مع اندلاع الحرب على إيران، دخلت الملاحة في مضيق هرمز مرحلة جديدة؛ فلم يعد العبور يقتصر على المسار الدولي التقليدي، بل أصبحت أمام السفن ثلاثة ممرات مختلفة، لكل منها قواعده ومخاطره.
وتتوزع هذه الممرات إلى ممر شمالي تديره إيران، ومخطط فصل الحركة التاريخي المعتمد دوليا، وممر جنوبي مؤقت قرب السواحل العُمانية، فرضته التطورات الأمنية الأخيرة.
وتكشف بيانات ملاحية محدثة حلّلتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن حركة العبور بين 24 و27 يوليو/تموز الجاري ظلت محدودة وانتقائية، مع تسجيل نحو 30 عملية عبور تجارية مرصودة، بعد استبعاد سفن القطر والدعم والخدمات التي لا تعد عبورا تجاريا حقيقيا للمضيق.
تاريخيا، كان العبور التجاري المنظم في هرمز يعتمد على مخطط فصل الحركة، المعروف اختصارا بـ(TSS)، وهو نظام ملاحي اعتمدته المنظمة البحرية الدولية عام 1968 بعد اقتراح من إيران وسلطنة عُمان، لتنظيم حركة السفن وتقليل مخاطر التصادم.
لكن هذا المخطط لم يعد مستخدما بصورة طبيعية منذ تدهور الوضع الأمني في المضيق. وتقول المنظمة البحرية الدولية، في الأسئلة التشغيلية الخاصة بخطة إجلاء السفن العالقة، إن مخطط فصل الحركة "لا ينبغي استخدامه" بسبب تقارير عن وجود ألغام، وإن تنظيم الحركة يجري بدلا من ذلك عبر تعليمات ومسارات محددة تنسقها الدول الساحلية.
ومن هنا ظهرت عمليا 3 خيارات ملاحية: مسار شمالي عبر المياه الإيرانية، ومسار جنوبي عبر المياه العُمانية، والممر الأوسط الرسمي الذي يمثل مخطط فصل الحركة التاريخي، لكنه لا يزال شديد الحساسية أمنيا.
يمر المسار الشمالي قرب الساحل الإيراني، شمال مخطط فصل الحركة التقليدي، ويلتف في أجزاء منه بمحاذاة جزيرة لارك.
وظهر هذا الطريق عمليا بعد تعطل الممر الأوسط، عندما بدأت إيران السماح بمرور سفن مختارة عبر مسارات تحددها أو توافق عليها، في إطار تقول طهران إنه يهدف إلى ضمان السلامة في ظل مخاطر الألغام والهجمات.
ولم تعلن إيران طاقة استيعابية يومية قصوى لهذا المسار بينما قدمت تعليمات للعبور منه: الحصول على تصريح عبور مسبق، تقديم بيانات السفينة والمالك والشحنة والتأمين، الالتزام بالطريق الذي تحدده السلطات الإيرانية دون استخدام مسار بديل مع التنسيق مع السلطات الإيرانية.
وتقول إيران إن تنظيم المرور عبر هذا المسار يهدف إلى ضمان السلامة، بينما ترى أطراف غربية وشركات شحن أن تحويل المرور إلى نظام تصاريح أو تنسيق إيراني يثير مخاطر قانونية وسياسية، خصوصا إذا اقترن بأي رسوم أو تعاملات مع جهات إيرانية خاضعة للعقوبات.
في المقابل، قالت وزارة الخارجية العُمانية، في بيان مشترك مع إيران في يونيو/حزيران، إن البلدين اتفقا على مواصلة الحوار بشأن إدارة الملاحة في المضيق والخدمات والتكاليف المرتبطة بها وفق المعايير الدولية.
وتُظهر بيانات الجزيرة بين 24 و27 يوليو/تموز أن المسار الإيراني استخدمته 9 سفن على الأقل، بينها ناقلتان مصنفتان ضمن خانة العقوبات: "نيكي" (NIKI) و"ستارك آي" (STARK I)، وكلتاهما غادرتا الخليج عبر هذا المسار.
الممر الأوسط هو الطريق الملاحي الرئيسي الذي استخدمته السفن لعقود، ويُعرف رسميا باسم مخطط فصل حركة المرور (Traffic Separation Scheme)، واختصارا (TSS).
واعتمدت المنظمة البحرية الدولية هذا المخطط عام 1968 باعتباره الطريق الملاحي المنظم في المضيق، وهو ما جعله عمليا القلب الملاحي لحركة النفط والغاز والسلع العابرة بين الخليج وبحر عُمان.
لكن هذا الممر أصبح أكثر المسارات حساسية بعد ورود تقارير عن وجود ألغام فيه. كما تؤكد المنظمة البحرية الدولية في تعليماتها التشغيلية أن السفن لا ينبغي أن تستخدمه في هذه المرحلة.
يقع الممر الجنوبي إلى الجنوب من مخطط فصل الحركة التقليدي، ويمتد قرب ساحل شبه جزيرة مسندم العُمانية، وقد ظهر في سياق خطة مؤقتة لإخراج السفن العالقة داخل الخليج بعدما أصبح مخطط فصل الحركة غير آمن.
وفي إخطار ملاحي عُماني صدر في 23 يونيو/حزيران 2026، قالت سلطنة عُمان إنها نسّقت مع المنظمة البحرية الدولية لتوفير "ممر بحري مؤقت" للسفن، ضمن خطة "إجلاء تدريجي".
ويمر الطريق قريبا من السواحل والمياه الضحلة، ما يرفع خطر الجنوح، خصوصا بالنسبة للناقلات الكبيرة، ويواجه الطريق خطرا سياسيا وعسكريا إضافيا؛ إذ رفض الحرس الثوري الإيراني الاعتراف به، وحذر السفن من استخدام أي طريق لا توافق عليه طهران. وبعد تعرض سفينة لهجوم في 25 يونيو/حزيران، علقت المنظمة البحرية الدولية خطة الإجلاء إلى حين اتضاح الضمانات الأمنية.
وأظهر تحليل بيانات أجرته الجزيرة بين 24 و27 يوليو/تموز هذا الاتجاه؛ إذ لم ترصد أي عبور فعلي مصنف عبر الممر العُماني خلال الأيام الأربعة المذكورة.
تكشف المقارنة بين المسارات الثلاثة أنها لا تمثل بدائل متكافئة، فالمسار الإيراني يوفر ممرا عمليا لبعض السفن، لكنه يضع المرور في إطار تنسيق أحادي مع طهران، بما يحمله ذلك من أسئلة قانونية وتأمينية وسياسية.
أما الممر العُماني فظهر بوصفه طريقا مؤقتا ومنظما للإجلاء، وقد تراجع استخدامه لاحقا بعد التهديدات الإيرانية. في المقابل، يبقى مخطط فصل الحركة الرسمي هو المسار التاريخي الأكثر قدرة على استيعاب الملاحة الطبيعية، لكنه لا يزال معطلا عمليا بسبب مخاطر الألغام.
ونقلت رويترز في 28 يوليو/تموز عن مصدر خليجي أن المقترح العُماني يقوم على آلية إقليمية مشتركة ورسوم طوعية مستوحاة من نموذج مضيق ملقا، مع إبقاء إدارة المضيق خارج السيطرة المنفردة لأي طرف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة