هذه القصة فازت بالمرتبة الأولى في المسابقة التي أقامتها الجزيرة لأفضل قصة صحفية إنسانية، وننشرها هنا كما كتبها الفائز عدي العبد الله من سوريا، ومن دون تعديل أو تغيير حفاظا على الجهد الأصيل للكاتب.
وتلخص القصة ذلك الصراع الذي عاشه الصحفي السوري "كريم" (اسم مستعار) وبعض الناجين حين تتحول معاناتهم إلى مادة قابلة للاختزال في سرديات جاهزة. فبعد نجاته من الاعتقال في سوريا ووصوله إلى أوروبا، وجد نفسه أمام محاولات لإعادة صياغة تجربته بما يلائم توقعات الجمهور الغربي، عبر التركيز على جزء محدد من حكايته وإهمال بقية السياق.
ورفض "كريم" أن تُختزل ذاكرته بما يجعلها أكثر قابلية للتسويق، متمسكا بروايته الكاملة.
وما زال "كريم" يعيش اليوم في مركز لجوء بألمانيا بين انتظار قرار مصيري ودفتر مذكرات يحفظ فيه تفاصيل ما عاشه.
والجائزة أطلقها معهد الجزيرة للإعلام بهدف إعادة الاعتبار للصحافة المتأنية والعميقة، وتشجيع السرد الصحفي الإنساني في تغطية الإبادات الجماعية والحروب والنزاعات وقضايا اللجوء والهجرة.
على أريكة مريحة في شقة صديقه ببرلين، كان البخار يتصاعد من أكواب الشاي في جلسة بدت -للوهلة الأولى- مجرد لقاء إنساني. المخرج الألماني الذي جلس قبالة "كريم" جاء بدعوة من صديق مشترك، وبدا مأخوذا بملامحه التي لا تزال تسكنها آثار اضطراب ما بعد الصدمة؛ تلك الارتجافة الخفيّة التي خلّفتها أشهر الاعتقال الطويلة، ومسارات التهريب الوعرة منذ خروجه من سوريا في صيف 2016.
لم يتحدث المخرج بلُغة المنتجين، بل بلغة "الفن" التي تبحث عن أقصر الطرق لقلب الجمهور. قال بنبرة دافئة، وكأنه يقترح حلا تقنيا: كريم، لكي يصل صوتك للمتلقي هنا بوضوح، نحتاج إلى خيط سردي يسهل تتبعه؛ لذا أرى أن نركّز في الفيلم على فترة اعتقالك لدى تنظيم "داعش" (الدولة الإسلامية)؛ لأنها تظل الزاوية التي يسهل على المتابع في أوروبا التماهي معها وفهمها، دون أن يضل في تفاصيل صراعات محلية ودهاليز سياسية لا يملك خلفية عنها.
توقف كريم عن تحريك السكر في كوبه، شعر ببرود يسري في الجلسة رغم دفء المكان؛ أدرك أن المخرج لا يريد "قصته"، بل يريد "الزاوية" التي تبيع الحكاية.
وضع الملعقة بهدوء، وأزاح ميكروفون التسجيل الصغير الموضوع على الطاولة بينهما، ثم نظر إلى صديقه قائلا: "أخبره.. أن الألم لا يحتاج إلى مترجم لكي يُفهم، وإذا كان الآخر بحاجة لجلادٍ بمواصفات خاصة لكي يشعر بوجعي، فأنا لست الشخص المناسب لفيلمكم".
في تلك اللحظة، سقط القناع الوديّ عن الجلسة، وبدت الحقيقة عارية: كان المطلوب منه أن يختزل تجربته ليقدمها كوجبة سهلة الهضم للمشاهد الغربي.
يُعرِّف نفسَه بـ"كريم"، وهو اسم مستعار اختاره ليكون فاصلا أخلاقيا بين حياته الجديدة وبين قصة ألم لا يريدها أن تلتصق بمستقبله كوصمة دائمة.
في الأربعين من عمره، يحمل هذا الرجل القادم من تلك القرى المنسية في شرق سوريا، حيث يمتد الفرات كشاهد وحيد على حكايات الصمود المكتومة، هدوءا حذرا؛ هدوء مَن يدرك تماما أن تقاطع قصته مع آلاف القصص الأخرى لا يلغي خصوصية وجعه. لم يحمل يوما سلاحا، بل كان سلاحه الكلمة التي وثّق بها وجع ناسه، لكن في بلد يُجرّم الكلمة ويراها خطرا يوازي الرصاص، تحولت مواقفه وآراؤه التي جهر بها إلى صكّ اعتقال.
يتذكر كريم بمرارة كيف عُدت "منشوراته" العفوية -على فيسبوك- التي انتقد فيها ممارسات النظام السوري السابق، جرما لا يُغتفر في نظر المحققين. هناك، في أقبية الفروع الأمنية ذاق صنوفا من التعذيب النفسي والجسدي الذي كان يتضاعف كلما اكتشفوا أن ضحيتهم "كاتبٌ" يجرؤ على التعبير.
كان الجلادون يتلذذون بإذلاله لشهور محاولين كسر تلك الروح التي حلمت بالتغيير خلف شاشة حاسوب، قبل أن تُرمى في غياهب مظلمة لا تعرف الوقت، لتصبح معركته الشخصية اليوم هي انتزاع حقه في الوجود خارج سياق أوراق اللجوء، متمسكا بروايته الكاملة غير المنقوصة.
يعيش اليوم في "كامب" بألمانيا منذ عام 2024، محاطا بجدران مؤقتة، لكنه لا يزال يحتفظ في حقيبة ظهره "بدفتر مذكرات"، زواياه مهترئة ومغبرة بفعل التنقل. هذا الدفتر لم يكن معه في الزنزانة، بل بدأه في أولى محطات لجوئه، ليفرغ فيه ثقل ما عاشه.
وحين يقلب صفحاته تظهر رائحة الورق الرطب؛ ورقٌ أجهده التكرار، ودُوّنت عليه الحكايات بخط "مرتجف" يعكس قلق يده التي لم تستعد استقرارها بعد.
ويمثل هذا الدفتر "لكريم" وسيلته الفردية للاستمرار في امتلاك حكايته، ومساحته الخاصة لترميم هويته بعيدا عن كونه مجرد ملف إحصائي بارد ينتظر الموافقة.
في سوريا، لم تكن الحرب كما عرفها أخبارا عاجلة، بل كانت مواجهة يومية مع تلاشي الوجود. هناك، في الأقبية التي لا يدخلها الضوء، خَبر "كريم" اعتقاله الأول؛ تلك التجربة التي لم تكن تبحث عن "جمهور" أو "لقطات مثيرة"؛ لأنها كانت غيابا قسريا استهدف كرامته وجوهر إنسانيته قبل أي شيء آخر.
هذا الاعتقال -الذي غُيّب فيه لأنه اختار ألا يكون صامتا- هو الذي شكّل وعيه بما يعنيه أن تكون مستهدفا من منظومة قمعية لا تتسامح مع الكلمة. وبالنسبة له، كان ذلك السجن هو الجرح الغائر والأصل الذي نبتت منه بقية المآسي، وهو ما جعل محاولة المخرج لاحقا في برلين للقفز فوق تلك المرحلة والتركيز حصرا على "داعش" تبدو له إهانة شخصية، ومحاولة متعمدة لتبديد الحقيقة التاريخية لألمه.
حين عبر كريم الحدود نحو غازي عنتاب، كان يظن أنه ترك مراكز الاحتجاز خلفه، لكنه واجه حصارا من نوعٍ آخر؛ نظرات ريبة في الشوارع ورحلة بحث مضنية عن سكن يضيق بالسوريين.
في تلك المرحلة، وبحكم خلفيته الصحفية، بدأ العمل مع جهة حقوقية تُعنى برصد الانتهاكات، للمساهمة في بناء أرشيف يوثق تجارب الناجين، لكن التباين في الاهتمام بدأ يظهر حين تحول من "موثق" إلى "موضوع للتوثيق".
ففي جلسة مخصصة لسماع شهادته كصحفي ناجٍ من عدة اعتقالات، انصبّ تركيز الباحث القانوني بشكلٍ مكثف وحصري على طلب تفاصيل تقنية ودقيقة عن فترة اعتقاله لدى تنظيم "داعش".
كانت الأسئلة تتلاحق بغزارة حول ذلك الجانب، في مقابل مرور عابر ومقتضب على سجنه لدى النظام السابق، وكأنه تفصيل ثانوي لا يخدم غرض التوثيق المطلوب في تلك اللحظة، وهي تجربة فردية تتقاطع -كما لاحظ كريم لاحقا- مع انتقادات وجّهها ناشطون حقوقيون سوريون مرارا لآليات التوثيق التي كثيرا ما تخضع لأولويات الممولين أو للأجندة القانونية السائدة دوليا، مما يفضي أحيانا إلى تسليط الضوء على جلاد بعينه، وترك الصورة الأوسع للمعاناة منقوصة.
لم تكن غازي عنتاب محطة عبور فحسب، إنما المكان الأول الذي استشعر فيه "كريم" بمرارة أن وجعه قد يخضع لعملية "فلترة نفعية". كانت ذكريات تلك الجلسة التوثيقية الرتيبة والأسئلة الموجهة تطفو على سطح ذاكرته الآن وهو جالس في شقة صديقه ببرلين.
وحين بدأ المخرج الألماني حديثه عن "التركيز على داعش" لم يشعر بالمفاجأة، بل بشعور مألوف بالخيبة، فذات الرغبة في "الاقتطاع" التي واجهها في تركيا، كانت تطل الآن برأسها من جديد متخفية بلباقة اللقاء، ولكن بنبرة أكثر هدوء وكياسة.
بعد تلك الجلسة لم يَعُد المكان دافئا؛ انتهى اللقاء بمصافحة رسمية باردة وكلمات بروتوكولية عن "التفكير في الأمر".
كان "كريم" يدرك أن المخرج لم يأتِ ليوثق قصة ناج، بل جاء ليبحث عن "مادة خام" لفيلم مُعدّ سلفا في مخيلته، ولم يكن الطلب بالتركيز على "داعش" فقط نصيحة فنية، بل كان محاولة لاجتزاء مراحل الاعتقال في سوريا، وعزلها عن سياقها الممتد.
وحين رفض "كريم" أن يُفصّل وجعه ليكون مستساغا وفق المعايير التي يطلبها المخرج، أدرك أن دوره في ذلك المشروع قد انتهى قبل أن يبدأ. في حسابات الأخير، كانت الحقيقة كاملة "ثقيلة" وغير صالحة للعرض، أما "كريم" فكان الوفاء لذكرى رفاقه الذين غيّبتهم زنازين وسجون النظام السابق أهم من المشاركة في فيلم يقتطع من وجعه ما يروق للمشاهد فقط.
لم يتصل المخرج ثانية، ولم يرسل الصديق المشترك أي تحديث عن المشروع. تحول الحماس الذي ملأ الشقة يوما إلى صمت مطبق، وسقط اسم "كريم" من قائمة "الخيارات المتاحة" ما إن قرر ألا يكون حكواتيا يفصّل وجعه على مقاس العرض.
أدرك كريم أن الاهتمام بـ "الصحفي الناجي" في هذا السياق كان مرتبطا بمدى ملاءمة مأساته للصورة النمطية المطلوبة، فحين أصر على عدم تفكيك حكايته انتقائيا أو تلوين جلاد دون آخر فقدت قصته "جاذبيتها التسويقية" في نظرهم، وأدرك أن تمسكه بوحدة مظلمته قد جعله "صعبا" في نظر منظومة تبحث عن حكايات مريحة وبسيطة لا تثير الكثير من الأسئلة.
هذا الصمت الذي أعقب اللقاء لم يحزن "كريم"، بل منحه تأكيدا على أنه نجا مرتين: مرة من السجن، ومرة من تحويل وجعه إلى سلعة. لكن هذه النجاة المعنوية كانت تصطدم كل يوم بواقعٍ مادي خشن؛ غير أن خروجه من تلك الشقة الدافئة وعودته إلى "الكامب"، تذكره بأنه لا يزال رهين انتظار طويل.
