يجد الأردن نفسه في قلب مواجهة لم يختر أن يكون طرفاً فيها، بعدما تحولت علاقته الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة إلى مظلة دفاعية تحميه من جهة، وعامل يجعله هدفاً للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية من جهة أخرى. فخلال الأشهر الأخيرة، ومجدداً هذا الأسبوع، تعرضت المملكة لهجمات إيرانية متكررة، لكنها تجنبت إلى حد كبير التصعيد، ولم ترد عسكرياً من تلقاء نفسها. فلماذا يلتزم الأردن الصمت تحت نيران الصواريخ الإيرانية؟
وفي تقرير نشره موقع "واي نت" الإسرائيلي، استندت الصحافية ليئور بن آري إلى تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" أعدّه سام مكنيل، وتناولت أسباب النهج الحذر الذي تتبعه عمّان في مواجهة الهجمات الإيرانية، والدور الذي تؤديه علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن في حماية المملكة، وفي جعلها هدفاً لطهران في الوقت نفسه.
وبحسب التقرير، فإن الأردن، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، بات يدفع ثمن علاقاته مع واشنطن، التي تنشر قوات أميركية على أراضيه، إلى جانب انتشارها في مواقع أخرى في أنحاء الشرق الأوسط.
فاقمت الهجمات الإيرانية المتكررة مشكلات الأردن الأخرى الأكثر اعتيادية، وفي مقدمتها ضعف الاقتصاد. ورغم خطر تعرض المملكة لمزيد من الضربات، أوضح مسؤولون أردنيون أنهم لا يزالون متمسكين بالحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن، بعد عقود من السعي إلى تعميق الروابط الأمنية مع المسؤولين الأميركيين وترسيخ موقع المملكة كشريك غربي موثوق به في منطقة تعصف بها الصراعات.
ويبدو أن هذا التحالف، بحسب التقرير، يمنح الأردن وسيلة للدفاع عن نفسه في مواجهة المساعي الإيرانية لزعزعة استقرار الدول المجاورة.
وكان الملك عبد الله الثاني قد أقر العام الماضي بالحاجة إلى مثل هذه التحالفات، محذراً من أن حالة عدم الاستقرار العالمية، بدءاً من جائحة فيروس كورونا، مروراً بالغزو الروسي لأوكرانيا، وصولاً إلى المنطقة صباح السابع من أكتوبر، يمكن أن تطلق العنان لفوضى تتجاوز حدود الشرق الأوسط بكثير.
وقال أمام مشرعين أوروبيين إن العالم يواجه اضطراباً تلو الآخر من دون فترة راحة، محذراً من أن أحداً لا يستطيع معرفة إلى أي مدى قد يمتد الصراع، وأن حالة عدم اليقين تشكل تهديداً للناس في كل مكان.
منذ أن خلف والده الملك حسين عام 1999، عمل الملك عبد الله الثاني بصورة مطردة على تعزيز علاقات الأردن مع واشنطن.
ويتحدث العاهل الأردني الإنجليزية بطلاقة ويحظى بدعم واسع بين قادة العالم، وكذلك بين أعضاء الكونغرس الأميركي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
وسبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن وصفه بأنه "أحد القادة العظماء حقاً في العالم"، فيما أشاد سلفه جو بايدن أيضاً بقيادة عبد الله في مناسبات عديدة.
وفي إطار شراكته مع الغرب، قدم الأردن دعماً لوجستياً واستخباراتياً لغزو العراق عام 2003، كما ساهم في القتال ضد مسلحي تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق.
وقال المحلل السياسي الأردني عامر السبايلة لوكالة أسوشيتد برس إن تحالف الأردن مع الولايات المتحدة يمثل بالنسبة إلى الملك عبد الله وسيلة لضمان أمن المملكة، بما في ذلك حمايتها من التهديدات الإيرانية.
بدوره، قال شون يوم، الأستاذ في جامعة تمبل ومؤلف كتاب "الأردن: السياسة في بوتقة عرضية"، إن النخب الأردنية تنظر إلى دعم إيران للميليشيات الشيعية في العراق والجماعات الفلسطينية المسلحة ومهربي المخدرات السوريين باعتباره تهديداً مباشراً للديوان الملكي.
وأضاف: "عدد قليل جداً من الناس في الأردن يعتقدون أن إيران مفيدة للشرق الأوسط".
وتتجلى الأهمية الاستراتيجية للأردن بالنسبة إلى واشنطن في اتفاقية التعاون الدفاعي التي وقعتها عمّان والولايات المتحدة عام 2021، والتي تمنح القوات الأميركية إمكانية الوصول إلى 12 منشأة عسكرية في أنحاء المملكة.
وبحسب ديفيد شينكر، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، تحولت قاعدة موفق السلطي الجوية الأردنية، في الفترة التي سبقت الحرب مع إيران، إلى "مركز لوجستي رئيسي" لطائرات النقل الأميركية من طراز "سي-17"، إلى جانب نحو 60 طائرة مقاتلة.
وقال شينكر، الذي تولى ملف شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأميركية خلال إدارة ترامب الأولى، إن الأردن يوفر عمقاً استراتيجياً كبيراً ويكتسب أهمية حاسمة للعمليات ضد إيران.
لكن هذه الأهمية تأتي بثمن، إذ أوضح أن موقع الأردن يجعله أيضاً هدفاً، ما يضع القوات الأميركية والملك عبد الله على حد سواء في مرمى النيران.
وينتشر حالياً نحو 50 ألف جندي أميركي في أنحاء الشرق الأوسط، في حين لا يُعرف عدد القوات الأميركية المتمركزة في الأردن.
ويقدر شينكر أن ما لا يقل عن 8% من الموازنة السنوية للمملكة، أي نحو 1.47 مليار دولار، يأتي مباشرة من المنح الأميركية.
وفي مايو، قال الأدميرال تشارلز برادفورد، قائد مكتب البنتاغون المسؤول عن الشرق الأوسط، إن الجيش الأميركي نقل أفراداً ومعدات من مهمته لمكافحة تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق إلى الأردن.
وجاءت هذه الخطوة في إطار استراتيجية أميركية أوسع وطويلة الأمد تهدف إلى نقل القوات الأميركية إلى مواقع أبعد عن الصواريخ الإيرانية.
لكن وجود هذه القوات كان كافياً، بحسب التقرير، لجذب النيران الإيرانية نحو الأردن.
واعترضت أنظمة الدفاع الجوي الأميركية معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقت باتجاه المملكة، وهو ما قد يشكل سبباً آخر وراء اختيار الأردن ضبط النفس.
ففي الوقت الذي يتعرض فيه للهجمات، توفر له الشراكة الدفاعية مع واشنطن مظلة لاعتراض جانب كبير منها، ما يساعد في تفسير سبب امتصاص عمّان الضربات والتزامها الصمت إلى حد كبير بدلاً من الرد عسكرياً بصورة منفردة.
لكن الأيام الأخيرة شهدت تحولاً في الموقف الأردني.
فبعد أن رد الأردن على الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً أخرى في المنطقة، أصدرت عمّان أيضاً رداً على هجوم استهدف المملكة نفسها.
وبعد سلسلة من الهجمات التي مرت إلى حد كبير من دون رد علني، توقفت عمّان عن تجنب الإدانة الصريحة، وإن واصلت استخدام خطاب حذر، خشية أن يؤدي مجرد تصعيد لهجتها إلى تداعيات أمنية.
وقال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الخميس، إن إيران كانت تهاجم الأردن وعدداً من دول المنطقة الأخرى قبل وقت طويل من اندلاع الحرب الحالية.
وأوضح أن الهجمات الأخيرة بدأت في غضون ساعات من اندلاع الحرب في فبراير، رغم أن الأردن والدول العربية الأخرى لم تكن أطرافاً في الصراع، وكانت قد عملت على منع وقوعه.
وفي المؤتمر الصحافي نفسه، قال الصفدي إن الولايات المتحدة والأردن يرتبطان باتفاقية تعاون دفاعي، وإن وجود القوات الأميركية في الأردن تحكمه هذه الاتفاقية.
وأوضح أن القوات تتمركز في قواعد عسكرية أردنية وتتعاون مع القوات الأردنية في مجالات عدة، مضيفاً أن ترتيبات مماثلة قائمة مع دول أخرى تحتفظ بقوات في الأردن في إطار التعاون الأمني.
وشدد الصفدي على أن الأردن يسعى إلى إقامة علاقات جيدة مع إيران، لكنه قال إن تحقيق ذلك يتطلب معالجة أسباب التوتر، بما في ذلك دعم تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الأردن ومحاولات تقويض استقرار المملكة وأمنها.
وأكد أن الأردن سيواصل ممارسة حقه السيادي والقانوني في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية أمنه واستقراره وسيادته ومواطنيه.
وفي اليوم نفسه، أدانت وزارة الخارجية الأردنية أيضاً الهجمات الإيرانية على الكويت.
الموقف الأردني استدعى رداً من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي وجه انتقاداً إلى الصفدي.
وتساءل عراقجي عن المدة التي يعتقد الصفدي أن على إيران انتظارها قبل الرد على معتدٍ قال إنه لا يحترم السيادة العربية أو الإيرانية.
كما تساءل عما إذا كان وزير الخارجية الأردني لا يعلم أن المجال الجوي والممرات البحرية والأراضي استُخدمت في الهجمات الأميركية الأولى التي أدت، وفق قوله، إلى مقتل إيرانيين أبرياء.
وجاء هذا السجال بعدما أطلقت إيران مجدداً صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه الأردن خلال الأسبوع الجاري.
وفي الثاني من سبتمبر، أعلن الجيش الأردني أن عمّان تصدت لهجوم صاروخي من إيران، موضحاً أن الدفاعات الجوية تعاملت مع 13 صاروخاً باليستياً دخلت المجال الجوي للمملكة.
وتمكنت الدفاعات من اعتراض 10 صواريخ، فيما سقطت ثلاثة أخرى في مناطق نائية بعيدة عن التجمعات السكانية.
وسبق ذلك، في 31 أغسطس، إعلان الجيش الأردني أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت ثمانية صواريخ دخلت المجال الجوي للبلاد، مؤكداً تدميرها "قبل أن تشكل أي تهديد للمدنيين أو الممتلكات".
ويوم الجمعة، صوّر أشخاص كانوا يمضون وقتهم عند بحيرة طبريا عمليات اعتراض في السماء، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنها اعتراضات أردنية بدا أنها تجري فوق شمال إسرائيل.
وفي موازاة ذلك، أفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع "انفجار قوي في الأردن".
وفي وقت لاحق، ذكرت وكالة "فارس" الإيرانية أن صواريخ أُطلقت باتجاه قاعدة أميركية في المملكة.
إلا أن التقارير التي تحدثت عن وقوع ضربات إيرانية داخل الأردن لم تكن قد تأكدت بصورة مستقلة.
المصدر:
يورو نيوز