كيرتس يارفين.. راسبوتين الأمريكي الذي يهمس في أذن ترمب
كانت حرب عالمية تدق أبواب روسيا بعنف، بينما يغلي البيت من الداخل كمرجل على وقع نشاط المعارضة وذكريات ثورة 1905، لكن البلاط الإمبراطوري لأسرة رومانوف كان مشغولا عن كل ذلك برجل غامض حاز تأثيرا سحريا على الإمبراطور وزوجته، وأحيط بهالة من ذلك النوع الذي لا يلف إلا القديسين أو السحرة.
كان غريغوري راسبوتين رجلا متجولا صوفيا، جاء من سيبيريا، وبدأت علاقته بالأسرة الإمبراطورية بمحض الصدفة. فقد عانى الأمير الصبي أليكسي، وريث العرش الروسي، من الناعور (مرض الهيموفيليا)، وهو اضطراب في تخثر الدم قد يفضي إلى الموت. كانت حالة الصبي سرا تحيطه الأسرة بالكتمان خوفا من أن يؤثر على موقعه في وراثة العرش. وحين عجز الأطباء عن تخفيف معاناته، لجأت الإمبراطورة ألكسندرا إلى راسبوتين الذي بدا أن طريقته تساعد بالفعل في تحسين صحة الطفل.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 ممر واخان.. الطريق الذي تطرق به طالبان باب الصين المغلق
* list 2 of 2 نوبل للكيمياء 2026.. السر الذي طارده يعقوب الكندي قبل أكثر من ألف عام end of list
وفي أعقاب اندلاع الحرب العالمية الأولى، غادر القيصر نيقولا الثاني قصره إلى القيادة العسكرية، تاركا وراءه زوجته الإمبراطورة ألكسندرا لتلعب دورا متناميا في الشؤون السياسية للإمبراطورية المأزومة. ومع اعتمادها المتزايد على راسبوتين، موضع ثقتها ومستشارها غير الرسمي، أصبح الأمر مادة للشائعات والدعاية، بما في ذلك مزاعم غير مثبتة عن علاقة غرامية بالإمبراطورة؛ ما أسهم في تقويض هيبة عرش أنهكته الحرب والأزمات.
"يعد كيرتس يارفين أحد التجليات التي نعايشها اليوم للحالة الراسبوتينية"
يعد كيرتس يارفين أحد التجليات التي نعايشها اليوم للحالة الراسبوتينية. فالمبرمج القادم من وادي السيليكون تحول في غضون سنوات قليلة إلى كاتب سياسي يدعو إلى العودة إلى المَلَكية المطلقة، وتمتد علاقاته الفكرية إلى الدوائر السياسية المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وليارفين عينان غائرتان وشعر طويل كثيف كعيني وشعر راسبوتين، لكن المدون الأمريكي لا يشبه الراهب الروسي من حيث الملامح فحسب، وإنما من حيث موقعه المهم في الخلفية الفكرية للتحولات السياسية التاريخية التي تشهدها الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترمب.
مصدر الصورة
راسبوتين الرقمي
وُلد كيرتس يارفين عام 1973 لوالد يعمل في السلك الدبلوماسي الأمريكي، وكان جداه من جهة الأب شيوعيين يهوديين. أمضى فترات من طفولته خارج الولايات المتحدة، وتلقى تعليما متقدما بالنسبة إلى سنه، قاده في نهاية المطاف إلى جامعة براون المرموقة. وبعد تخرجه، التحق ببرنامج الدكتوراه في علوم الحاسوب بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، لكنه غادر قبل إكمال الدرجة العلمية، ليعمل في قطاع التكنولوجيا خلال مرحلة توسع وادي السيليكون في تسعينيات القرن العشرين.
وفي مطلع الألفية الجديدة، بدأ يارفين العمل على مشروع "أوربت" الذي استهدف إنشاء بيئة حوسبة لا مركزية يستطيع المستخدمون فيها التحكم في هوياتهم الرقمية وبياناتهم، بدلا من الاعتماد الكامل على المنصات المركزية الكبرى. ثم في عام 2013، شارك في تأسيس شركة "تلون" المرتبطة بمشروع أوربت نفسه.
لكن شهرة يارفين التي تنامت في العقد الثاني من الألفية لم تأتِ من عالم التكنولوجيا، وإنما من عالم السياسة. ففي أبريل/نيسان 2007، بدأ يارفين نشر مدونة بعنوان "تحفظات منفلتة" (Unqualified Reservations)، مستخدما الاسم المستعار "مينسيوس مولدباج". مينسيوس هو اسم أحد حكماء الكونفوشيوسية في الصين، ويعرف عنه تأكيده على الطبيعة الخيرة للإنسان واستعداده للاستجابة للحكم الرشيد. أما مولدباج فهو اسم من مقطعين يعني الثاني منهما عطبا في برمجة نظام رقمي، ويعني الشق الأول عفنا. يوحي الاسم بالنزعة المتمردة في فكر يارفين، حيث يرى نفسه أقرب إلى فيروس يصيب النظام القائم ويفككه.
مصدر الصورة
تطورت المدونة إلى متن واسع من الكتابات التي تتحدى القيم السياسية للحياة السياسية الأمريكية كالديمقراطية والمساواة السياسية والحكم الجمهوري. لاحقا، أطلق يارفين نشرة تحمل اسمه الحقيقي بعنوان "المرآة الرمادية" (Gray Mirror)، وهو اسم مأخوذ من تقليد سياسي عرفته إيطاليا في عصر النهضة، حيث كان المؤلّفون السياسيون يكتبون نصوصا في نصيحة الأمراء على غرار كتاب "الأمير" لنيقولا مكيافيللي، تسمى مرايا الأمراء، فيما يشبه أدبيات الأحكام السلطانية في التراث الإسلامي.
يَعتبر يارفين مدونته نصيحة موجهة إلى ما يسميه "الأمير العدمي" الذي يمتلك الجرأة على النظر إلى النظام السياسي بواقعية وفرض سلطته المطلقة عليه. ولذلك أصبحت أفكار يارفين معروفة بوصف "الرجعية الجديدة"، حيث يشير مصطلح الرجعية في سياقه الأوروبي المبكر إلى التيار الذي دعا إلى العودة إلى الملكية في عصر الثورات الجمهورية التي بدأت بالثورتين الأمريكية والفرنسية. كما تعرف أفكار يارفين أحيانا بوصف "التنوير المظلم"، وهو اسم أطلقه الفيلسوف البريطاني نيك لاند على سلسلة مقالات له استند فيها على نحو واسع إلى أطروحات يارفين. ويشترك المفكران في معارضة الديمقراطية والمساواة في الحقوق السياسية بين أفراد المجتمع.
مصدر الصورة
مليارديرات وساسة
كان الملياردير الأمريكي الذي عايش نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بيتر ثيل قد أطلق بالفعل نقده الذاتي للسياسة الديمقراطية منذ عام 2009، وذلك ضمن أصداء فوز باراك أوباما المثير بالانتخابات الرئاسية الأمريكية كأول أسود يتولى حكم الولايات المتحدة. كتب ثيل إنه لم يعد يؤمن بإمكانية التوفيق بين الحرية والديمقراطية، فالديمقراطية تعني أن الجمهور قد يصوت لنظام سياسي يهدد الحرية، ولذلك يجب حماية الحرية من الجمهور الغوغائي (ربما كان بيتر ثيل يعني حماية النخبة البيضاء من جمهور قد يصوت لرئيس أسود رغم أن هذا الرابط لا يمكن تأكيده).
رد يارفين على المقال باستحسان، ثم نشأت بين الرجلين علاقة شخصية، وانتظمت بينهما لاحقا مراسلات ونقاشات مستمرة بشأن السياسة والتكنولوجيا والشؤون العامة. كما استثمرت شركة ثيل في مشروع يارفين التكنولوجي. وبجانب ثيل، تطورت علاقة يارفين بملياردير آخر مثير للجدل هو مارك أندريسن الذي أصبح مستثمرا رئيسيا في شركة يارفين، "تلون"، وكان أندريسن يشجع المحيطين به على قراءة كتابات يارفين.
"العلاقة الأشد حساسية سياسيا جمعت بين المبرمج غريب الأطوار ونائب الرئيس الأمريكي الحالي جيه دي فانس"
أما العلاقة الأشد حساسية سياسيا، فقد جمعت بين المبرمج غريب الأطوار ونائب الرئيس الأمريكي الحالي جيه دي فانس. التقى يارفين بفانس عن طريق ثيل عام 2015. وفي ظهوره في أحد البرامج الصوتية عام 2021، استشهد فانس صراحة بيارفين أثناء مناقشة إمكانية إقدام إدارة جمهورية مستقبلية على فصل أعداد كبيرة من موظفي الخدمة المدنية الفيدرالية واستبدالهم بـ"أناس من جانبنا"، حتى لو أثار ذلك معارضة قضائية. وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ضوء إجراءات إدارة ترامب لتقليص الحماية الوظيفية لآلاف الموظفين الاتحاديين.
مصدر الصورة
كما أقام يارفين علاقات مع شخصيات من بينها مايكل أنطون الذي أصبح مديرا لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية خلال ولاية ترمب الثانية. وفي يناير/كانون الثاني 2025، حضر يارفين احتفالا بتنصيب الرئيس في واشنطن، وعكس حضوره اندماجه في بعض الأوساط السياسية والمالية المحيطة بالإدارة. وكان يارفين قد اقترح سابقا أن يعيّن ترمب الملياردير الأمريكي إيلون ماسك ضمن إدارته. وعندما ارتبط ماسك لاحقا بجهود إعادة هيكلة الحكومة، من خلال ما أسمته إدارة ترمب "وزارة الكفاءة الحكومية" (DOGE)، لاحظ صحفيون وجود أوجه تشابه بين أهدافها ومقترحات يارفين السابقة بفصل الموظفين الحكوميين.
لكن يارفين صرح لصحيفة "واشنطن بوست" في مايو/أيار 2025 بأنه لم يلتقِ ماسك قط. وذكرت الصحيفة أن مستشارين في مبادرة "دوج" (DOGE) اعتبروا أعمال يارفين مصدر إلهام لهم. ومع ذلك، يرى يارفين أن ترمب ما يزال يتصرف كرئيس جمهوري، وليس كعاهل يفرض سلطته المطلقة، وهو النموذج الذي يدعو إليه يارفين.
تعرية السلطة
يمثل مفهوم "الشكلانية" أساس فلسفة يارفين السياسية، وتنطلق هذه الفلسفة من التمييز بين السلطة القانونية والسلطة الفعلية. فقانونيا، يحمل الشعب والبرلمان والرئيس المنتخب السلطة السيادية في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، ولكن القرارات الفعلية تخضع في الواقع إلى تحكم أطراف أخرى غير مرئية، مثل الأجهزة البيروقراطية التي تشتهر عربيا باسم "الدولة العميقة"، وأصحاب النفوذ المالي، ونخبة الجامعات ومؤسسات الإعلام التي تحدد ثقافة المجتمع وتتحكم في أفكاره الفعلية عما هو مقبول وما هو مرفوض.
يتسبب هذا التباين في زعزعة الاستقرار السياسي بسبب الاختلاف بين أصحاب السلطة الاسمية وأصحاب السلطة الفعلية. لكن بينما يدعو الديمقراطيون إلى تحرير السلطة ممن يتلاعبون بها وردها إلى الشعب، يتمثل الحل في منظور يارفين في جعل ملكية السلطة السياسية واضحة وخاضعة لمن يتحكمون فيها، أي شرعنة الأمر الواقع.
"يصف يارفين الولايات المتحدة بأنها شركة عملاقة تعاني سوء تنظيم أصولها وخللا في سلطة اتخاذ القرار فيها"
في كتابه "مانفستو الشكلانية"، يصف يارفين الولايات المتحدة بأنها شركة عملاقة تعاني سوء تنظيم أصولها وخللا في سلطة اتخاذ القرار فيها. وبدلا من التعامل مع الدولة باعتبارها تجسيدا لمُثل جماعية، يقترح تحديد من يمتلكها، وإقامة نظام للسيطرة يتوافق مع هذه الملكية، وهكذا يدعو يارفين ببساطة إلى إلغاء الفصل بين السيادة العامة والملكية الخاصة، أو إلغاء الفصل بين الحقوق السياسية والثروة، فإذا كنت غنيا فأنت تتمتع بحق سياسي أوسع في صناعة القرار السياسي.
ولا يبرر يارفين ذلك بمبررات دينية أو اجتماعية، وإنما لأنه يرى ببساطة أن الدولة هي شركة كبيرة، وأن من له حق صناعة القرار في الشركة هو من يملكها بحسب حصته من الملكية، لا أي شيء آخر. وبذلك تصبح الشركة هي النموذج المرجعي للدولة والحياة السياسية، لأن تنظيمها القانوني يحدد بوضوح المساهمين وأعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين والموظفين.
مصدر الصورة
يكشف مفهوم الشكلانية زيف الديمقراطية المعاصرة في رأي يارفين، فهو يرى أن الناخبين ليسوا هم من يحكمون الديمقراطيات المعاصرة حقيقة. في الواقع، تغير الانتخابات القيادة السياسية الظاهرة بصورة دورية، لكن النظام المؤسسي الأوسع يبقى قائما ويتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن الإرادة السياسية للناخبين أو توجهات الإدارة المنتخبة. ويسمح هذا الترتيب المؤسسي بتبديد المسؤولية السياسية وتوزيعها بين أطراف متعددة. فعندما تفشل سياسة عامة، يلقي المسؤولون المنتخبون اللوم على البيروقراطيين، ويلوم البيروقراطيون السياسيين، ويشكو الخبراء من الروتين البيروقراطي، بينما تحتج المؤسسات بالقيود القانونية.
وفي كتابه "رسالة مفتوحة إلى التقدميين منفتحي الذهن"، يقول يارفين إن التنافس السياسي المعاصر يخفي حقيقة استمرار طبقة حاكمة مؤسسية في التحكم في الدولة، وهي فكرة يستلهم فيها يارفين نظرية "الثورة الإدارية" لدى المنظر الأمريكي المحافظ جيمس بيرنهام، ومن قبله مفكري نظرية النخبة الإيطاليين جايتانو موسكا وفيلفريدو باريتو. رغم الاختلافات الكبيرة بين هؤلاء المفكرين، فقد درسوا جميعا الكيفية التي تمارس بها أقليات منظمة السلطة داخل المجتمعات الجماهيرية المعقدة، وهي الفكرة التي يخلص منها يارفين إلى ضرورة التخلص من الديمقراطية الليبرالية بوصفها نظاما سياسيا غير فعال.
"تغير الانتخابات القيادة السياسية الظاهرة بصورة دورية، لكن النظام المؤسسي الأوسع يبقى قائما ويتمتع بقدر كبير من الاستقلالية عن الإرادة السياسية للناخبين"
ومن المهم هنا أن نميز بين الوصف التحليلي للواقع والخلاصة المعيارية التي يخلص إليها الموقف السياسي. يتفق كثيرون على وجود اختلالات فعلية قائمة في الديمقراطية الليبرالية، ولكن بينما يعني ذلك من منظور ديمقراطي ضرورة العمل على تجذير الديمقراطية وحمايتها وتطويرها، ينطلق الفكر السلطوي من ذلك إلى القضاء المبرم على الديمقراطية والدعوة إلى أنظمة حكم سلطوية.
في كتابه "رسالة مفتوحة إلى التقدميين منفتحي الذهن" يقول يارفين إن التنافس السياسي المعاصر يخفي حقيقة استمرار طبقة حاكمة مؤسسية في التحكم بالدولة (الجزيرة)الكاتدرائية أو السلطة الفكرية
يستخدم يارفين مصطلح "الكاتدرائية" للإشارة إلى الجامعات والصحافة والمؤسسات الفكرية التي تشكل المعرفة العامة والرأي العام السياسي. وفي مقاله "شرح موجز للكاتدرائية"، يقول يارفين إن هذه المؤسسات، رغم أنها لا تخضع إلى قيادة مركزية، غالبا ما تتقارب حول معتقدات متشابهة بشأن السياسة والتاريخ والأخلاق والسياسات العامة. ويسمح هذا التقارب، بحسب تصوره، بممارسة نوع من السلطة السياسية الخفية.
تنتج الجامعات المعرفة وتدرب النخب المهنية، ويحدد الصحفيون الأحداث التي تحظى بالاهتمام والطريقة التي تُفسَّر بها، وتحول المراكز البحثية الافتراضات الفكرية إلى توصيات. ثم تدمج المؤسسات الحكومية هذه التوصيات في ممارساتها الإدارية. وهكذا تصبح الكاتدرائية بمثابة البنية التحتية الفكرية لنظام حكم أوسع. ولا تعكس سلطة الكاتدرائية في هذا التصور الخيارات الانتخابية للجمهور، بل تنبع من قدرتها على تحديد المعتقدات المقبولة والأولويات والمواقف الفكرية محل الاحترام، وتلك التي ينبغي رفضها ونبذها وتهميشها.
يشبه هذا الوضع الدور التاريخي للكنيسة. فقد امتلكت المجتمعات الأوروبية في العصور الوسطى مؤسسات دينية أسهمت في تحديد المعرفة الموثوقة والشرعية الأخلاقية. ويرى يارفين أن المجتمعات الحديثة استبدلت بهذه المؤسسات منظمات علمانية تؤدي وظائف مشابهة، وعلى رأسها الجامعات. كما يرى أن ظهور الكاتدرائية الحديثة في أمريكا يضرب بجذوره في التكوين الديني للولايات المتحدة. فقد تطورت التقدمية الأمريكية الحديثة في منظوره عبر علمنة التقاليد الدينية البروتستانتية، ولا سيما تلك المرتبطة بمذهب الطهرانيين الإنجليز في منطقة نيو إنجلاند (شمال شرق الولايات المتحدة). فقد دعت الطهرانية البروتستانتية إلى المساواة الصارمة بين المتدينين، والارتقاء الأخلاقي بالبشر، وقد جرت علمنة تلك الأفكار بحسب يارفين لتنتج أفكارا مثل المساواة السياسية بين المواطنين والسعي إلى التقدم التاريخي والتحرر من السلطة.
لوحة تصور الآباء الحجاج (الطهرانيون) في طريقهم إلى الكنيسة عام 1620، إبان استقرارهم وتأسيسهم أول مستعمرة دائمة في نيو إنجلاند (غيتي)تعد أفكار يارفين في هذا الصدد استئنافا لتقليد أمريكي ممتد من رفض الثقافة العليا والمعرفة الأكاديمية باعتبارها حقولا اجتماعية منفصلة عن الحياة العملية. وقد تتبع المؤرخ الأمريكي ريتشارد هوفستاتر جذور هذه النزعة المعادية للثقافة في الولايات المتحدة، فيرى أن التدين الإنجيلي قد غرس بذورها برفضه للمعرفة الدينية المختصة، ودعوته إلى العودة المباشرة لنصوص الإنجيل، بجانب ثقافة العمل الأمريكية التي تقدس النجاح العملي والأرباح المالية وتفضلهما على التعقيدات النظرية، والشعبوية التي ترفض فكرة وجود نخبة ثقافية لديها معرفة مختصة تؤهلها للقيادة أو التوجيه.
ويبدو هذا العداء للثقافة والمعرفة الأكاديمية بوصفها "ليبرالية" أو حتى "يسارية" بطبيعتها واضحا في ممارسات إدارة ترمب تجاه الجامعات. فقد جمدت الإدارة أو ألغت تماما تمويلات بمليارات الدولارات لصالح الجامعات، خاصة جامعتي هارفارد وكولومبيا، وذلك بحجة أن تلك الجامعات لم تحمِ الطلاب اليهود من الاحتجاجات الطلابية ضد الإبادة الجماعية في غزة التي صورها اليمين الأمريكي كاحتجاجات معادية للسامية. كما عملت الإدارة الأمريكية على إلغاء المنح المرتبطة ببرامج التنوع والمساواة والاحتواء (DEI) التي توجه للطلاب من الأقليات والجماعات المهمشة.
مشاركون في مسيرة في نيويورك احتجاجًا على حجب التمويل الحكومي للتأثير في إدارة الجامعات، أبريل/نيسان 2025 (الأوروبية)السلطوية الرأسمالية
إذا كانت الديمقراطية تشتت السلطة، وكانت الكاتدرائية توفر لها اتجاهها الفكري، فما الذي ينبغي أن يحل محلهما؟ هنا يعود يارفين إلى الفكر القانوني المحافظ كما نراه عند المفكر الألماني كارل شميت، حيث يؤكد مركزية القرار السيادي، أي وجود حاكم فرد يمثل المرجعية السياسية النهائية للدولة.
ويعود يارفين صراحة إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز ليؤكد أن استقرار النظام السياسي يتطلب وجود سلطة قادرة على حسم النزاعات السياسية. هذه السلطة يجب أن تكون شخصية وموحدة، أي لا يمكن أن تكون برلمانية أو جماعية كما في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، ذلك أن صاحب السيادة المنقسم على نفسه لا يستطيع حسم القرارات النهائية.
ولهذا يقترح يارفين تركيز السلطة الحكومية في يد مسؤول تنفيذي واحد، ولكن ليس من الضروري أن يكون هذا المسؤول ملكا تقليديا، فيارفين ليس مجرد داعية للانتقال من الجمهورية إلى الملكية، وإنما هو بالأحرى داعية إلى تحويل الدولة برمتها وبكل صورها إلى شركة. يمارس صاحب السيادة السلطة التنفيذية كرئيس لمجلس إدارة الدولة الشركة، مع بقائه خاضعا للمساءلة، ولكن ليس أمام البرلمان، وإنما أمام مجلس الإدارة والجمعية العامة التي تمثل مساهمين لا مواطنين، لدى كل منهم من الأصوات ما يوازي حجم أسهمه في الدولة، أي حجم ثروته.
"يصف يارفين نظامه المفضل بأنه تطوير للنظام الملكي، تتحول فيه الحكومة إلى شركة مساهمة قادرة على اختيار مديريها التنفيذيين"
وفي مقال "لماذا لست ليبرتاريا؟"، يصف يارفين نظامه المفضل بأنه تطوير للنظام الملكي، تتحول فيه الحكومة إلى شركة مساهمة قادرة على اختيار مديريها التنفيذيين. ويمثل هذا خروجا عن الليبرتارية التقليدية، أو بالأحرى، ليبرتارية منزوعة منها العناصر التحررية فيها.
تطورت الليبرتارية الأمريكية خلال الستينيات كتيار يخشى من تضخم سلطة الدولة من خلال تدخلها الاقتصادي بحجة تحقيق العدالة الاجتماعية. ولذلك رفضت الليبرتارية السياسات الاجتماعية، ولكنها رفضت أيضا أي شكل من أشكال السلطة المطلقة. أما يارفين فهو يرفض السياسات الاجتماعية، لكنه يدعو إلى سلطة مطلقة لصالح أصحاب رأس المال.
يارفين يدعو إلى تحويل الدولة إلى شركة، يتولى فيها الحاكم دور رئيس مجلس الإدارة الخاضع للمساءلة أمام المساهمين (غيتي)فيارفين يخشى من أن الدولة الضعيفة أو المجزأة قد تعجز عن إنفاذ حقوق الملكية الخاصة والحفاظ على النظام العام، وهكذا يجمع بين الاهتمام بالحرية الاقتصادية والسلطوية السياسية. ويتمثل النموذج المثالي الناتج عن ذلك في حكومة قوية بما يكفي لفرض النظام، لكنها في الوقت نفسه متوافقة مع مصالح مالكيها بالقدر الذي يدفعها إلى تجنب التدخل غير الضروري في الحياة الاقتصادية. فتكون سلطة الحكومة مطلقة داخل نطاق اختصاصها، بينما تكون مواتية للنشاط التجاري.
ويسمي يارفين هذا النموذج التنظيمي "الكاميرالية الجديدة"، والكاميرالية هي تقليد سياسي ألماني ظهر في مملكة بروسيا خلال القرن الثامن عشر يرى أن الإدارة السياسية الجيدة هي الإدارة التي تركز على مالية الدولة وتنظيم الموارد الحكومية. ويعيد يارفين توظيف المصطلح لوصف دولة ذات سيادة تُدار باعتبارها شركة، ويختار مساهموها أعضاء مجلس الإدارة أو المسؤول التنفيذي. ويتولى المسؤول التنفيذي السيطرة على الإدارة. ويتلقى السكان الخدمات، لكن إقامتهم داخل البلد الشركة لا تمنحهم في حد ذاتها سلطة سياسية.
وفي هذا التصور لا تختفي الديمقراطية فقط، بل تختفي الدولة السيادية برمتها. فالدول لا تعبر عن أمم أو مجتمعات تاريخية، بل هي مجموعة شركات تتنافس فيما بينها. والحكومة التي تحافظ على حقوق الملكية الخاصة، والبنية التحتية الفعالة، وانخفاض الجريمة، والإدارة القابلة للتنبؤ، تجتذب السكان المساهمين. فإذا تحققت تلك الشروط، زادت القيمة الاقتصادية للإقليم، وبالتالي قيمة الشركة السيادية.
"في هذا التصور لا تختفي الديمقراطية فقط، بل تختفي الدولة السيادية برمتها"
وفي الواقع، فإن تصور يارفين السياسي للدولة الشركة يقود إلى نهايات ديستوبية من النوع الذي نراه في الأعمال النقدية ضد الرأسمالية كدراما "لعبة الحبار" الكورية، وفيلم "المنصة" الإسباني. فالدولة الشركة لا تهتم برعاية الفقير أو حماية الضعيف، وليس لديها مفهوم المصلحة العامة، بل هي تخدم حقوق من يملكون الثروة، بينما تنظر إلى المواطنين كزبائن يجب أن يدفعوا مقابل خدمتهم، فإذا لم يعودوا قادرين على الدفع، تحولوا إلى عبيد لإنتاج الثروة مجردين من الحقوق، فإذا توقفوا عن أن يكونوا مفيدين للشركة حتى كعبيد بعد أن يكبروا في السن أو يكونوا أطفالا بلا معيلين أو ذوي احتياجات خاصة، يكون مصيرهم النبذ والإقصاء.
تصور يارفين السياسي للدولة الشركة يقود إلى نهايات ديستوبية من النوع الذي نراه في الأعمال النقدية ضد الرأسمالية (ذا إنترفيو- يوتيوب)نظام اللامفر
وتظهر الرؤية الأكثر تفصيلا لدى يارفين بشأن التنظيم السياسي الدولي في عمله "باتشورك: نظام سياسي للقرن الحادي والعشرين". فعوضا عن عالم مقسم أساسا إلى دول قومية كبيرة، يتخيل عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من الولايات القضائية الصغيرة ذات السيادة، وتتولى شركة خاصة تشغيل كل واحدة منها. ويختار السكان الإقليم الذي يريدون العيش فيه وفقا لتفضيلاتهم وفرصهم الاقتصادية والشروط التي تقدمها الحكومات المختلفة.
المبدأ المنظم هنا هو المنافسة، فإذا أصبحت حكومة ما غير فعالة أو غير جذابة لأي سبب آخر، يستطيع السكان مغادرتها إلى إقليم آخر. وقد تشهد الشركة السيادية التي تفقد باستمرار سكانها المنتجين وشركاتها تراجعا في إيراداتها وقيمة أصولها. وبهذه الطريقة، يسعى يارفين إلى استبدال التنافس الانتخابي داخل الدول بالتنافس الاقتصادي بين الدول.
ويلخص نموذجه من خلال التمييز بين "التخارج" و"التصويت". فالتصويت يعني حق الإنسان في التأثير على الحكومة التي يعيش هذا الإنسان تحت سلطتها. أما التخارج، وهو مصطلح قادم من عالم الأعمال حيث يمكن للمستثمر أن يسحب استثماراته من الشركة ويبيع حصته فيها، فيعني سياسيا عند يارفين حق صاحب الثروة في مغادرة تلك الحكومة واختيار حكومة أخرى، أو بالأحرى: شركة سيادية أخرى.
ويتعامل يارفين مع الهجرة بين الولايات القضائية باعتبارها بديلا عن المشاركة الديمقراطية داخل الولاية القضائية الواحدة. لكن إذا كان المبدأ واحدا لدى كل تلك الولايات، وهو خدمة أصحاب الثروة، فما الفارق؟ وما الذي يضمن الحق في الخروج أصلا في عالم تكتسب فيه الشركات صفة سيادية؟
"يسعى يارفين إلى استبدال التنافس الانتخابي داخل الدول بالتنافس الاقتصادي بين الدول"
يتخيل يارفين إبرام السكان عقودا مع حكوماتهم، قد تتضمن ضمانات تتعلق بالملكية والهجرة. غير أن السؤال الذي لا يجيب عليه يارفين القادم من عالم الشركات، والمفتقر غالبا إلى التأهيل الكافي في النظرية السياسية والأخلاقية، هو ما هي الجهة المحايدة القادرة الموثوقة التي يمكن أن تفرض إنفاذ هذه الترتيبات التعاقدية بين الفرد والشركة عندما تتحول الشركة إلى دولة؟ كيف يمكن أن توجد سلطة قضائية محايدة وموثوقة ونافذة؟
ويقر يارفين بأن بعض السكان قد يصبحون غير جذابين اقتصاديا للولايات القضائية التي يمكن أن تستقبلهم، والحل في نظره هو إيجاد أنظمة للإشراف الإجباري أو العمل الإلزامي، أو باختصار: تقنين العبودية. وهكذا لا يمكن فصل مقترحات يارفين المؤسسية عن رفضه للمساواة في الحقوق السياسية. فالمساواة في كتاباته هي مجرد نتيجة سياسية غير مرغوبة نتجت عن تفكك الإقطاع، ولكن لا يجب الاحتفاظ بها لأنها تناقض الكفاءة.
وقد شكك يارفين حتى في فكرة المساواة بين الأعراق، ورأى أن التفاوتات العرقية في الذكاء أو القوة الجسدية (وربما الميول السلوكية والأخلاقية في نظره) تبرر ترتيبات من العمل القسري أو التبعية العرقية بين عرق مختار وأعراق دنيئة. لكن يارفين في كتابات أخرى يرفض صراحة القومية البيضاء، وينفي أنه يدعو إلى العبودية. لكن مجرد إنكار النتيجة لا ينفي لزومها للمقدمات التي يطرحها يارفين.
الرؤية الأكثر تفصيلا لدى يارفين بشأن التنظيم السياسي الدولي تظهر في كتابه"باتشورك: نظام سياسي للقرن الحادي والعشرين" (الجزيرة)تفكيك الدولة
لا يعتقد يارفين أن نظامه المقترح يمكن أن ينشأ بمجرد الإصلاح الإداري التدريجي. ولذلك تناولت كتاباته اللاحقة مسألة الكيفية التي يمكن بها استبدال حكومة قائمة. وفي كتابه "رسالة مفتوحة إلى التقدميين منفتحي الذهن"، يطرح فكرة "إعادة الضبط" السياسي، أي تحويل نظام الحكم نفسه، لا مجرد تغيير القيادة المنتخبة. ويتمثل الهدف في تفكيك المؤسسات التي يعيد النظام السابق إنتاج نفسه من خلالها، وإقامة بنى جديدة تحت سلطة موحدة.
وأصبح أحد مقترحات يارفين الشهيرة هو إحالة جميع موظفي الحكومة إلى التقاعد، أو الشعار الذي يستخدمه بالإنجليزية (Retire All Government Employees)، وتختصر تلك العبارة عبر الأحرف الأولى في كلماتها إلى الغضب (RAGE). وتقوم الفكرة على إبعاد جهاز الخدمة المدنية القائم لصالح إدارة بديلة. ويعكس المقترح اعتقاد يارفين بأن البيروقراطيات الدائمة تمتلك مصالح سياسية وولاءات مؤسسية قد تحول دون قدرة المسؤولين المنتخبين على تغيير الحكومة تغييرا جذريا.
وفي مقال نشره في ديسمبر/كانون الأول 2021 بعنوان "إحالة الجامعة إلى التقاعد"، ذهب أبعد من ذلك، إذ رسم عملية يمكن من خلالها حل الجامعات المعتمدة وقيام مؤسسات أخرى بوظائفها. فهو ينظر إلى الجامعات باعتبارها هياكل أساسية لإعادة إنتاج النظام السياسي القائم، لا مجرد مؤسسات تقدم التعليم.
وينظم يارفين هذه الأفكار في سيناريو سياسي أكثر تحديدا في مقال نشره في أبريل/نيسان 2022 بعنوان "ثورة الفراشة". كُتب المقال خلال الفترة الفاصلة بين ولايتي ترمب الرئاسيتين، وقام على تخيّل حركة معارضة تبني حكومة بديلة قبل عودتها إلى السلطة، وكأنها "نظام في المنفى". وقبل الانتخابات، يفترض أن تجند الحركة كوادرها، وتضع خططها الإدارية، وتنسق بين مكاتبها السياسية، وتعد بنية حكم بديلة. ثم يوفر الانتصار الانتخابي الفرصة لاستبدال النظام المؤسسي القائم.
ويمكن بوضوح رؤية أن خطة يارفين قد تجسدت في صفوف الشبكة التنظيمية الهلامية الملتفة حول شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماجا). أما ستيف بانون الذي شغل منصب كبير إستراتيجيي البيت الأبيض في بداية ولاية ترمب الأولى، فإنه يتبنى ذلك التصور بوضوح، وقد سبق أن شبه نفسه بلينين قائلا إن كليهما أراد تفكيك آلة الدولة. وقد رصد عديد من الكتاب تبني شبكة ماجا تلك الإستراتيجية، وعلى رأس هؤلاء الكتاب الصحفي الحائز على جائزة بولتيزر إيزاك أرنسدورف في كتابه الصادر مؤخرا "لننهِ ما بدأناه: حرب ماجا القاعدية لإنهاء الديمقراطية".
يتخيل يارفين أن يؤدي ترمب دور رئيس مجلس الإدارة، بينما يعيّن مسؤولا تنفيذيا يتولى إدارة الحكومة بصفته رئيسها التنفيذي. ويمارس هذا المسؤول السلطة على الجهاز الإداري للدولة، مستبدلا الوكالات والمؤسسات التي يعتبرها يارفين مكونات للنظام السابق. واقترح المقال أيضا أن يعمل المسؤول التنفيذي الجديد دون تدخل من الكونغرس أو المحاكم، ولكن الخطة تبدو من منظور شعبوي بوصفها ممارسة للسيادة الشعبية أتاحها الانتصار الانتخابي، أي أنها انقلاب ديمقراطي على الديمقراطية.
يارفين يتخيل أن يؤدي ترمب (الخامس يمين) دور رئيس مجلس الإدارة، بينما يعين مسؤولا تنفيذيا يتولى إدارة الحكومة بصفته الرئيس التنفيذي (أسوشيتد برس)اقتصاد يارفين
يصف يارفين فكره الاقتصادي بأنه "نمساوي ميركنتالي"، أي إنه يجمع بين أفكار المدرسة النمساوية التي ترفض التوسع في طباعة النقد وتدخل البنوك المركزية في تغيير أسعارها من خلال التلاعب بأسعار الفائدة والصرف، وبين المدرسة الميركنتالية التي تؤكد مركزية التجارة وضرورة أن تسعى الدولة لزيادة صادراتها وخفض وارداتها. ولذلك يدعم يارفين سياسات ترمب الجمركية.
عندما تزيد الدولة كمية النقود المطروحة في السوق، تنخفض قيمة ما يملكه أصحاب النقود الحالية نسبيا، ولذلك يميل يارفين إلى ما يسميه "النقود الصلبة"، أي النقود أو الأصول التي يصعب زيادة معروضها مثل الذهب والبيتكوين. لكنه لا يدعو إلى وقف خلق النقود فجأة، لأنه يرى أن النظام المالي الحديث يعتمد بدرجة كبيرة على الائتمان والديون، وأن تجميد المعروض النقدي قد يؤدي إلى انهيار مالي واسع.
ويرى يارفين أن الدولار لا يمكن توصيفه باعتباره دينا على الحكومة الأمريكية لأنه لا يمكن استبداله بأصل آخر مثل الذهب. ولذلك يشبهه يارفين بسهم في "شركة الولايات المتحدة". وإذا أصدرت الحكومة المزيد من الدولارات، فهي في هذا التصور تصدر أسهما جديدة ما يؤثر على حصص المساهمين القائمين. فيارفين يريد اعتبار النقود سندات أو أسهم ملكية في الدولة الشركة، وبالتالي تقييد التوسع في إصدار نقود جديدة ما لم يقابلها أصول جديدة تملكها أو تنتجها الدولة الشركة، بما يحمي قيمة ثروات الأثرياء الذين هم كبار المساهمين في الدولة.
"يميل يارفين إلى ما يسميه النقود الصلبة، أي النقود أو الأصول التي يصعب زيادة معروضها مثل الذهب والبيتكوين"
ولكن ماذا يعني ذلك سياسيا اليوم في الولايات المتحدة؟ إن يارفين يريد أن يختفي الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الذي يقرر سعر الفائدة، وأن يحرر سعر الفائدة في السوق، وأن تقوم وزارة الخزانة الأمريكية بطباعة سندات الخزانة أو الدولارات الجديدة بحسب نمو الاقتصاد الأمريكي. ولذلك تلتقي أفكار يارفين مع أفكار إدارة ترمب التي تريد السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ومنعه من رفع سعر الفائدة بما يحافظ على نمو أسعار الأسهم في البورصة ويخدم مصالح كبار المستثمرين فيها، ويخلق نموا اقتصاديا ظاهريا يستخدمه ترمب في دعايته السياسية.
لذلك لا ينبغي وصف أفكار يارفين بأنها نيوليبرالية. فالنيوليبرالية خاصة في صيغة النظرية النقدية لميلتون فريدمان ومدرسة شيكاغو تدعو إلى خفض التضخم من خلال خفض إنفاق الدولة ورفع أسعار الفائدة لسحب النقود من السوق. وفي الوقت نفسه يرفض يارفين الكينزية التي لا ترى بأسا بالتضخم المحدود، لأن زيادة إنفاق الدولة يحفز الطلب العام على السلع والخدمات، وبالتالي ينشط الاقتصاد، لأن هذا يخفض قيمة النقود التي لدى أصحاب الثروة في رأيه.
ترمب (يسار) ورئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول في مقر الاحتياطي الفيدرالي بواشنطن 2025 (رويترز)يارفين اليوم
أصبحت أفكار يارفين اليوم موضوعا للنقاش في الصحف الكبرى والكتابات الأكاديمية. وفي فبراير/شباط 2026، شارك في ندوة بألمانيا لنقاش مستقبل الديمقراطية الليبرالية، وأثار الحدث لاحقا خلافا حول ما إذا كانت استضافة يارفين في مثل هذه المحافل تشجع على إخضاع أفكاره للفحص النقدي، أم تمنح مشروعه السياسي شرعية إضافية.
يرتبط هذا النفوذ الذي حازته أفكار يارفين بتوسع الدور السياسي لمستثمري التكنولوجيا. فشخصيات مثل ثيل وأندريسن تحتل مواقع تربط بين الموارد المالية الضخمة والابتكار التكنولوجي والتمويل السياسي والعلاقات الشخصية بالمسؤولين الحكوميين. ومن ثم، فإن اهتمامهم بمسائل التصميم المؤسسي ليس محصورا في نطاق الفلسفة المجردة.
كما أن أفكار يارفين تنبثق من لحظة تاريخية يضمحل فيها الوئام التاريخي بين الرأسمالية والديمقراطية. فخلال العصر الحديث عموما، وفي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص، كثيرا ما قُدّم اقتصاد السوق الحر باعتباره عنصرا متكاملا مع الديمقراطية التمثيلية في مشروع اجتماعي مشترك.
"أفكار يارفين تنبثق من لحظة تاريخية يضمحل فيها الوئام التاريخي بين الرأسمالية والديمقراطية"
لكن هذا يتعرض للتهديد اليوم كما جرى في ثلاثينيات القرن العشرين إبان صعود الحركات النازية والفاشية على خلفية أزمة الكساد العظيم. فالضربات المتتالية التي أصابت الاقتصاد العالمي منذ عام 2008، مثل أزمة جائحة كوفيد-19 والأزمة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية وحرب إيران مؤخرا واحتدام الصراع بين الصين والولايات المتحدة، كل ذلك أفرز حركات يمينية ترى أن إنقاذ المصالح الرأسمالية والهوية الغربية رهين بإنهاء الالتزام الديمقراطي التاريخي الذي حافظت عليه أغلب المجتمعات الغربية على مدى عقود طويلة.
أفكار يارفين تنبثق في لحظة تاريخية يضمحل فيها الوئام التاريخي بين الرأسمالية والديمقراطية (غيتي)كما أصبحت الدولة القومية الحديثة بصفتها السيادية نفسها موضع تشكك واسع مع تكاثر الأزمات والحروب، واحتدام الخلاف حول الأثر الإيجابي أو السلبي لحضور الدولة في النشاط الاقتصادي.
ولا يعني نفوذ يارفين أن السياسة الأمريكية المعاصرة هي مجرد تجسد لمخططاته السياسية، ولا ينبغي تحويل يارفين إلى فزاعة. ولكن القيمة الأساسية لأفكار يارفين هي في تقديمها الراديكالية اليمينية الجديدة بأفكارها العنصرية حول حماية الحضارة الغربية والعرق الأبيض، وأفكارها الرأسمالية الجذرية ضد الديمقراطية والدولة، في صورة نسقية منظمة.
لقد دخل غريغوري راسبوتين إلى بلاط آل رومانوف لأنهم اعتقدوا أنه يمتلك قدرة خاصة تساعدهم على مواجهة مشكلة عجزت مؤسساتهم الراسخة عن حلها. وقد دخل كيرتس يارفين الدوائر الفكرية في وادي السيليكون وحتى في واشنطن عبر نظرية سياسية تخاطب مباشرة هاجسا يشترك فيه مستثمرو التكنولوجيا وشخصيات سياسية من خارج التيار الرئيسي، وهو قدرة البنية التنظيمية للحكومة الدستورية على التعامل مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم.
وهكذا تخلق فترات الصراع المؤسسي فرصا لشخصيات غير تقليدية تدعي أن المؤسسات الراسخة تسيء فهم طبيعة السلطة. فيارفين يتخيل نظاما سياسيا يمكن فيه الجمع بين الحداثة التكنولوجية والحكم السلطوي، وتتجذر فيه الرأسمالية ومنطق الكفاءة الربحية على حساب الديمقراطية والحقوق القانونية للأفراد.