في تلك المساحة التي يتقاسمها مع سبعة آخرين، لا يسكن الصمت، بل يتردد صدى القلق من "قرارٍ إداري" قد ينهي كل شيء، محولا نصر "كريم" الأخلاقي إلى مواجهة يومية مع قوانين لا تعترف إلا بالأرقام.
هذه الحالة المأزومة داخل الجدران الأربعة ليست وجعا شخصيا معزولا، بل هي الانعكاس الحي لواقعٍ إحصائي يزداد قتامة؛ فخلف الأبواب الموصدة للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) لم تعد طلبات اللجوء تُعامل كحقوق إنسانية، بل بات "كريم" يلمس تحولها في عامي 2024 و2025 إلى ملفات باردة خاضعة لمزاج سياسي متصلب، يميل نحو ترحيل السوريين تحت لافتة "انتهاء النزاع" التي يتردد صداها في أروقة "الكامب" كتهديد مستمر، وهو تحوّل حذرت منه تقارير حقوقية ألمانية عدة رصدت تشددا متزايدا في تقييم ملفات السوريين تحت هذه الذريعة.
يتجلى هذا الجحود الإداري أمام عيني "كريم" في أدق تفاصيله، وهو يراقب الصمت الثقيل لرفيقه في الغرفة بعدما نزل عليه خبر الرفض والترحيل كالصاعقة. فقد وجد نفسه فجأة "خارج حسابات" الحماية في نظر الماكينة الإدارية، فقط لأن أوجاعه الحقيقية لم تعد تخدم "السردية السياسية" المطلوبة لتسويغ منح اللجوء في هذه المرحلة.
وليست هذه حالة نادرة في مراكز اللجوء، إذ يتناقل اللاجئون السوريون أخبار الرفض والترحيل كهواجس يومية، فلم يعد مصير الطلب رهين سرد الألم وحده، بل يقاس بمدى توافقه مع معادلات سياسية متبدلة.
في هذا المناخ، يواجه "كريم" تحدي "انتقائية المعاناة" كصراع شخصي مرير حيث تُفتح له أبواب المنصات مقابل نزع جزء من ذاكرته لتلائم ذائقة الإنتاج. وفي الوقت الذي تضيق فيه الخيارات أمام مئات الآلاف ممن يتقاسمون معه عبء اللجوء وقلق المصير المجهول، تبرز معركته كرفض صارم للوصاية على الحكاية، فهو يدرك أن ثمن "التعاطف المشروط" الذي يعرضه المخرج أو الباحث هو طمس حقيقة الجلاد الأساسي؛ لذا يصر على أن ملكية الوجع لا تؤول إلا لصاحب الحكاية، بكامل خصوصيتها التي لا تشبه أحدا غيره.
في زاويةٍ ضيقة من غرفته داخل مركز اللجوء، بعيدا عن المنصات التي انتظرت نسخة منقوصة من حكايته، يواصل "كريم" اليوم كتابة مذكراته بوصفها محاولة أخيرة لترتيب ذاكرة لم يسمح لأحد أن يعيد تشكيلها عنه. لم تكن الكتابة بحثا عن تعاطف، بل وسيلة للحفاظ على تسلسل ما عاشه كما هو، دون اقتطاع أو انتقاء.
في المرة الأخيرة التي طوى فيها دفتره، بعد نقاشٍ طويل مع صديقٍ زاره في "الكامب" وسأله إن كان صموده قد كلّفه الكثير، أجاب كريم بنبرةٍ مستقرة: "أن أعيش هنا في الهامش بكرامة حقيقتي، أفضل من اعتراف زائف يمنحني إياه الآخرون مقابل بتر ذاكرتي".
لم يكن هذا اليقين وليد لحظة واحدة، بل خلاصة مسار طويل من الرفض والمساومة والانكسارات الصامتة. شد معطفه على صدره كمن يحمي أمانة غالية؛ فقد اختار أن يحمل وجعه كاملا كما عاشه، مفضّلا صون قدسية ألمه، في واقعٍ لا يمنحه امتيازا ولا يغيّر من زمن انتظاره شيئا، على أن يبيعه في سوق السرديات الجاهزة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة