بعد أن بلغ نبتون، أمس 26 سبتمبر/أيلول، موضع التقابل الفلكي مع الأرض، أصبح أبعد كواكب النظام الشمسي في أفضل ظروف رصده لهذا العام، رغم أنه يظل خافتا إلى درجة لا تسمح برؤيته بالعين المجردة. ففي هذه الحالة تكون الأرض بين الشمس ونبتون، فيظهر الكوكب مقابلا للشمس في السماء، وتبلغ المسافة بينه وبين الأرض نحو 28.88 وحدة فلكية، أي قرابة 4.32 مليار كيلومتر.
وفي هذه المناسبة، نسلط الضوء على الكوكب الأزرق، أبعد كواكب النظام الشمسي، الذي اكتُشف عام 1846 بفضل حسابات رياضية سبقت رؤيته بالتلسكوب، ويخفي في أعماقه عالما من الرياح العاتية والعواصف المتغيرة وربما أمطار الألماس.
لم يكتشف نبتون برؤية تلسكوبية مباشرة، بل بحسابات رياضية. فبعد اكتشاف أورانوس عام 1781، لاحظ الفلكيون أن حركته لا تتفق تماما مع الموقع المتوقع، فافترضوا وجود كوكب آخر تؤثر جاذبيته في مداره.
والمفارقة أن غاليليو كان قد رصد نبتون بالفعل عامي 1612 و1613، لكنه اعتقد أنه نجم بسبب محدودية تلسكوبه. وهكذا أصبح نبتون أول كوكب يُكتشف اعتمادا على التنبؤات الرياضية.
يقع نبتون على مسافة متوسطة تبلغ نحو 4.5 مليار كيلومتر من الشمس، ويحتاج إلى نحو 165 عاما لإكمال دورة واحدة حولها، ولذلك لم يمض منذ اكتشافه سوى عام نبتوني واحد تقريبا.
ويبلغ قطره نحو 49.5 ألف كيلومتر، أي نحو أربعة أضعاف قطر الأرض، ويصنف ضمن "العمالقة الجليدية" إلى جانب أورانوس. ويتكون غلافه الجوي أساسا من الهيدروجين والهيليوم، مع كمية من الميثان تمنحه لونه الأزرق المميز.
لكن خلف هذا المظهر الهادئ عالم شديد الاضطراب؛ إذ تهب على نبتون رياح تتجاوز سرعتها 2000 كيلومتر في الساعة، وهي من الأسرع المعروفة في النظام الشمسي. كما يمتلك 5 حلقات رئيسية خافتة وأقواسا كثيفة من الغبار، تثبت جاذبية أحد أقماره على شكل تجمعات بدلا من انتشارها حول الكوكب.
لم تقترب أي مركبة فضائية من نبتون سوى "فوياجر 2″، التي أطلقتها ناسا في أغسطس/آب 1977 ووصلت إلى الكوكب في 25 أغسطس/آب 1989، على مسافة نحو 4800 كيلومتر من قمم سحبه. وكان يومها أبعد كواكب المجموعة الشمسية خلف مدار كوكب بلوتو.
كما درست المركبة قمره الأكبر تريتون، الذي يدور حول الكوكب في اتجاه معاكس لدورانه، وهي سمة تشير إلى أنه جسم التقطته جاذبية نبتون في الماضي. وتشير الحسابات إلى أن تريتون يقترب تدريجيا من الكوكب، وقد تمزقه جاذبيته بعد نحو 3.6 مليار سنة، لتتشكل من حطامه حلقات جديدة.
أما في أعماق نبتون، فتشير نماذج علمية إلى ظروف قد تحول الكربون الناتج من تفكك الميثان إلى بلورات ألماس تهبط نحو الداخل، في ظاهرة تعرف بـ"أمطار الألماس".
يبلغ لمعان نبتون في المقابلة نحو القدر 7.8، ولذلك لا يمكن رؤيته بالعين المجردة. ولكن بمنظار ثنائي 10×50، وتحت سماء مظلمة، يمكن أن يظهر كنقطة خافتة مائلة إلى الأزرق الرمادي، تشبه نجما باهتا، ومع ذلك، فإن المنظار وحده لا يكفي عادة للتأكد من أنه نبتون، لأن قرصه صغير جدا.
أما باستخدام تلسكوب هاوٍ بفتحة 150 ملم (6 بوصات) أو أكثر، ومع تكبير مناسب، فيمكن تمييزه كـقرص صغير أزرق رمادي بدلا من نقطة نجمية. يبلغ قطره الظاهري قرب المقابلة نحو2.4 ثانية قوسية فقط، لذلك لا تتوقع رؤية تفاصيل الغلاف الجوي أو العواصف كما تظهر في صور المركبات الفضائية.
وفي سبتمبر/أيلول 2026 يتواجد نبتون في كوكبة الحوت، ويتميز هذا العام بوجود زحل قريبا منه بنحو 9 درجات، ما يجعل زحل علامة ممتازة للعثور عليه. الفكرة ليست أن توجه التلسكوب إلى نبتون مباشرة، بل تبدأ بجسم سهل التعرف عليه مثل زحل، ثم تنتقل باستخدام خريطة سماء أو تطبيق فلكي إلى منطقة نبتون.
ومنذ أمس 26 سبتمبر/أيلول، بدأ نبتون يظهر في السماء من الغروب وحتى الفجر، ويبلغ أعلى ارتفاع له في السماء قرب منتصف الليل المحلي. ومن الأفضل استخدام تطبيق فلكي أو خريطة دقيقة، لأن العثور عليه وسط النجوم الخافتة هو الجزء الأصعب من عملية الرصد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة