آخر الأخبار

"توأم" أبو الهول المدفون تحت هضبة الجيزة.. اكتشاف علمي أم تفسير مضلل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على هضبة الجيزة التي تضم أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع وتمثال أبي الهول العظيم، يقع تل منخفض من الرمال المتصلبة على مقربة كافية من تمثال أبي الهول بحيث يدعو إلى المقارنة معه، لكنه يبدو عاديا إلى درجة أن معظم الزوار قد يمرون بجواره دون أن يلقوا عليه نظرة ثانية.

وعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، أصبح هذا التل محور نزاع أثري جديد بعدما ادعى باحثون إيطاليون، كانوا قد أعلنوا عام 2025 عن اكتشاف مؤشرات على وجود منشآت واسعة النطاق أو مجمع ضخم في هذه المنطقة، أنهم تمكنوا من تحديد موقع تمثال ثانٍ لأبي الهول مدفون عميقا تحت رمال المنطقة الأثرية الشهيرة.

هذا الادعاء الذي يتبناه الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي، وهو مهندس متخصص في تقنيات الرادار وتطبيقاتها في الاستشعار عن بُعد والتصوير تحت الأرض، يحيي فكرة ظهرت بصور مختلفة على مدى سنوات، مفادها أن "توأما خفيا" لتمثال أبي الهول لا يزال مدفونا تحت الرمال في انتظار اكتشافه، وأن أهرامات الجيزة قد لا تكون سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد.

فرضية "أبي الهول الثاني"

كشف بيوندي عن هذه الفرضية المثيرة خلال ظهوره في بودكاست "مات بيال ليميتلس" "Matt Beall Limitless"، في مارس/ آذار الماضي، مدعيا أن فريقه رصد عبر عمليات مسح رادارية معتمدة على الأقمار الصناعية، إلى جانب تحليلات هندسية، أشكالا غير اعتيادية تحت رمال هضبة الجيزة.

في تعليقه على هذه المزاعم، يقول مدير إدارة آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار، الدكتور خالد سعد، إن "ما يُعرف بمنطقة هضبة الأهرامات ليست موقعا أثريا محدود المساحة، إذ تمتد على مساحة واسعة للغاية تبدأ من منطقة أبو رواش شمالا، مرورا بالجيزة وأبو صير وسقارة ودهشور، وصولا إلى ميدوم جنوبا، على امتداد يزيد على 28 كيلومترا، وتضم عددا هائلا من المواقع الأثرية".

ويوضح خالد في حديثه للجزيرة نت أنه "رغم الكم الهائل من الآثار الثابتة والمنقولة التي اُكتشفت في هذه المنطقة، فإننا لم نكشف حتى الآن سوى نسبة محدودة من محتواها الأثري المدفون تحت الأرض، والتي لا تتجاوز نحو 30% وفق بعض التقديرات.

إعلان

لكنه يشدد على أن "الانتقال من احتمال العثور على آثار جديدة في هذه المنطقة إلى الجزم بوجود تمثال ثانٍ لأبي الهول تحت الرمال أمر يحتاج إلى أدلة أثرية وعلمية موثقة"، مؤكدا أن "مثل هذه الفرضيات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق قبل إخضاعها للفحص العلمي المتخصص".

ويضيف أن أي "صور رادارية حقيقية تدعم هذه الفرضية ينبغي عرضها بشكل علمي على المتخصصين والرأي العام"، مشيرا إلى أن "مثل هذه الصور لم تُعرض حتى الآن على جموع الأثريين أو الباحثين المتخصصين بشكل يسمح بالتحقق من دقتها أو البناء عليها علميا".

ووفقا للباحث الإيطالي، الذي أكد عبر حسابه على "لينكد إن" أنه لم يعد يعمل بجامعة ستراثكلايد بأسكتلندا منذ سنوات، ويعمل حاليا بشكل مستقل، أظهرت صور الأقمار الصناعية لهضبة الجيزة وجود تل ظاهر على سطح الأرض، يبلغ ارتفاعه نحو 33 مترا تقريبا. وبحسب تفسيره، يتموضع هذا التل الكبير من الرمال وفق علاقة هندسية متناظرة مع تمثال أبي الهول والأهرامات المجاورة، زاعما أنه قد يخفي التمثال الافتراضي الثاني.

ويزعم بيوندي وفريقه أنهم توصلوا إلى هذه الفرضية بعد ملاحظة أن الخطوط الهندسية الممتدة من الأهرامات إلى تمثال أبي الهول المعروف تشير أيضا إلى تل مواز أو موقع آخر مطابق له على نحو انعكاسي، يُعتقد أن التمثال الثاني قد يكون مدفونا تحته، في صورة تشبه الأحجيات الأثرية التي تظهر في أفلام "إنديانا جونز".

ويفترض الباحث أن تمثال أبي الهول الأول يقع أسفل مستوى السطح المحيط بهذا التل الغامض قليلا، داخل منخفض سطحي ضحل، ولذلك فمن الممكن أن يكون تمثال أبي الهول الثاني مخفيا تحت هذا التل الأعلى ارتفاعا. ويقع هذا الموقع، وفقا لوصفه، خلف الهرم الأكبر للملك خوفو وبالقرب من هرم خفرع.

ويشير كذلك إلى أن التل يتكون من رمال متحجرة أو متماسكة، وليس من صخور الأساس الطبيعية، وهو ما يجعل – من وجهة نظره – احتمال احتوائه على بنية أثرية مدفونة داخله أكثر واقعية مقارنة بوجود طبقات صخرية صلبة يصعب اختراقها.

وللتحقق من هذه الفرضية، أجرى الفريق مسوحات متقدمة للمنطقة الواقعة أسفل تمثال أبي الهول الحالي والأهرامات الثلاثة والمنطقة الرابطة بين أبي الهول وهرم خفرع، ثاني أكبر أهرامات الجيزة، باستخدام تقنية رادارية تعتمد على الأقمار الصناعية وقادرة على رصد الاهتزازات الدقيقة في الأرض.

ووفقا للنتائج الأولية، كشفت بيانات الرادار عن مؤشرات على وجود آبار أو ممرات رأسية وأفقية تقع أسفل تل رملي مجاور، وتمتد في أعماق الأرض. كما أشار بيوندي إلى أن أعمق الآبار المكتشفة – بحسب تفسيره – تتفرع منها أنفاق جانبية تمتد في اتجاهات متعددة.

ووفقا لبيوندي، فإن هذه التكوينات تشبه بدرجة لافتة تلك التي يُعتقد أنها موجودة أسفل تمثال أبي الهول الحالي، ويرى أن هذا التشابه يمثل "تناظرا مذهلا" بين ما هو ظاهر على السطح وما يُحتمل وجوده في باطن الأرض.

ويقول خالد إن "الحديث عن وجود آبار رأسية أو فراغات تحت الأرض قد يكون مقبولا من حيث المبدأ إذا استند إلى قراءات رادارية، لكن تبقى مسألة تحديد طبيعتها: هل هي آبار منحوتة بفعل الإنسان أم تشققات وفوالق جيولوجية طبيعية؟ وهذه أمور لا يمكن الجزم بها من خلال الرادار وحده".

إعلان

ولا يقتصر الأمر – بحسب بيوندي – على احتمال وجود تمثال ثانٍ لأبي الهول، بل قد يشير إلى وجود شيء أكبر بكثير تحت رمال هضبة الجيزة، معتبرا أن هذه التراكيب تمثل دليلا على وجود ما وصفه بـ"بنية عملاقة تحت الأرض".

وقدر بيوندي بنفسه مستوى ثقته في صحة هذه الفرضية بنحو 80% مع استمرار أعمال التحليل والدراسة. وقد أسهم هذا الرقم، إلى جانب ضخامة ما وصفه من منشآت محتملة، في انتشار الادعاءات على الإنترنت.

ويشكك الخبير الأثري والمتخصص بعلم المصريات، الدكتور أحمد عامر، في هذا الاستنتاج، مدللا على ذلك بافتراض عالم المصريات البريطاني نيكولاس ريفز عام 2015 أن مقبرة الملكة نفرتيتي توجد خلف أحد جدران مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك، لكن ثبت عدم صحة النظرية التي بناها ريفز على صور رقمية عالية الدقة أظهرت خطوطا تشير إلى وجود ممرات وأبواب مغلقة، مرجحا أن المقبرة صُممت في الأصل لنفرتيتي، وأن وفاة توت عنخ آمون المفاجئة دفعت الكهنة لدفنه في الجزء الخارجي منها.

كما واجهت هذه الفرضية تشكيكا من أقرب المقربين، فحتى زميل بيوندي السابق، الباحث الإيطالي المستقل في مجال الآثار والحضارة المصرية، أرماندو ماي، الذي عمل معه سابقا في الأبحاث الأخيرة في هضبة الجيزة، رفضها علنا، كاشفا بذلك عن انقسام واضح بين الباحثين اللذين كانا عضوين في "مشروع خفرع البحثي" الذي انضم إليه في أواخر عام 2022 تقريبا، وأعلن في مارس/ آذار 2025 عن اكتشاف ما وصفه بآبار وغرف ضخمة تحت الأهرامات وتمثال أبي الهول.

ولا يعتقد ماي – الذي انسحب من المشروع في يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد أن توقف عن تلقي أي تحديثات تتعلق بتطورات المشروع منذ يونيو/ حزيران 2025 – بوجود نصب ثانٍ من هذا النوع على هضبة الجيزة، ويصف فرضية بيوندي بأنها "مجرد إعلانات قائمة على تكهنات"، وأن "هذا التفسير غير مدعوم علميا وغير دقيق"، موضحا أن موقفه يستند إلى عدة أنواع من الأدلة والتحليلات، تشمل الأدلة الأثرية والدراسات الهندسية والتحليلات الجيولوجية ونتائج التصوير المقطعي (التوموغرافي).

هندسة "التوأم المفقود"

لم يكن اسم بيوندي جديدا على الأعمال المرتبطة بهضبة الجيزة قبل ظهور هذا الادعاء. ففي عام 2022، نشر بالتعاون مع الباحث والأستاذ الجامعي السابق في قسم الكيمياء العضوية بجامعة بيزا الإيطالية، كورادو مالانغا – الذي اشتهر منذ سنوات باهتمامه بالأجسام الطائرة المجهولة والاتصال بالكائنات الفضائية – ورقة علمية في مجلة "ريموت سينسينغ" (Remote Sensing).

وقد عرضت تلك الدراسة منهجا للتصوير المقطعي الراداري باستخدام تقنية الرادار ذي الفتحة التركيبية (سار) (SAR) التي يتخصص فيها بيوندي، وهي نظام تصوير راداري متطور يُستخدم للحصول على صور دقيقة وعالية الدقة لسطح الأرض أو للأجسام، وتقوم على إرسال نبضات موجات دقيقة واستقبال ارتدادها. وتستخدم هذه التقنية حركة القمر الصناعي لإنشاء "هوائي افتراضي" ضخم، مما يتيح التقاط صور ثنائية وثلاثية الأبعاد عالية الدقة للأرض ليلا ونهارا، عبر الغيوم والأمطار والدخان.

وأشار الباحثان إلى أن هذه التقنية قادرة على إعادة بناء الهياكل الداخلية وتحت السطحية للهرم الأكبر بالاعتماد على بيانات الأقمار الصناعية مقترنة بالحركة الزلزالية الخلفية الطبيعية، لكن الورقة البحثية لم تتضمن أي إشارة إلى وجود تمثال ثانٍ لأبي الهول، بل اقتصرت على شرح منهجية المسح التي يُستشهد بها اليوم لدعم هذا الادعاء الأحدث والمستقل.

واستند بيوندي إلى "لوحة الحلم"، التي تُعرف أيضا باسم "لوحة أبي الهول"، بوصفها دليلا داعما لفكرة وجود "توأم مفقود". وترجع هذه اللوحة القديمة المصنوعة من حجر الجرانيت الوردي إلى عصر الأسرة الثامنة عشرة، وشُيدت في عهد الفرعون تحتمس الرابع، ووُضعت بين اليدين الممتدتين لتمثال أبي الهول الأمامية نحو عام 1400 قبل الميلاد، خلال فترة ازدهار الحضارة المصرية الحديثة.

إعلان

وفي حديثه للجزيرة نت، يشرح أحمد القصة وراء النقوش الموجودة على اللوحة، قائلا إنها "تمثل تخليدا لحلم راود تحتمس، فعندما كان أميرا شابا في عصر الدولة الحديثة، وكان يقوم ذات يوم بالصيد على هضبة الجيزة، أصابه التعب فلجأ إلى أبي الهول الذي كانت قد غطته رمال الصحراء، ولا يظهر منه سوى رأسه، وعندما غلبه النعاس، ظهر له أبو الهول في المنام، وبشَّره باعتلاء عرش مصر، وطلب منه أن يزيل فيما بعد ما تراكم عليه من رمال".

وقد اُستخدمت هذه الرواية تاريخيا لتأكيد الشرعية الإلهية وتبرير وصوله غير المتوقع إلى العرش، جامعة بين الدعاية السياسية والشرعية الدينية، كما وثقت بعض أعمال الترميم المبكرة للتمثال.

ووفق بعض القراءات، تبدو الصور المنقوشة على اللوحة الشهيرة وكأنها تصور تمثالين لأبي الهول بدلا من تمثال واحد، وهو ما قد يوحي بأن هذا الأثر الأسطوري كان له في الأصل توأم مماثل. وقد استشهد بيوندي بهذه الصور بوصفها دليلا داعما لفكرة وجود "توأم مفقود".

واستنادا إلى هذه الصور، قام بيوندي برسم خط يمتد من مركز هرم خفرع إلى تمثال أبي الهول الحالي. وأنتج هذا الخط – بحسب قوله – مسارا هندسيا دقيقا عبر الهضبة، اعتبره الفريق خطا مرجعيا انعكاسيا. وعندما طُبق الانعكاس الهندسي نفسه انطلاقا من مركز الهرم الأكبر المجاور، أشار الخط إلى موقع آخر على الجانب المقابل من الهضبة.

وبناء على هذا التفسير، يرى الباحث الإيطالي أن وجود تمثال ثانٍ ربما كان جزءا أصيلا من التصميم الرمزي للموقع منذ البداية. ويعتقد أن الرسوم المنقوشة على اللوحة قد تحمل معنى حرفيا أكثر مما يُعتقد عادة، وأن تصوير تمثالين لأبي الهول ربما لم يكن مجرد رمز ديني أو فني، بل إشارة إلى وجود معلمين أثريين حقيقيين.

لكن ماي – الذي يروج لنظريات تزعم أن أهرامات الجيزة وأبو الهول من بناء حضارة قديمة مندثرة منذ عشرات آلاف السنين، وليس المصريين القدماء – يرفض هذا الاستنتاج، مؤكدا أن المواقع التي اقترحها بيوندي لا تتوافق مع التخطيط المعروف لهضبة الجيزة، بل تقع – بحسب رأيه – خارج النظام المعماري القائم. كما يرى أن الخطوط الهندسية المستخدمة في النموذج البحثي قد رُسمت بعد اختيار نقاط اعتباطية على الهضبة، بدلا من أن تستند إلى معالم أثرية معروفة.

ويرى أن وجود تمثال أبي الهول ثان – إذا كان موجودا بالفعل – يجب أن يكون في موقع متناظر تماما مع التمثال الحالي ومنسجما مع التخطيط الدقيق لمجمع الجيزة، ويوضح أن أي تمثال مقابل لأبي الهول يجب أن يرتبط منطقيا بهرم خفرع والمعابد المحيطة والطرق الشعائرية، وهي عناصر أُنشئت وفق محاور هندسية صارمة وقابلة للقياس.

ويُذكر أن هذا التفسير متداول منذ سنوات في أوساط الآثار البديلة والنظريات غير التقليدية، وهو ما يفسر جزئيا سرعة انتشار الادعاء الجديد بمجرد وصوله إلى جمهور أوسع.

مصدر الصورة (شترستوك) لا توجد حتى الآن أي اكتشافات ميدانية أو أدلة مادية مؤكدة أو دراسات علمية محكمة في الموقع المزعوم

اعتراضات هندسية وجيولوجية

ورغم الانتشار الواسع لهذه الادعاءات، لا توجد حتى الآن أي اكتشافات ميدانية أو أدلة مادية مؤكدة أو دراسات علمية محكمة في الموقع المزعوم، تثبت وجود تمثال أبي الهول ثان أو "بنية عملاقة" تحت هضبة الجيزة.

كما لم تُجرَ أي حفريات في الموقع، ولم توافق السلطات المصرية على أي مشروع تنقيب يتعلق بهذا الادعاء، ولم تعلن عن أي اكتشاف من هذا النوع. كما أن الخلاف بين الباحثين أنفسهم يعكس أن المسألة ما تزال في إطار التفسيرات والفرضيات المتنازع عليها، وليست اكتشافا أثريا مؤكدا.

وفي مارس/ آذار الماضي، خلص تقرير لتقصي صحة المعلومات نشرته "نيوزويك" إلى عدم وجود أي دليل مؤكد على وجود تمثال ثانٍ في الجيزة. واعتبرت المجلة الأمريكية الادعاء الذي حظي بانتشار واسع يفتقر إلى السند العلمي، وصنفته ضمن المعلومات الزائفة.

ويتفق أحمد مع هذا التقييم، مؤكدا أن المعطيات المتاحة حتى الآن لا تشير إلى وجود تمثال آخر لأبي الهول بالحجم الضخم المعروف في الجيزة أو في أي موقع أثري آخر. ويشير إلى أن "هذه مجرد احتمالات ضعيفة لا ترقى لوجود تمثال آخر مدفون تحت الرمال، وربما تكون هذه تكوينات صخرية طبيعية تتشابه في بعض الزوايا كشكل لتمثال أبي الهول، وذلك لا ينفي إمكانية العثور على تماثيل لأبي الهول صغيرة الأحجام ومصنوعة من مواد متعددة سواء كانت من الحجر الجيري أو الجبس أو مواد أخرى".

إعلان

ويتفق مع ذلك خالد أيضا، مشيرا إلى أن التشابه الشكلي وحده لا يكفي لإثبات وجود أثر من صنع الإنسان، موضحا أن الطبيعة قادرة على إنتاج تكوينات صخرية تبدو للوهلة الأولى مشابهة لأشكال معروفة نتيجة عمليات التعرية والنحت الهوائي التي تتعرض لها الصخور عبر آلاف السنين.

ويضيف أن "مصر تضم عددا من الأمثلة الواضحة على هذه الظاهرة، من بينها التكوينات الصخرية المنتشرة في الصحراء البيضاء في واحة الفرافرة غرب مصر، وكذلك في منطقة وادي الجمال جنوب محافظة البحر الأحمر، وقرية بشندي في قلب الواحات الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، حيث أنتجت عوامل التعرية الطبيعية أشكالا يقترب بعضها من هيئة أبي الهول، رغم أنها لم تُنحت بواسطة الإنسان".

أما تمثال أبو الهول الحقيقي، فهو – كما يقول – نتاج تدخل بشري واضح ومباشر، حيث جرى نحت الصخر وتشكيله وإبراز ملامح الوجه وغطاء الرأس (النِمس) والذقن الملكية والنسب التشريحية الدقيقة للوجه والجسد. وما لم تتوافر هذه الأدلة الأثرية الواضحة في أي كتلة حجرية موجودة على هضبة الجيزة، فإن الادعاء بأنها تمثل تمثال أبي الهول آخر يظل بلا دليل علمي.

ويلفت ماي أيضا إلى أن هضبة الجيزة تتكون أساسا من طبقات من الحجر الجيري الكلسي المعروف باسم "الكالكارنيت". وتنتج عمليات التعرية الطبيعية في هذا النوع من الصخور تجاويف ونتوءات وأشكالا غير منتظمة. وقد تبدو هذه التكوينات أحيانا وكأنها من صنع الإنسان رغم أنها طبيعية بالكامل.

ويرى أن التل الذي يُعتقد أنه يخفي أبا الهول الثاني يتوافق مع هذه الأنماط الجيولوجية الطبيعية، ولا تظهر عليه أي علامات واضحة للنحت أو القطع أو التشكيل المعماري. واعتبر أن أي نظرية لا تنسجم مع هذا الإطار تشير غالبا إلى محاولة فرض أنماط هندسية على المشهد الطبيعي بدلا من اكتشاف بنى أثرية حقيقية.

وبعد مراجعة تفسيرات بيانات الرادار المتداولة على الإنترنت، أجمع خبراء في علم المصريات والجيوفيزياء أن هذه الاستنتاجات تستند إلى تفسيرات غير مؤكدة لبيانات الرادار أو إلى قراءات رمزية للفن المصري القديم، وأن إثباتها يتطلب أدلة ميدانية وأثرية مباشرة لم تُقدم حتى الآن. ولذلك، تبقى فكرة وجود تمثال ثانٍ تحت هضبة الجيزة مجرد فرضية وتكهن غير مثبت علميا، وليست اكتشافا معترفا به.

ورفض وزير الآثار المصري الأسبق الدكتور زاهي حواس ادعاءات مشابهة بصورة قاطعة، مؤكدا أن المنطقة المحيطة بالأهرامات وتمثال أبي الهول خضعت لدراسات وأعمال تنقيب مكثفة على أيدي أعداد كبيرة من علماء الآثار على مدى عقود دون العثور على أي شيء يشبه نصبا ثانيا من هذا النوع.

ووصف حواس الادعاءات المرتبطة بوجود "بنية عملاقة" تحت الأرض بأنها "اختلاقات لا تستند إلى أي أساس علمي"، وأن "الشائعات التي تتحدث عن وجود أعمدة أسفل هرم خفرع ليست سوى افتراءات يروج لها أشخاص ليست لديهم أي خبرة بالحضارة المصرية القديمة أو بتاريخ الأهرامات".

ويوضح أحمد أنه "من الطبيعي أن تخضع هذه المنطقة المهمة لأعمال المسح والدراسة الأثرية بصورة مستمرة، لكن لم يخرج أي عالم آثار متخصص ليؤكد وجود تمثال أبي الهول الثاني، ولذلك فإن هذه المزاعم تفتقر إلى الدقة العلمية". ويضيف: "نحن كأثريين نعتمد على النقوش والبرديات والشواهد الأثرية والأدلة الموثقة، لأن علم الآثار يقوم على القرائن القاطعة، وليس الافتراضات المجردة."

ويتابع: "لو كان هناك بالفعل تمثال ثانٍ بهذا الحجم والأهمية، لما غاب عن النقوش والسجلات الأثرية، خاصة أن أبا الهول يتمتع بمكانة رفيعة في الحضارة المصرية القديمة. كما أن البعثات الأثرية كشفت عبر العقود عن العديد من تماثيل أبي الهول الصغيرة في مواقع مختلفة، وهو ما يجعل من الصعب تصور وجود تمثال ضخم مماثل دون أن ترد إليه إشارة في النقوش أو المصادر القديمة، أو أن تكشفه الدراسات الأثرية والتقنيات الحديثة المستخدمة في الاستكشاف".

الادعاء تحت الاختبار العلمي

يشكك علماء المصريات الذين تحدثت إليهم "الجزيرة نت" في قدرة تقنيات الرادار والأقمار الصناعية المستخدمة على تقديم صور تفصيلية موثوقة لمنشآت ضخمة تقع على الأعماق التي يتحدث عنها أصحاب النظرية. فعادة ما تتمكن التقنيات الجيوفيزيائية، مثل أجهزة الرادار المخترقة للأرض والتحليل الزلزالي وتقنيات الاستشعار المماثلة من كشف معالم تقع على أعماق محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار تحت السطح، وليس آثارا منحوتة يُزعم أنها مدفونة على تصل إلى عشرات أو مئات الأمتار داخل طبقات كثيفة من الحجر الجيري.

وفي السياق ذاته، يوضح خالد أن "الصور الرادارية يمكن أن تساعد، من الناحية العلمية، في رصد بعض الفراغات أو التغيرات الموجودة في التكوين الجيولوجي للهضبة، كما يمكن أن تحدد بدرجة كبيرة حدود بعض المناطق الأثرية التي لم تخضع للحفر بعد. لكن لا يمكن الاعتماد عليها وحدها لإعلان اكتشاف أثر جديد".

ويضيف: "بعبارة أخرى، يمكنني استخدام البيانات الرادارية لتحديد مواقع يُحتمل أن تحتوي على آثار، وبالتالي توجيه أعمال الحفائر نحوها، لكن لا يمكن لصور الرادار أن تظهر التفاصيل النحتية للتماثيل أو ملامحها الفنية، وبالتالي لا يمكن استخدامها لإثبات وجود تمثال بعينه".

ويشير إلى أن استخدامه تقنيات الرادار في أعمال الحفائر الأثرية منذ سنوات طويلة، لكنها "لم تقدم يوما معلومات مباشرة عن طبيعة الأثر المدفون، ولم تعطنا صورة مباشرة للمحتوى الأثري الموجود تحت الأرض". مؤكدا أنه "لا يوجد، بحسب ما هو معروف علميا حتى الآن، أي جهاز رادار في العالم قادر على تقديم صورة دقيقة للأثر المدفون تحت الأرض بالشكل الذي يجري تداوله في هذه الادعاءات".

ويشدد على أن "التعرف على طبيعة الأثر يتم فقط أثناء أعمال التنقيب والحفر بواسطة الأثريين والمتخصصين. ولذلك فإن الادعاء بوجود صورة رادارية تظهر تمثال أبي الهول الثاني هو ادعاء لا يستند إلى أساس علمي صحيح".

أما فيما يتعلق بـ"لوحة الحلم"، فإن التفسير السائد لدى علماء المصريات يختلف جذريا عن تفسير أصحاب النظرية. فالغالبية العظمى من الباحثين ترى أن الصور المنقوشة على اللوحة ذات طبيعة رمزية ودينية، وليست خريطة أثرية أو تصويرا حرفيا لوجود تمثالين حقيقيين.

ويوضح أحمد أن "لوحة الحلم ليست دليلا على وجود أبي الهول الثاني المزعوم، نظرا لأن اللوحة أظهرت الملك وهو يقوم بتقديم القرابين لأبي الهول مرتين يمينا ويسارا، تحقيقا لمبدأ التناظر في الفن المصري قديما، وهو ما جعل البعض يعتقد بوجود تمثالين، أحدهما للشرق والآخر للغرب، لكن هذا يتعارض مع الواقع الميداني، حيث لم يتم تسجيل أي صدى لهذا الافتراض".

ويرفض ماي أيضا استنتاج بيوندي المعتمد بدرجة كبيرة على هذه اللوحة، مؤكدا أن صورها لا تمثل وصفا حرفيا للواقع. ويوضح أن تصوير تمثالين لأبي الهول يظهر أيضا في نصوص مصرية قديمة أخرى، ومن أبرزها الرسوم الموجودة داخل مقبرة رمسيس السادس.

ووفقا لقوله، كان التكرار في الفن المصري القديم وسيلة رمزية شائعة للتعبير عن مفاهيم ثنائية مثل الحياة والموت والميلاد الجديد والبعث والشرق والغرب، وليس بالضرورة إشارة إلى وجود تمثالين حقيقيين.

فيما يتعلق باستناد بيوندي إلى النقوش القديمة، وخاصة ما يتعلق بفكرة التماثيل المزدوجة، يقول خالد "من المعروف أن فكرة التناظر والازدواجية كانت حاضرة بقوة في الفن والعقيدة المصرية القديمة. كما عُرفت أشكال متعددة من التماثيل التي تمزج بين الهيئة البشرية والحيوانية، مثل تماثيل ذات رأس الإنسان وجسم الأسد، أو التماثيل ذات رأس الكبش وجسم الأسد، وغيرها من النماذج المعروفة في الحضارة المصرية القديمة".

ويشير إلى أن "الباحث اعتمد في تفسيره على بعض النقوش والرسوم الموجودة على اللوحات الأثرية، وهذا لا يكفي لإثبات وجود تمثال ثانٍ لأبي الهول".

كما يشير المتخصصون إلى أن النصوص المنقوشة على اللوحة نفسها لا تتضمن أي ذكر لوجود تمثال أبي الهول الثاني. ويؤكدون أن فرضية "التوأم المفقود" متداولة منذ عقود طويلة، لكنها لم تُدعَّم في أي وقت بأدلة أثرية موثوقة.

وعلى الرغم من هذه الانتقادات، أكد بيوندي أن العمل البحثي لا يزال مستمرا، وأن الفريق لا يزال يعمل على مقارنة الارتفاعات الدقيقة بين موقع أبي الهول المعروف والتل المذكور لمعرفة ما إذا كانت هناك علاقة متناسقة بينهما، وأن نتائج جديدة ستُكشف قريبا.

وأشار الباحث إلى أن فريقه بدأ بالفعل إعداد مقترح مشروع رسمي يمكن تقديمه إلى الجهات المصرية المختصة في حال الحصول على الموافقات اللازمة. ويتضمن المقترح دراسة عدد من الآبار الظاهرة بين تمثال أبي الهول وهرم خفرع.

ووفقا لقوله، فقد تم تحديد آبار عدة في المنطقة، من بينها بئر كبيرة تبدو مسدودة بالحطام والصخور المتراكمة. ويرى أن إزالة هذه العوائق ليست عملية معقدة من الناحية التقنية. وقد تسمح لفريقه بالوصول الآمن إلى البنى التحتية المفترضة، وربما إلى ما وصفه بأنه "شبكة واسعة من المنشآت تحت الأرض".

