنه تلاعب ممنهج ومؤامرة مكشوفة.

● أزمة التذاكر: تهميش الجماهير وحرمانها من حقها

الفضيحة لم تقتصر على الملاعب، بل امتدت إلى المدرجات. الجماهير الجزائرية، التي قطعت مئات الكيلومترات لمساندة منتخبها، وجدت نفسها أمام أبواب موصدة رغم توفر آلاف المقاعد الفارغة.

المعلق الجزائري حفيظ دراجي كشف أن تذاكر جميع مباريات الجزائر الأربع كانت “غير متوفرة” على منصة الحجز، بينما المدرجات لم تكن ممتلئة. هذه ليست مصادفة – إنها سياسة متعمدة لتهميش جماهير معينة وحرمانها من دعم منتخبها.

اضطر الاتحاد الجزائري للتدخل رسمياً لدى الكاف لضمان حصول الجماهير على حقها المشروع في حضور المباريات، لكن دون جدوى. الرسالة واضحة: هذه البطولة ليست للجماهير، بل لتحقيق أجندات معينة.

كرة القدم بدون جماهيرها تفقد روحها. والبطولة التي تحرم جماهير أمة بأكملها من مساندة منتخبها هي بطولة فاقدة للشرعية الشعبية.

● كرة قدم بلا قيمة ولا جمال

كل هذه الفضائح أفقدت البطولة قيمتها الرياضية والأخلاقية:

ـ اللاعبون لم يعودوا يثقون في أن جهدهم وإبداعهم سيُكافأ بالعدل.

ـ المدربون أصبحوا يدركون أن خططهم التكتيكية قد لا تكون العامل الحاسم.

ـ الجماهير فقدت الثقة في نزاهة المنافسة وعدالة النتائج.

ـ الرعاة والشركاء يربطون أسماءهم ببطولة ملوثة بالفضائح.

المباريات فقدت إثارتها الحقيقية عندما أصبح الجميع يعلم أن النتيجة قد تُحسم خارج الميدان. الأهداف الرائعة والمهارات الاستثنائية لم تعد كافية أمام قرارات تحكيمية موجّهة وتدخلات إدارية مشبوهة.

● نيجيريا الضحية القادمة

ما يثير السخرية المُرة أن منتخب نيجيريا الذي استفاد من قرارات الحكم عيسى سي ضد الجزائر، سيكون أول ضحايا هذه المنظومة الفاسدة في الأدوار القادمة.

السيناريو واضح ومكشوف: كل شيء مُفصّل لوصول المغرب المستضيف إلى النهائي ورفع الكأس على أرضه.

نيجيريا، التي احتفلت اليوم بتأهل غير مستحق، ستجد نفسها قريباً في موقف الجزائر أمام المغرب. الحكام الذين ساعدوها اليوم سيتحولون غداً إلى جلادين لها عندما تقف عقبة أمام السيناريو المرسوم.

● عيسى سي ظلم الجزائر أمس… ظلم بلاده غداً

والمفارقة الأكبر تكمن في شخص الحكم السنغالي عيسى سي نفسه، الذي نفّذ اليوم “المؤامرة” ضد الجزائر بكل احترافية. هذا الحكم الذي باع ضميره المهني لا يدرك أنه يحفر قبراً لمنتخب بلاده أيضاً.

عندما تصل السنغال إلى مواجهة مصيرية أمام المغرب، ربما في المباراة النهائية، سيلجأ فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لتعيين حكم من نفس “طينة” عيسى سي. حكم آخر مستعد لبيع نزاهته، من أمثال غيزلان أوتشو أو غيره من الحكام الذين أثبتوا “ولاءهم” للأجندة المرسومة.

وحينها، عندما يرى عيسى سي منتخب بلاده يُظلم بنفس الطريقة التي ظلم بها الجزائر، عندما يحرم لاعبو السنغال من ركلات جزاء واضحة كما حُرم لاعبو الجزائر اليوم، عندما تصمت تقنية الفار أمام أخطاء فادحة لصالح المغرب كما صمتت لصالح نيجيريا، حينها فقط سيدرك هذا الحكم أنه كان مجرد أداة لمنظومة لا ترحم، وأن من يخون المبادئ اليوم سيُخان غداً.

السنغال التي تحلم بكأسها الثاني بعد نسخة 2021 التاريخية، قد تجد نفسها ضحية لنفس المنظومة التي استفاد منها حكمها اليوم. وساعتها، لن ينفع الندم ولا الاحتجاج – فالمسرحية كُتبت فصولها مسبقاً، والنهاية محسومة: المغرب بطلاً بأي ثمن.

● من ينقذ كرة القدم الإفريقية؟

نسخة كأس أمم إفريقيا 2025 ستبقى وصمة عار في تاريخ الكرة القارية. بطولة سُرقت فيها أحلام منتخبات وجماهير، وداست على أبسط مبادئ العدالة والنزاهة. بطولة حوّلت اللعبة الأجمل في العالم إلى مهزلة تثير الاشمئزاز.

السؤال الأهم: هل ستكون هذه النسخة نقطة تحول نحو إصلاح جذري في الكاف وأنظمة التحكيم، أم ستبقى مجرد سابقة يُبنى عليها المزيد من الفساد في النسخ القادمة؟

الجواب يعتمد على شجاعة الاتحادات الوطنية في المطالبة بالتغيير، ووعي الجماهير في رفض القبول بهذا الواقع المُهين. كرة القدم الإفريقية تستحق أفضل من هذا بكثير – تستحق منافسة شريفة، تحكيماً نزيهاً، وبطولة تليق بعظمة هذه القارة وشغف شعوبها.

أما إذا استمر الصمت والاستسلام، فسنشهد المزيد من “نسخ العار” في المستقبل، وستفقد الكرة الإفريقية ما تبقى لها من مصداقية واحترام.

والحكم السنغالي عيسى سي، ومن على شاكلته، سيدركون – ولو بعد فوات الأوان – أن الخيانة لا تبني مجداً، وأن الظلم عجلة تدور على الجميع، حتى على من يظنون أنهم في مأمن منها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا