يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض نحو إعادة تشكيل ملفي الهجرة والمواطنة في الولايات المتحدة، وذلك عبر سلسلة من القرارات، يرى فيها مؤيدوه محاولة لاستعادة السيطرة على الحدود والنظام الانتخابي، في حين يراه فيها معارضوه تحولا جذريا قد يغير معنى المواطنة والإقامة القانونية في البلاد.
وفي أحدث خطواته، سعى ترمب إلى إنشاء "قوائم مواطنة"، بالتزامن مع تشديد غير مسبوق على إجراءات الحصول على البطاقة الخضراء الأمريكية، في مسارين متوازيين يقول منتقدوه إنهما يعيدان رسم حدود من يحق له التصويت والبقاء داخل الولايات المتحدة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، وقع ترمب في مارس/آذار أمرا تنفيذيا يوجّه وزارة الأمن الداخلي إلى إنشاء قوائم بأسماء المواطنين في كل ولاية، بهدف استخدامها في التحقق من أهلية الناخبين ومنع غير المواطنين من التصويت.
يكرر ترمب منذ سنوات مزاعم تقول إن تصويت غير المواطنين يمثل مشكلة واسعة في الانتخابات الأمريكية
ويكرر ترمب منذ سنوات مزاعم تقول إن تصويت غير المواطنين يمثل مشكلة واسعة في الانتخابات الأمريكية، رغم تأكيد الخبراء والتقارير الرسمية أن تصويت غير المواطنين "ظاهرة شبه منعدمة".
وتواجه هذه الخطوة عقبات عملية وقانونية معقدة أبرزتها الدعاوى القضائية المرفوعة من الولايات الديمقراطية وجماعات حقوق التصويت، بحسب التقرير.
لكن المشكلة الأساسية في خطة ترمب – طبقا للصحيفة – هي أن الولايات المتحدة لا تمتلك أساسا سجلا مركزيا شاملا للمواطنة، على عكس دول تعتمد بطاقات هوية وطنية موحدة.
إضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 45% من الأمريكيين لا يملكون جوازات سفر، كما أن بطاقات الضمان الاجتماعي ليست دليلا حصريا على الجنسية الأمريكية، إذ يمكن لغير المواطنين امتلاكها أيضا، أما المواطنون المجنسون فلا يملكون شهادات ميلاد أمريكية تثبت الجنسية بالولادة في أمريكا.
أقر محامو وزارة العدل الأمريكية بأن أي قوائم ستُنشأ لن تكون مثالية
ويعني ذلك أن أي "قائمة مواطنة" لا بد أن تعتمد على قواعد بيانات متفرقة، تشمل سجلات التجنيس والضمان الاجتماعي والهجرة، مما يثير مخاوف من أخطاء واسعة قد تؤثر على أهلية التصويت لمواطنين أمريكيين.
وخلال جلسة قضائية في واشنطن للطعن في القرار، أقر محامو وزارة العدل الأمريكية بأن أي قوائم ستُنشأ "لن تكون مثالية"، بينما أكد المدعون أن البيانات ستكون قديمة أو ناقصة فور إصدارها.
وتواجه الخطة أيضا تحديات قانونية تتعلق بالخصوصية، إذ ينص قانون الخصوصية الأمريكي لعام 1974 على منع الوكالات الحكومية من مشاركة البيانات الشخصية بين المؤسسات المختلفة دون موافقة مكتوبة من الأفراد، باستثناءات محدودة مرتبطة بإنفاذ القانون.
ويرى معارضو القرار من نشطاء ومحامين، أن استخدام قواعد البيانات الفيدرالية لإنشاء سجلات مواطنة قد يفتح الباب أمام انتهاكات واسعة للخصوصية، طبقا لما نقلته الصحيفة.
ويقول مدير دراسات الهجرة في معهد كاتو ديفيد بير لنيويورك تايمز إن الاعتماد على قاعدة بيانات غير دقيقة لتحديد حقوق التصويت أو الإقامة "قد يؤدي تلقائيا إلى انتهاكات تمس المواطنين وغير المواطنين معا".
ويأتي مشروع “قوائم المواطنة” بالتزامن مع قرار أكثر تشددا تجاه المهاجرين الشرعيين أنفسهم، وتحديدا حاملي التأشيرات والباحثين عن البطاقة الخضراء (غرين كارد).
يعد "تعديل الوضع" من أهم المسارات التي تسمح للمهاجرين الموجودين داخل أمريكا بالحصول على الإقامة الدائمة دون الحاجة إلى مغادرة البلاد
وفي هذا السياق، أعلنت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية الجمعة الماضية – حسب تقرير نشره موقع بيزنس إنسايدر – أن طلبات "تعديل الوضع القانوني" للحصول على البطاقة الخضراء من داخل الولايات المتحدة ستُقبل فقط في ظل "ظروف استثنائية".
ويُعد "تعديل الوضع" من أهم المسارات التي تسمح للمهاجرين الموجودين داخل أمريكا بالحصول على الإقامة الدائمة دون الحاجة إلى مغادرة البلاد، وهو إجراء اعتمد عليه لعقود موظفون وعلماء وأطباء وطلاب ورواد أعمال.
لكن القرار الجديد – يتابع التقرير – قد يجبر أعدادا كبيرة من المتقدمين على مغادرة الولايات المتحدة وانتظار معالجة ملفاتهم من الخارج، وهو ما أثار موجة قلق واسعة في أوساط شركات التكنولوجيا والجامعات ورواد الأعمال.
ونقل الموقع ردود فعل الخبراء ورؤساء الشركات، ابتداء بالمؤسس المشارك لمنصة "كورسيرا" التعليمية أندرو نغ، الذي قال إن القرار يمثل "هجوما عشوائيا على الهجرة القانونية"، محذرا من أنه سيضر بالأسر الأمريكية ويقلل عدد العلماء والأطباء والمعلمين.
يحذر مستثمرون ومديرو شركات ناشئة من أن القيود الجديدة قد تدفع الكفاءات العلمية والتقنية إلى مغادرة الولايات المتحدة
أما المؤسس المشارك لمنصة "لينكد إن" ريد هوفمان فاعتبر أن السياسات الجديدة "خطوة ضارة لقطاع التكنولوجيا والأعمال والولايات المتحدة عموما"، متسائلا عما إذا كان الباحثون والطلاب سيُجبرون على مغادرة البلاد في طوابير انتظار طويلة.
من جهة ثانية، حذر مستثمرون ومديرو شركات ناشئة من أن القيود الجديدة قد تدفع الكفاءات العلمية والتقنية إلى مغادرة الولايات المتحدة، في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
ويشير بعض النقاد إلى أن شخصيات مهاجرة بارزة، مثل الملياردير إيلون ماسك، ساهمت في بناء شركات تُعد اليوم من أعمدة الاقتصاد الأمريكي.
ويبدو من التقارير أن ما يجمع بين ملفي قوائم المواطنة والبطاقة الخضراء هو محاولة إدارة ترمب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمهاجر والمواطن، بما يتفق مع رؤيتها.
ومع تصاعد الطعون القضائية والانتقادات الاقتصادية، تبدو الولايات المتحدة مقبلة على جدل طويل حول معنى المواطنة وحدود الانتماء وحق البقاء داخل البلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة