في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لعل الجدل بشأن نظام الدفع البرازيلي "بيكس" هو ما أخرجه من إطاره التقني الخاص بسوق المدفوعات المحلية، وجعل منه نافذة لفهم صراع أوسع على النفوذ داخل البنية المالية العالمية، وعلى الجهة التي تملك أدوات التسوية والتحويل والبيانات في عصر الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق، يبدو "بيكس" نموذجا مثاليا لأدوات انتقال التنافس الدولي من التجارة التقليدية إلى ساحات أكثر حساسية، ترتبط بسيادة المدفوعات الرقمية وشبكات المقاصة البديلة وتراجع مركزية الدولار.
نشرت صحيفة هوان تشيو الصينية مقالا للباحثة يوي يوِن شيا، ترى فيه أن واشنطن تعاملت مع نظام "بيكس" بوصفه مشروعا يهدد قدرة الشركات الأمريكية على الاحتفاظ بمواقعها التقليدية في السوق البرازيلية، في حين تعاملت معه برازيليا بوصفه إنجازا وطنيا لا يمكن التفريط فيه.
وأوضحت الكاتبة -وهي نائبة مدير معهد دراسات أمريكا اللاتينية في أكاديمية الصين للعلوم الاجتماعية- أن هذا النظام الذي أطلقه البنك المركزي البرازيلي عام 2020، استطاع خلال سنوات قليلة أن يتحول إلى ركيزة أساسية في الحياة الاقتصادية اليومية.
فقد بلغ عدد مستخدميه المسجلين حتى يونيو/حزيران 2026 نحو 184 مليون مستخدم (نحو 86% من السكان)، مع معاملات شهرية تجاوزت 3.6 تريليونات ريال برازيلي (نحو 700 مليار دولار).
ومن هذا المنطلق، لم يعد نظام "بيكس" مجرد وسيلة دفع عادية، بل صار تجسيدا عمليا لفكرة السيادة الرقمية في المجال المالي.
وذهبت صحيفة هوان تشيو إلى أن التوتر بشأن "بيكس" تزامن مع لجوء الولايات المتحدة إلى فرض رسوم إضافية بنسبة 25% على أكثر من 4 آلاف سلعة برازيلية في 22 يوليو/تموز، بعد أشهر من التفاوض غير الحاسم بين البلدين.
ووفق هذا الطرح، لم تُستخدم الرسوم الجمركية أداة تجارية بحتة، بل وسيلة ضغط على نظام دفع منخفض الرسوم وسريع الانتشار، قلص اعتماد المستهلكين والتجار على شبكات البطاقات الأمريكية الكبرى، وبدا السلاح الجمركي امتدادا لمعركة أشمل تدور حول من يسيطر على السوق المالية الرقمية، وليس فقط حول من يحقق الأرباح في ميزان المبادلات التجارية.
واكتسبت هذه المواجهة أهمية كبرى ضمن الاتجاه العالمي الأوسع المتمثل في تسارع بناء أنظمة دفع محلية وإقليمية في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث تظهر الرغبة المتزايدة لدى الدول في تقليص اعتمادها على المسارات التي تحتكرها الولايات المتحدة عبر الشبكة المالية العالمية (سويفت) ونظام المقاصة بالدولار الأمريكي (تشيبس).
وعلى هذا الأساس، فإن بناء شبكة دفع متعددة الأقطاب يعني بالنسبة للاقتصادات الناشئة تسريع تراجع الاحتكار المالي الأمريكي، وامتلاك القدرة على إجراء التسويات والتحويلات خارج القنوات المرتبطة بالدولار، ولكنه يعني للولايات المتحدة تقليص أرباح شركاتها المالية مثل "فيزا" و"ماستركارد".
السيطرة على أنظمة الدفع تعني السيطرة على البيانات، وعلى القدرة على تعقب النشاط الاقتصادي، وعلى إمكانية استخدام البنية المالية أداة للعقوبات والضغط السياسي
تبدو البرازيل في تقارير الصحف الصينية وكأنها تتحرك على أكثر من مسار في وقت واحد، فهي تكثف تعاونها المالي مع دول " بريكس" ورابطة دول جنوب شرق آسيا ( آسيان) إضافة إلى شركاء آخرين، وفي الوقت ذاته تعمل على بناء شبكة تسوية أكثر استقلالا عن الدولار، بما يخفف من مخاطر العزلة المالية المحتملة.
في المقابل، أوردت صحيفة غلوبال تايمز في تقاريرها أن الرئيس الصيني شي جين بينغ شدد -في اتصاله الأخير مع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا– على أهمية دفع تعاون "بريكس" قدما، والحفاظ على زخم الوحدة، وكتابة فصل جديد من التضامن والاعتماد على الذات للجنوب العالمي.
وهنا يتجاوز التعاون حدوده الثنائية ليغدو جزءا من تصور أوسع لإعادة التوازن إلى النظام الاقتصادي الدولي، في مواجهة تنافس وخلاف على القواعد والأمن وحق الدول في بناء أدواتها المالية الخاصة.
وتعني السيطرة على أنظمة الدفع أيضا السيطرة على البيانات، وعلى القدرة على تعقب النشاط الاقتصادي، وعلى إمكانية استخدام البنية المالية أداة للعقوبات والضغط السياسي، لذلك فإن طرح بناء شبكة مقاصة مستقلة عن الدولار يُعد حاجة عملية للدول التي تسعى لتجنب التسييس المالي، وليس مجرد طموح نظري أو شعار سيادي.
في سياق تجاري أوسع، ذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الرئيسين لولا وشي اتفقا على تسريع المفاوضات بشأن اتفاق تجاري بين الصين والسوق المشتركة الجنوبية في أمريكا اللاتينية (ميركوسور) بعد دخول الرسوم الأمريكية الجديدة على الصادرات البرازيلية حيز التنفيذ.
ويكشف هذا التطور أن الضغط الأمريكي لن يؤدي بالضرورة إلى انكفاء البرازيل، بل قد يدفعها إلى تنويع الشركاء والأسواق وأدوات الدفع والاستثمار.
ومن هنا تبرز تحركات برازيليا وتطوير أنظمة المدفوعات بوصفها مؤشرا على أن البدائل لم تعد مؤجلة، بل باتت تتشكل فعليا كلما اشتدت ضغوط الهيمنة الاقتصادية.
وتمنح صحيفة غلوبال تايمز هذا التحول بعدا سياسيا مباشرا، حين تنقل عن محللين صينيين قولهم إن الولايات المتحدة لجأت مرارا إلى التدخل السياسي والقمع الاقتصادي في أمريكا اللاتينية.
ضمن هذا الفهم، يكون الدفاع البرازيلي عن نظام "بيكس" دفاعا عن السيادة الوطنية بقدر ما هو دفاع عن أداة مالية ناجحة، في حين يظهر التقارب الصيني البرازيلي بوصفه ردا على الأحادية والهيمنة، ووسيلة لتعزيز موقع الجنوب العالمي داخل النظام الدولي.
واستدعت صحيفة تشاينا ديلي المشهد المكسيكي لاستكمال صورة التنافس المتحولة، إذ ترى أن الشركات الصينية التي تواجه تعريفات جمركية أمريكية وتدقيقا إستراتيجيا وضغوطا لتنويع الإنتاج، وجدت في المكسيك وجهة جذابة لما تتمتع به من إمكانات تعاون كبيرة.
ويعني ذلك أن واشنطن باتت تواجه تحديا في مجال المدفوعات الرقمية، إضافة إلى احتمال إعادة تشكيل خرائط الاستثمار وسلاسل الإمداد في محيطها القريب، مما يُضعف قدرتها على الاحتفاظ بحالة "احتكار اقتصادي شامل".
وتكشف تقارير الصحافة الصينية أن خوف واشنطن من نظام الدفع "بيكس" لا يعود إلى خسارة شركاتها حصة من السوق البرازيلية فقط، وإنما إلى ما يمثله هذا النظام من سابقة قابلة للتعميم، لأن نجاح دولة كبرى في الجنوب العالمي في بناء أداة دفع وطنية فعالة قابلة للتوسع الداخلي والخارجي، سيفتح الباب أمام نماذج مشابهة داخل "بريكس" و"آسيان" وشراكات أخرى.
ومن ثَم، فإن معركة "بيكس" تبدو في جوهرها واحدة من ساحات التنافس الجديدة بعد معركة الهيمنة والدولار، لأن الصراع أصبح حول من يملك بنية المال نفسها في عالم يتجه تدريجيا نحو تعدد الأقطاب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة