في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ اندلاع الحرب، اختار الفنان السوداني الكبير أبو عركي البخيت البقاء في بلده، رافضاً مغادرة منزله وسط الخراب والدمار.
وفي ذكرى الاستقلال، وكعادته كل عام، أصرّ أبو عركي البخيت على إحياء حفله السنوي، لكن هذا العام كان مختلفاً، حيث غنّى بلا جمهور على خشبة المسرح القومي في أم درمان، وسط كراسي خالية وجدران متصدعة وأسقف مهزوزة وأجهزة صوت صماء. ورغم رائحة الغبار القديم التي تعبق في المكان والخفافيش والقطط الضالة التي صنعت مأوى وسط الخراب، لم يتراجع عن عادته بالغناء، وملأ صوته الفراغ. وفي لحظة صادقة، عبّر الفنان عن شوقه لجمهوره قائلاً: "شعبي واحشني"، معرباً عن الحنين العميق لفترة الغناء مع السودانيين الذين لم يستطيعوا الحضور.
على خشبة المسرح الخاوي، غنّى أبو عركي البخيت واحدة من أشهر الأغاني الوطنية التي اشتهر بأدائها، وهي "جدودنا زمان وصونا على الوطن"، التي عبّرت بصدق عن الانتماء والعزيمة والوصية.
ولم يقتصر تأثير الحدث على المسرح، إذ انتشر مقطع الفيديو الذي يوثق تلك اللحظة على منصات التواصل الاجتماعي في السودان، محققاً مشاهدات عالية وتداولاً غير مسبوق طيلة الأيام الماضية.
وعن تأثير الحدث، كتب أحد المتفاعلين: "رغم أن المسرح خالٍ، شعرت وكأن كل السودان يغني معه. أبو عركي لم يغنِ فحسب، بل أعاد لنا شعور الانتماء والفخر ببلدنا. صوته وطن ونحن مع صوته قلباً وقالباً".
وأعاد آلاف السودانيين نشر الفيديو، مؤكدين أن رسالته تتعدى الأغنية لتصبح رمزاً للتمسك بالوطن. وحتى وسائل الإعلام سلطت الضوء على المقطع، معتبرةً أن البخيت نجح في تحويل المسرح الخاوي إلى منصة رمزية للوطن والفن الصامد.
بدوره، وصف الصحفي البارز محمد عبدالماجد الحدث بأنه نمط جديد من المقاومة السلمية، قائلاً في حديث لـ"العربية.نت": "الفيديو الذي يوثق لحظة أداء أبو عركي البخيت على خشبة المسرح القومي بأم درمان هو نمط جديد من المقاومة السلمية. الفرق بين الفنان والسياسي أو الفنان والمسؤول واضح، الفنان دائماً يقدم رسالته ويدفع ثمنها. وأبو عركي قدم رسالته، ودفع مقابلها سنوات من عمره وموهبته ونضجه الفني، إذ حُرم لعقود من المنابر الرسمية في الإذاعة والتلفزيون إبان حكم عمر البشير، ووصل الأمر إلى التضييق على حفلاته العامة. لكنه ظل صامداً في السودان، قابضاً على الجمر، يقدم فنه ويوصل صوته إلى الناس، ولم يفلح أي حظر أو تضييق في تحجيمه أو إضعافه. بل العكس تماماً، ازدادت قوته وعمق تأثيره، حتى صار منافساً قوياً وفناناً مفضّلاً لدى فئة الشباب، حاضراً دوماً في احتفالات الخريجين وكرنفالاتهم".
وأضاف عبدالماجد: "مواقف أبو عركي تتناغم مع أغانيه وسلوكه ونهجه في الحياة، وهي ليست مجرد شعارات أو هتافات. وفي المقطع الأخير يظهر جزء من سلوكه الإيجابي الذي يبرهن على قدرته على الوصول إلى الجماهير، حتى وإن كان محروماً منها، تماماً كما كان في السابق".
وتابع الصحفي: "رأينا اليوم كيف ارتدى أبو عركي ثيابه وأسرع إلى المسرح القومي بأم درمان، مخترقاً شوارع المدينة الخاوية، ووقف يغني على أطلال المسرح لكراسي خالية، جمهور غائب، جدران متصدعة، أسقف مهزوزة، إضاءة منعدمة، وأجهزة صوت صماء لا ترن. باختصار، وقف بمسرح فقد كل مقومات الحياة، بل وحتى مقومات المسرح نفسها، وصار مأوى للخفافيش والبوم والغربان، ونسجت فيه العناكب، وتحول إلى مأوى للقطط والكلاب الضالة. إلا أن ذلك البؤس، لم يغل يد أبو عركي البخيت عن عاداته في الغناء، حتى وهو يقف على ما أصبح قاعاً صفصفاً".
وأنهى عبد الماجد حديثه لـ"العربية.نت" قائلاً: "في اعتقادي، استطاع أبو عركي إيصال رسالته بصدق وعمق. لكن يبقى السؤال: هل أدركنا نحن رسالته في استعادة أغنية "جدودنا زمان وصونا على الوطن"؟ وهل فهمنا وصية أجدادنا؟ هنا يظهر عمق الرسالة وقيمتها: فصوت أبو عركي البخيت كان أقوى من صوت البندقية والمدافع والمُسيرات وغيرها من الأصوات الصاخبة في خضم هذه الحرب، وقد استطاع هزيمتها - كما رأينا - بمسرح خالٍ من الحياة ومن الجمهور".
المصدر:
العربيّة