في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع تقني واعد، بل بات ركنا من أركان القوة الاقتصادية والعسكرية والسيادية للدول الكبرى.
ومع استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ لإجراء محادثات في واشنطن لاحقا هذا الشهر بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، تتكشف صورة سوداوية لسباق تقني تتداخل فيه الرقائق والطاقة والحوسبة الفائقة مع حسابات التجسس والردع العسكري.
يكشف تقرير لمركز الأمن الأمريكي الجديد (CNAS)، تناولته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينية، أن بعض دوائر التفكير الأمني في واشنطن بدأت تناقش سيناريوهات استثنائية لمنع الصين من بلوغ "الذكاء الاصطناعي العام" (AGI) أولا.
والذكاء الاصطناعي العام هو نظام افتراضي قادر على تحقيق مستوى أداء بشري عبر طيف واسع من المهام.
ودعا جاكوب ستوكس، نائب مدير برنامج أمن المحيطين الهندي والهادي في المركز، المؤسسات الأمريكية -ومن بينها وزارة الحرب ووكالة الأمن القومي- إلى تقدير نوع المعلومات الاستخباراتية اللازمة لتبرير خيارات تتدرج من الأدوات الدبلوماسية إلى التجسس والعمليات السيبرانية، وصولا إلى الوسائل العسكرية.
وبحسب طرح ستوكس، ينبغي لصانع القرار أن يبدأ من الخصائص الفريدة للتكنولوجيا، على نحو يذكّر بكيفية انتقال التفكير الإستراتيجي في الحقبة النووية من فهم العلم إلى استنباط آثاره السياسية والأمنية، بحسب ما نقلته الصحيفة.
اللافت هو أن التقرير لا يتحدث عن ردود الفعل بعد تحقق الاختراق، وإنما يطرح فكرة النظر في إمكانية توجيه ضربات وقائية ضد مراكز البيانات التي يمكن أن تدرب أو تشغّل نظاما صينيا للذكاء الاصطناعي العام.
كما يناقش خيار إجراء هندسة عكسية للتقنية الصينية أو الحصول عليها استخباراتيا، باعتبار أن ذلك قد يجد -من وجهة نظر ستوكس- تبريرا قانونيا ومعياريا على خلفية اتهامات أمريكية سابقة لبكين بسرقة الملكية الفكرية.
إن توجيه ضربة لمراكز البيانات الصينية على أساس استخدامها المحتمل مستقبلاً، قد يشعل حربا مباشرة بين قوتين نوويتين، مع عواقب مأساوية على جميع الأطراف.
بواسطة وليام هارتونغ
هذا النوع من التفكير يكشف عن تحوّل جوهري في التعاطي مع مراكز البيانات التي لم تعد بنية مدنية محضة أو منشآت لخدمة التطبيقات التجارية، بل تُعامل تدريجيا كأصول إستراتيجية قد تؤثر في ميزان القوة.
فالقدرة على تدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها تعتمد على منظومة ضخمة من الرقائق، والطاقة، والتبريد، والشبكات؛ ومن ثمّ قد تصبح هذه البنية -في منطق التصعيد- هدفا عسكريا.
توضح صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" أن هذا المنطق يفتح الباب أمام مخاطر بالغة، وتنقل عن وليام هارتونغ، محلل شؤون التسلح في مشروع الرقابة الحكومية بواشنطن، تحذيره من أن ضرب مراكز بيانات صينية على أساس استخدامها المحتمل مستقبلا قد يشعل حربا مباشرة بين قوتين نوويتين، مع عواقب مأساوية على جميع الأطراف.
وتبرز هنا مفارقة خطيرة مفادها أنه كلما اعتُبر الذكاء الاصطناعي أصلا حاسما للأمن القومي، زادت قابلية البنية الرقمية والطاقة المرتبطة به للدخول في حسابات الردع والضربات الاستباقية.
وتشير تقديرات شركة "إيبوك إيه آي" -كما أوردها التقرير- إلى أن الولايات المتحدة تحتفظ بتقدم زمني يمتد لأشهر في نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. غير أن ستوكس يحذر من احتمال حدوث اختراق صيني مفاجئ، مستندا إلى تقدم الصين في الروبوتات والذكاء الاصطناعي المجسّد، أي الأنظمة التي تربط الإدراك والخوارزميات بالفعل في العالم المادي.
في المقابل، تنقل صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية الرواية من مستوى النماذج والخوارزميات إلى عنصر أقل بريقا، لكنه أكثر حسما يتمثل في الطاقة الكهربائية.
فمع تضخم أحجام النماذج، تصبح مسألة توفير طاقة رخيصة، مستقرة، وقابلة للنقل بكميات هائلة عاملا يحدد سرعة التدريب، وكلفة الاستدلال، وتمكين نشر الخدمات على نطاق واسع.
وتقدم الصحيفة مثالا من خلال قاعة "سوغون 8000" في مدينة تشنغتشو بمقاطعة خنان الصينية، التي تصفها بأنها أول مجمع حوسبة فائق للذكاء الاصطناعي صيني بالكامل، يضم 100 ألف بطاقة حوسبة، وإحدى العقد المهمة في شبكة الحوسبة الفائقة الوطنية.
تمتد المنشأة على نحو ألفي متر مربع فقط، وتعتمد نظام تبريد بالغمر بسائل متغير الطور، تقول الصحيفة إنه يرفع كفاءة استخدام الطاقة ويوجه معظم الكهرباء المستهلكة إلى الحوسبة بدلا من تبديدها في التخلص من الحرارة.
وتقول الصحيفة إن الطاقة الإنتاجية للمنشأة قد تغطي بين 5% و10% من الطلب الصيني المحلي على الرموز إذا خُصصت بالكامل للاستدلال.
وتربط "غلوبال تايمز" هذه الكفاءة بشبكة الكهرباء الصينية الموحدة، وشبكات نقل الطاقة فائق الجهد، وتوسع قواعد الطاقة المتجددة، مستشهدة بتصريح جانغ شياورونغ، مدير معهد أبحاث التكنولوجيا المتطورة في بكين، بأن هذه المنظومة تقدم حلا شاملا للطلب المتصاعد على الكهرباء في عصر الذكاء الاصطناعي، لأنها تسمح بنقل الطاقة من مناطق الإنتاج الرخيص إلى مراكز الأحمال والحوسبة عبر مسافات طويلة.
ويشير تقرير صحيفة غلوبال تايمز إلى أن مراكز الحوسبة في الصين قد استهلكت نحو 170 مليار كيلوواط/ساعة في عام 2025، أي ما يعادل 1.6% من إجمالي الاستهلاك الوطني، مع توقعات تقارب 800 مليار كيلوواط/ساعة بحلول عام 2030.
بينما استهلكت مراكز البيانات في الولايات المتحدة نحو 192 مليار كيلوواط/ساعة في عام 2024، بما يعادل 4.7% من الاستهلاك الوطني، وقد تصل في السيناريو المرجعي إلى 649 مليار كيلوواط/ساعة أو 11.8% من الكهرباء الأمريكية عام 2030.
وتقول الصحيفة إن التحدي الأمريكي ليس ندرة الطاقة المخصصة للاستهلاك السنوي فقط، بل صعوبة إيصالها بالكمية والجودة المطلوبتين إلى مراكز البيانات.
فالشبكة الأمريكية مقسمة إلى 3 وصلات رئيسية مستقلة نسبيا وتضم مئات المشغلين وشركات المرافق، في حين تتوقع شركة وود ماكنزي أن تلبي الشبكات الأمريكية نحو 28% فقط من طلبات ربط مراكز البيانات المسجلة، التي تتجاوز ألف غيغاواط، فضلا عن أن نحو 70% من خطوط النقل الأمريكية تعمل منذ أكثر من 25 عاما، وفق تقرير للجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين.
في الرواية الصينية، تتحول هذه الأزمات في الشبكة الأمريكية إلى ميزة تنافسية لبكين. فالكهرباء تشكل -بحسب خبراء القطاع الذين نقلت عنهم الصحيفة- أكثر من 60% من تكاليف تشغيل مراكز البيانات. ويقول شينغ هونغ ليه، المدير الأول لقطاع استشارات الطاقة المتجددة في شركة "يو إل سولوشينز"، إن انخفاض كلفة الكهرباء أحد أسباب قدرة النماذج الصينية على تقديم أسعار أقل بعدة مرات لكل مليون رمز مقارنة بنماذج أمريكية رائدة ذات جودة مقاسة متقاربة.
فالصدام المحتمل في سباق الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على من يصل "أولا" إلى نموذج أقوى فحسب، بل على من يملك القدرة على تشغيله وتوسيعه وحمايته.
ففي الوقت الذي تحافظ فيه الولايات المتحدة على تقدمها في أحدث رقائق التدريب ومنظومتها البرمجية، وسقف أداء نماذجها المغلقة المتقدمة، وكثافة رأس المال والكفاءات، تراهن الصين على الشبكة الكهربائية الوطنية الموحدة، والطاقة النظيفة، والنشر المحلي، وخفض كلفة الاستدلال.
وفي حين بينما يفترض أن تفتح محادثات ترمب وشي بابًا لحوكمة أكثر مسؤولية، فإن انتقال النقاش الأمريكي إلى احتمالات التجسس والضربات الوقائية يوضح أن السباق دخل منطقة خطرة قد تتحول فيها البنية الحاسوبية والطاقة من جسر للتواصل والتنافس الاقتصادي، إلى نقطة تماس مباشرة بين قوتين نوويتين إذا ما غابت قواعد التهدئة والضمانات المتبادلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة