لم تعد أزمة نقص ذاكرة الوصول العشوائي (RAM) مجرد مشكلة تواجه مستخدمي أجهزة الكمبيوتر الذين يبحثون عن شرائح ذاكرة بأسعار معقولة، إذ بدأت تداعيات الأزمة تصل إلى شركات تصنيع الهواتف الذكية وأجهزة اللابتوب الأصغر حجماً، التي اضطرت إلى تغيير أساليب تصميم منتجاتها وتصنيعها وتسعيرها في محاولة للتعامل مع أزمة إمدادات قد تمتد حتى عام 2027 وربما إلى ما بعده.
وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن المشكلة لم تعد تقتصر على ارتفاع أسعار الذاكرة، بل أصبحت الشركات تواجه تحدياً أكثر أساسية يتمثل في تأمين كميات كافية من الرقائق لتصنيع أجهزتها من الأساس.
يرجع جانب من أزمة الإمدادات الحالية إلى توجه شركات تصنيع الذاكرة نحو إعطاء الأولوية للمنتجات الأعلى ربحية والمطلوبة بقوة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال شرائح DRAM التقليدية وغيرها من أنواع الذاكرة المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية تحت ضغوط كبيرة، بحسب تقرير نشره موقع "digitaltrends" واطلعت عليه "العربية Business".
وتتوقع شركة TrendForce ارتفاع أسعار عقود DRAM التقليدية بنسبة تتراوح بين 13% و18% خلال الربع الحالي، ورغم أن هذه الزيادة لا تزال كبيرة، فإنها تمثل تباطؤاً ملحوظاً مقارنة بالقفزة التي تراوحت بين 93% و98% في الربع الأول.
وفي مواجهة هذه الظروف، بدأت شركات مثل "Fairphone" و"Framework" و"Jolla" في تبني استراتيجيات مختلفة لتأمين احتياجاتها من الذاكرة.
واختارت "Fairphone" حتى الآن الإبقاء على أسعار منتجاتها دون تغيير رغم ارتفاع تكلفة المكونات.
أما "Framework"، فاتجهت إلى تقديم طلبات شراء غير قابلة للإلغاء في وقت أبكر بكثير من المعتاد، حتى قبل معرفة السعر النهائي أو موعد التسليم أو الكمية الدقيقة التي ستتمكن من الحصول عليها.
وتشبه هذه الخطوة، وفق التقرير، شراء احتياجاتك المنزلية قبل أشهر، على أمل ألا يؤدي التضخم لاحقاً إلى استنزاف ميزانيتك.
أما شركة Jolla، فقد اتخذت نهجاً أكثر ارتباطاً بتصميم الأجهزة نفسها، إذ طورت نسختين مختلفتين من اللوحات الأم بحيث يمكنها التبديل بين حزم الذاكرة المدمجة والشرائح المنفصلة، وفقاً لتوافر المكونات في السوق.
ولا تكتفي الشركة بذلك، إذ تجري اختبارات ضغط على عينات من كل شحنة جديدة تصل إليها للتأكد من أن شرائح الذاكرة الجديدة لم يتم تقديمها على أنها مكونات مجددة أو مستعملة.
وتستخدم "Framework" أيضاً فلسفة التصميم المعياري للتعامل مع الأزمة، إذ تتيح للمستخدمين تركيب شرائح ذاكرة يمكن إنقاذها من أجهزة قديمة واستخدامها في أجهزتها الجديدة.
وتتزايد التداعيات المالية للأزمة بصورة يصعب تجاهلها، إذ قال ريموند فان إيك، الرئيس التنفيذي لشركة Fairphone، لوكالة "رويترز"، إن الذاكرة يمكن أن تمثل ما يقرب من 60% من تكلفة مكونات الهواتف التي يبلغ سعرها نحو 400 دولار.
وبالتالي، تتعامل الشركات مع ارتفاع التكاليف بطرق مختلفة.
فبينما تقوم "Framework" بتعديل أسعار منتجاتها مع وصول تكاليف المكونات الجديدة، طرحت "Jolla" خيار ترقية الذاكرة مقابل رسوم إضافية، في حين قررت "Fairphone" حتى الآن عدم رفع أسعار أجهزتها.
وقد تصبح تداعيات الأزمة أكثر وضوحاً إذا استمرت لفترة أطول كما يتوقع بعض المسؤولين التنفيذيين في صناعة أشباه الموصلات.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة SK Hynix قد حذر في وقت سابق من أن 2027 قد يكون أسوأ عام للصناعة من حيث الإمدادات، مع احتمال استمرار تجاوز الطلب للقدرات الإنتاجية حتى ما بعد عام 2030.
وفي الوقت نفسه، توقعت شركة "كونتر بوينت" لأبحاث السوق انخفاض شحنات الهواتف الذكية بنسبة 13.9% خلال العام الحالي، مشيرة إلى أن ارتفاع تكاليف الذاكرة يمثل أحد العوامل التي تجعل إنتاج الهواتف منخفضة التكلفة بصورة مربحة أكثر صعوبة.
وبالنسبة للمستهلكين، قد تعني هذه الأزمة ارتفاع أسعار الأجهزة، وتراجع عدد الخيارات منخفضة التكلفة، وتقليص سعات الذاكرة المتاحة في بعض الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة.
أما بالنسبة للشركات الأصغر، فلم تعد المنافسة تقتصر على تصميم هاتف أو لابتوب جيد، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرتها على تأمين المكونات الأساسية اللازمة لتصنيع هذه الأجهزة في المقام الأول.
ومع استمرار الضغط على سوق الذاكرة، قد تصبح القدرة على تعديل تصميمات الأجهزة، وتأمين سلاسل الإمداد مسبقاً، وتحمل جزء من ارتفاع التكاليف، عوامل حاسمة في قدرة الشركات الصغيرة على مواصلة المنافسة في سوق التكنولوجيا.
المصدر:
العربيّة