دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- بعد عقود قضاها في بناء الشركات وتصميم المباني والسفر، توصّل إدوارد كروغر كونورز الابن، إلى استنتاج غير متوقع في مطلع الثمانينات من عمره، مفاده أنّ البقاء في مكانه لم يعد منطقيًا.
ويقول كونورز لـCNN: "لقد سئمت من أمريكا".
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، قبل أسابيع قليلة من إتمام الحادي والثمانين من عمره، انتقل بطل حرب فيتنام، والمهندس المعماري، ومالك صالة الألعاب الرياضية السابق، بمفرده إلى جنوب إيطاليا، حيث استأجر شقة في مدينة ليتشي الباروكية الواقعة في إقليم بوليا، التي بات يصفها اليوم بأنها "مدينة غولديلوكس المثالية" بالنسبة له.
وجاء قرار كونورز مدفوعًا بشعور متزايد بعدم الاستقرار. فالتقاعد لم يكن مناسبًا له، كما يشير إلى أن وتيرة الحياة في الولايات المتحدة واتجاهها لم يعودا يشعرانه بالانسجام.
وبعد أن باع منزله في بلدة فينيس بيتش، انطلق في رحلة استمرت شهرين عبر أوروبا، باحثًا عن مكان يتوافق مع أسلوب الحياة الذي يرغب به الآن.
كما أعادت هذه الخطوة إحياء حلم طال تأجيله.
وفي 13 سبتمبر/أيلول عام 2001، كان من المقرر أن يسافر كونورز من لوس أنجلوس إلى روما لشراء قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر بالقرب من أورفييتو، وهي بلدة إيطالية تقليدية تقع على تلة في إقليم أومبريا الإيطالي، مع 10 أفدنة من كروم العنب. لكن، وكما حدث مع جميع الرحلات الدولية في ذلك الأسبوع، أُلغيت رحلته عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول.
كونه خدم في الجيش الأمريكي، كان كونرز يعتقد أن الولايات المتحدة في حالة حرب، وقرر أن الوقت ليس مناسبًا للمغادرة. فاستند إلى بند القوة القاهرة في عقده وأنهى اتفاقية الشراء. ومنذ ذلك الحين عاد إلى أورفييتو مرات عدة، ويقول إنه كان سيتمم الصفقة لو قام بتلك الرحلة.
يقول كونرز، الذي نشأ في ولاية نبراسكا: "غيّر 11 من سبتمبر/أيلول 2001 حياتي. لقد كان حدثًا مفصليًا بالنسبة لي. لطالما أعجبت بجمال إيطاليا ونمط حياتها، لذلك أعود الآن لاستكشاف الحلم الذي راودني قبل 25 عامًا بالعيش في إيطاليا".
ويشير كونرز، الذي لم يتزوج قط، إلى أنه لم يعد يرغب بتحمّل مسؤولية امتلاك عقار كبير أو الدخول في التزامات طويلة الأمد. عوض ذلك، اختار عقد إيجار لمدة 6 أشهر بالقرب من المركز التاريخي لمدينة ليتشي، مفضّلًا المرونة على الاستقرار الدائم.
ويؤكد أن فكرة الموت لا تخيفه. فهو يحافظ على نشاطه، ويمشي 10 آلاف خطوة يوميًا بالحد الأدنى، ويراقب صحته عن كثب.
ويقول: "لقد عشت حياة كاملة، ولست قلقًا من أن أموت وحيدًا. أجريت جراحة قلب مفتوح لثلاثة شرايين في العام 2008، وكنت مستعدًا للموت حينها، لذلك أشعر وكأن لدي حياة ثانية الآن. لم أقضِ وقتًا في المستشفى منذ ذلك الحين.
ويضيف: "خضع والدي للجراحة ذاتها في العمر ذاته وعاش حتى بلغ من العمر 96 عامًا، لذلك فإن العوامل الوراثية في صالحي، وهذا أمر مهم".
وقد حظي بمسيرة مهنية حافلة:
لكن عند بلوغه الثمانين، يقول إن الملل بدأ يتسلل إليه، وزاد من ذلك شعوره بعدم الارتياح تجاه التغيرات التي كان يراها من حوله.
ويضيف: "أدرك أنني كنت جزءًا من عالم الامتيازات التجارية، لكن قبح الضواحي الأمريكية المليئة بسلاسل مطاعم الوجبات السريعة أمر يبعث على الاكتئاب بالنسبة لي، وأردت أن أبتعد عنه لفترة".
ولم تكن ليتشي خيارًا بديهيًا. فقد اختار المدينة من دون زيارتها مسبقًا، بناءً على اقتراح صديق. وبعد مغادرته الولايات المتحدة، أمضى شهرين يتنقل في أنحاء أوروبا، ودرس خيارات في جمهورية التشيك وبولندا والمملكة المتحدة والبرتغال، التي كانت في البداية على رأس قائمته.
إلا أنّ المناخ كان عاملًا حاسمًا أيضًا.
ويضيف: "أقلق من السقوط في هذا العمر، والثلج والجليد هما عدوّاي. هناك ثلاث مناطق فقط في العالم تتمتع بطقس شبيه بلوس أنجلوس، بينها ساحل البحر الأبيض المتوسط".
في النهاية، حقق جنوب إيطاليا معظم متطلباته. فقد جذبه الطابع المسطّح لمدينة ليتشي، وشبكة السكك الحديدية، وقربها من مطار برينديزي، فضلًا عن طقسها.
والآن يستأجر شقة مفروشة بغرفة نوم واحدة مع شرفة مقابل 1,100 دولار شهريًا، تشمل المرافق وخدمة الإنترنت. وقد ساعده جار سابق من كاليفورنيا في العثور عليها.
ويقول كونرز إن شقة مماثلة في لوس أنجلوس ستكلف 3,000 دولار شهريًا، و4,500 دولار في سان فرانسيسكو، و3,500 دولار في مدينة نيويورك.
تتناسب ليتشي، التي تُعرف غالبًا باسم "فلورنسا الجنوب"، مع إيقاعه اليومي. فهو يقضي صباحاته في الكتابة، وأمسياته في المشي والتأمل والاستكشاف.
ويتناول الطعام خارج المنزل مرات عدة في الأسبوع، ويقول إن الوصول باكرًا إلى المطاعم، قبل الموعد المعتاد لتناول الإيطاليين عشاءهم، ساعده على التعرف إلى أمريكيين آخرين.
ويصف المدينة بأنها ليست كبيرة جدًا ولا صغيرة جدًا، بخلاف زياراته الأخيرة إلى لندن ولشبونة وروما وباريس، التي أكدت له أن المدن الكبرى لم تعد تروق له.
ويقول: "أشعر بالملل بسهولة، وفي هذا العمر لا أرى نفسي ألتزم بالعيش في مكان واحد لفترة طويلة، إلا إذا اشتريت بيتا في ليتشي مع أصدقاء. لقد امتلكت نحو اثني عشر منزلًا في حياتي، وأعرف أنها تتطلب الكثير من العمل، وهو أمر لا أريد أن أنشغل به في سن الثمانين".
ولو قرر شراء عقار، يقول كونرز إنه سيأخذ وقته ويدرس الأمر بعناية، مشيرا إلى أن امتلاك منزل آخر لم يعد مغريًا بالنسبة له.
ويضيف: "امتلكت منازل جميلة، وأثاثًا جميلًا، وسيارات جميلة. كل هذه الأشياء لم تعد تهمني. لقد عشت ذلك كله. وعندما يسألني الناس: "أين تعيش؟ أشير إلى حقيبة سفري وحقيبة عملي. أعتقد أنني مثل جيل الألفية، أعيش اللحظة، من أجل التجارب".
على مدى الـ64 سنة الماضية، واظب كونرز على زيارة أوروبا سنويًا، بدءًا من رحلة استمرت شهرًا واحدًا عندما كان في الـ18 من عمره. وأثناء إقامته في ليتشي، يخطط لزيارة أجزاء من أوروبا لم يرها بعد أو يرغب بالعودة إليها، بينها نابولي، وغرب إيطاليا، وإيرلندا، والمملكة المتحدة، وهولندا.
ويقول: "القيام برحلة إلى مراكش أو مالطا أو أثينا انطلاقًا من إيطاليا يثير اهتمامي أيضًا. كما أن رحلة بحرية في البحر الأبيض المتوسط من بين التجارب القليلة المتبقية في قائمة أمنياتي التي لم أحققها بعد".
وحاليا، يقول إن ليتشي هي موطنه، طالما يشعر أن الأمر مناسب.
ويضيف: «ما لم أشترِ منزلا في ليتشي مع أحد أصدقائي، لا أعتقد أنني سأعيش هنا إلى الأبد، لكن من يدري؟ أنا أعيش يومًا بيوم".
المصدر:
سي ان ان