طهران– في زاوية مزدحمة من الصيدلية بشارع "باهنر" الشهير شمالي العاصمة الإيرانية طهران، تضع فرشته (67 عاما) الوصفة على منضدة الصيدلاني وتتمنى العثور على العلاج الذي طالما بحثت عنه في عشرات الصيدليات الأخری لزوجها المصاب بمرض السرطان لكن بلا جدوى، فتقول إنها كانت تشكو ارتفاع أسعار العلاج خلال الأشهر الماضية، "أما اليوم فلم أجده أصلا، فأضطر لشرائه بأسعار نجومية من السوق السوداء".

وفي حديثها للجزيرة نت، تضيف فرشته أن رحلتها للبحث عن الدواء الكيميائي بدأت منذ نحو 10 أيام في الصيدليات الحكومية والخاصة فلم تجده، "كل صيدلية أدخلها تقول إن الدواء غير موجود، وحين أسأل عن موعد توفره يخبرونني بأن الشركة الموردة توقفت عن استيراده بسبب الحصار".

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 الكمية على حساب الجودة.. كيف أثرت الحرب والحصار على موائد الإيرانيين؟
* list 2 of 3 رجال المرحلة.. تشكيلة بزشكيان الجديدة لإدارة اقتصاد الحرب
* list 3 of 3 العام الدراسي الأغلى في إيران.. كيف يتحمل أولياء التلاميذ فاتورة الحرب؟ end of list

وكشفت عن لجوئها عدة مرات إلى سوق "ناصر خسرو" حيث يوفر باعة السوق السوداء أدوية مستوردة لكن بأسعار تفوق الخيال، على حد وصفها، مضيفة أنها کانت تتحدث عن معاناة زوجها المريض سابقا فأصبحت تتحدث عن معاناتها هي خلال بحثها عن العلاج.

صدمات دوائية

ليست حالة فرشته سوى إحدى حالات ذوي المرضى الإيرانيين هذه الأيام، ففي ظل الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران والحصار البحري والجوي المفروض على إيران يجد المرضى أنفسهم أمام أزمة دوائية غير مسبوقة، إذ أعلنت جمعية الصيادلة بطهران أن حوالي 800 منتج دوائي أصبحت على قائمة النقص من بينها 90 صنفا وصفتها بأنها "أساسية ومنقذة للحياة"، في حين أن 400 دواء من هذه الأدوية مصنعة محليا.

يأتي ذلك، في وقت تقول فيه الأوساط المعنية بالقطاع الدوائي الإيراني إنها تنتج محليا أكثر من 97% من الأدوية التي تحتاج إليها داخليا لكن الأزمة الأخيرة كشفت أن هذا الرقم لا يعني اكتفاء ذاتيا في القطاع، إذ تبين، وفق مراقبين، أن جزءا مهما من المواد الأولية والمواد المساعدة وحتى معدات الإنتاج مستوردة من الخارج، مما يجعل القطاع عرضة للضغوط الخارجية.

إعلان

وللوقوف على واقع قطاع الدواء في إيران وتأثره بالحصار المتواصل عليها، تحدثت مراسلة الجزيرة نت إلى الصيدلاني صلاح الدين خديوي، الذي كشف بدوره أن سوق الدواء شهد أولى صدماته إبان حرب الـ12 يوما وما بعدها عندما بدأت بعض الأصناف تختفي تدريجيا، لكن الأوضاع تفاقمت عقب حرب رمضان، ومع فرض الحصار البحري ثم الجوي تحول نقص الدواء من ظاهرة محدودة إلى أزمة وطنية.

مصدر الصورة خديوي يقول إن عددا متزايدا من الأصناف الدوائية يتحول يوميا من نادر إلى معدوم (الجزيرة)

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح خديوي أن الأسعار شهدت "زيادات صاروخية أخرجت العديد من الأصناف الدوائية من متناول المواطن العادي"، مضيفا أن "عددا متزايدا من الأصناف الدوائية يتحول يوميا من نادر إلى معدوم".

وأشار إلى أن "الأزمة المالية لشركات التأمين فاقمت الاضطراب، إذ لم تعد قادرة على سداد طلب الصيدليات، مما يدفع بعضها إلى رفض بيع الأدوية بالتأمين وتفضيل بيعها نقدا لاستعادة أموالها بسرعة".

مصدر الصورة سوق الدواء الإيراني شهد أولى صدماته إبان حرب الـ12 يوما (الجزيرة)

ثلاثة خيارات

يكشف الصيدلاني أنه يواجه صعوبات جوهرية في تأمين الأدوية التخصصية مثل أدوية السرطان والعلاج الكيميائي، كما أن القطاع يعاني نقصا حادا حتى في الإنسولين المحلي الصنع، موضحا أن مشاكل استيراد المواد الأولية أدت إلى توقف الإنتاج خلال الأشهر القليلة الماضية جراء ارتفاع تكاليف الإنتاج عقب إلغاء الحكومة العملة الصعبة المدعومة عن القطاع الخاص، بينما ارتفعت أسعار الصرف في السوق الموازية بشكل جنوني.

ويشير خديوي إلى أن "الناس اليوم أمام 3 خيارات: شراء الدواء بأسعار باهظة من السوق السوداء، أو استخدام البدائل الإيرانية التي قد لا تكون بنفس فعالية المستورد، أو السفر إلى دول مجاورة لتلقي العلاج"، مشيرا إلى ازدهار السوق السوداء مؤخرا، ويحذر من أن ثمة قلقا يساوره بشأن سلسلة التبريد إذ قد تفقد بعض الأدوية فعاليتها بسبب عدم مراعاة درجات الحرارة المطلوبة أثناء النقل البري.

وبينما يعمل السماسرة على استيراد بعض الأدوية عبر الطرق البرية إثر توقف الرحلات الجوية، أعلن علي صالحي المدعي العام بطهران عن توقيف شبكة لتهريب الأدوية إلى إحدى دول الجوار، موضحا أن المتهم الأول في القضية امرأة من إحدى الدول المجاورة، ضبطت بحوزتها كميات من الأدوية المهربة والخارجة عن شبكة التوزيع الرسمية، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة مع المرتبطين بها لتهريب أدوية السرطان.

مصدر الصورة خديوي يقول إن عددا متزايدا من الأصناف الدوائية يتحول يوميا من نادر إلى معدوم (الجزيرة)

أسباب الأزمة

في تفسيره لأسباب استمرار أزمة قطاع الأدوية الإيراني، يقول المتحدث السابق باسم وزارة الصحة الإيرانية، كيانوش جهانبور للجزيرة نت إن "قطاع الدواء الإيراني تأثر بلا شك بالعقوبات والحصار، جراء صعوبات المبادلات المالية، وامتناع الشركات الغربية وبعض الشرقية عن بيع الأدوية لطهران بحجة العقوبات أو مشاكل التبادل المالي، أو امتناعها عن بيع المواد الفعالة بحجة مشاكل النقل فراحت تتلكأ في الوفاء بالتزاماتها".

إعلان

ويشير جهانبور إلى أن "هذه المشاكل كانت موجودة من قبل، لكنها تفاقمت مؤخرا بسبب الحصار، كما أننا داخل البلاد واجهنا أحيانا مشاكل في تأمين العملة الصعبة اللازمة لاستيراد الأدوية"، مؤكدا أنه "على النقيض من السياسة المعلنة للدول الغربية بأن العقوبات والضغوط الاقتصادية لا تشمل الغذاء والدواء، فإنهما تأثرا فعليا، وذلك بالرغم من أن قطاع الدواء الإيراني أظهر قدرة عالية على الصمود".

وكشف عن أن "قطاع الدواء الإيراني تعرض خلال الحربين الأخيرتين، وخاصة حرب رمضان، لأضرار وخسائر متنوعة على مستويات مختلفة"، مؤكدا أن "بعض شركات تصنيع الأدوية، مثل شركة توفيق دارو، تعرضت لهجوم عسكري مباشر، كما تعرضت بعض المجالات الأكاديمية والمراكز البحثية مثل معهد باستور لهجوم مباشر آخر، وهو أحد أكبر مراكز أبحاث اللقاحات والأمراض المعدية في البلاد".

مصدر الصورة جهانبور يكشف عن تضرر أكثر من 20 شركة وموقعا لتصنيع الأدوية جراء الحرب (الجزيرة)

ويضيف أن "أكثر من 20 شركة وموقعا لتصنيع الأدوية تضررت بشكل جزئي أو كلي، فضلا عن تعرض شحنات دوائية للاستهداف في عرض البحر، وبالتالي يمكننا القول إن ما يقرب من 10% من شركات ومواقع تصنيع الأدوية في البلاد تضررت بنسب مختلفة جراء الحرب الأخيرة، لذا فإن الوضع الحالي للدواء في إيران جزء منه ناتج عن الهجمات العسكرية على القطاع الدوائي".

ولدى إشارته إلى أن بلاده كانت على استعداد مسبق لتخزين مقادير من الأدوية حتى قبل الحرب، اعتبر السياسة الرسمية لدعم الإنتاج المحلي أحد أكثر الحلول فعالية لتجاوز المرحلة الحالية، مؤكدا أن بلاده ما زالت لديها كميات من الضروريات الدوائية مخزنة في مختلف المحافظات ويمكن استخدامها عند الحاجة.

ومع ختام جولة مراسلة الجزيرة نت في صيدليات طهران، ما زالت فرشته تبحث عن دواء لزوجها المريض، وتقول إنها تدرس الهجرة المؤقتة إلى إحدى الدول المجاورة لمواصلة علاج زوجها هناك، موضحة أنها لم تعد تحتمل رؤية شريك حياتها يتألم بسبب نقص الدواء، كما أنها لا تستطيع الاستمرار في تسديد مبالغ خيالية للسوق السوداء دون أي ضمان لسلامة العلاج المستورد بالتهريب.

وختمت السيدة الإيرانية حديثها قائلة: "كانت الحرب تعني لنا الخوف من القصف، أما اليوم فقد أمست تعني لنا الخشية من انعدام العلاج.. نحن ندفع ثمن هذه الحرب مرتين: مرة في أرواحنا ومرة في صحتنا".