فرضية قديمة تتجدد

ليست هذه المرة الأولى التي تُطرح فيها فرضية وجود تمثال آخر لأبي الهول في الجيزة. فقد طرح عالم المصريات بسام الشماع هذه الفكرة قبل أكثر من عقد من الزمن، مستندا إلى نصوص وأساطير مصرية قديمة تتحدث عن صاعقة ضربت أبا الهول.

وافترض الشماع أن هذه الروايات قد ترمز إلى وجود تمثال ثان دُمر في زمن قديم، وربما ارتبط الأمر بلعنة أطلقها أحد كبار الآلهة المصرية.

وفي عام 2021، أشار تقرير نشره موقع "أنشأنت أوريغون" "Ancient Origins" إلى نسخة سابقة من هذه الفكرة تعود إلى الخبير الأثري رضا عبد الحليم، وهو مسؤول مصري في قطاع السياحة تولى رئاسة الإدارة المركزية للتوثيق الأثري بوزارة السياحة والآثار المصرية.

وزعم عبد الحليم آنذاك أن تمثالا يماثل أبا الهول العظيم في الحجم، ويبلغ ارتفاعه نحو 73 مترا، مدفون في منطقة قريبة. وقد لقي هذا الادعاء اهتماما مشابها في حينه قبل أن يتراجع حضوره الإعلامي تدريجيا.

وكان زاهي حواس قد رفض هذا الادعاء أيضا، مؤكدا أن تمثال أبي الهول العظيم أثر فريد من نوعه، وأنه لا توجد في الأوساط العلمية المتخصصة بعلم المصريات أي معرفة بالدراسة التي استند إليها عبد الحليم بوصفها دليلا.

كما وصف الأستاذ الدكتور محمد حمزة، الذي كان يشغل آنذاك منصب عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة، هذا الادعاء بأنه لا يستند إلى أي أساس علمي. وقد عكس تقييمه المستوى نفسه من التشكك الذي يواجه اليوم ادعاء بيوندي القائم على بيانات الرادار.

وفي تعليقه على هذا الطرح، يقول خالد إن "رأي الدكتور رضا يستند إلى وجود كتلة حجرية يرى أنها تشبه كتلة تمثال أبي الهول في منطقة هضبة الجيزة، وهذا رأي شخصي يتبناه استنادا إلى بعض أوجه التشابه الشكلية، لكن التشابه وحده لا يكفي لإثبات وجود تمثال أثري".

ويضيف أن "وصف أي كتلة حجرية بأنها تمثال أبي هول حقيقي يتطلب أدلة واضحة على تدخل بشري واضح ومباشر في نحتها وتشكيلها، سواء في الرأس أو الجسد أو تفاصيل الوجه أو الذقن الملكية أو غطاء الرأس الملكي (النِمس) أو حتى تفاصيل الأطراف والأظافر".

ويوضح أن "كل هذه العناصر تعد أدلة أثرية واضحة على تدخل الإنسان القديم في تشكيل الكتلة الحجرية وتحويلها إلى تمثال. وما لم تتوافر هذه الأدلة في أي كتلة حجرية موجودة على هضبة الجيزة، فإن الادعاء بأنها تمثل تمثال أبي الهول آخر يظل بلا دليل علمي. أما إذا كنا أمام تكوين صخري طبيعي يشبه هيئة أبي الهول، فهذا أمر موجود في أماكن كثيرة حول العالم وليس في الجيزة فقط".

وقد عادت القصة إلى دائرة الاهتمام بقوة بعد نشر صحيفة "ديلي ميل" البريطانية تقريرا يوحي بأن الباحثين "اكتشفوا" أو "رصدوا" تمثال أبي الهول ثانيا، بينما حقق أحد المنشورات المرتبطة بالقضية على منصة "إكس" نحو 10 ملايين مشاهدة، مما حول تفسيرا تقنيا لبيانات الرادار إلى قصة واسعة الانتشار خلال أيام قليلة من بث الحلقة.

ومنذ ذلك الحين، يواصل بيوندي الدفاع عن فرضيته، وما يزال مقتنعا بأن التمثال المفترض يقع تحت تل صغير ظاهر على سطح الهضبة، مؤكدا أن تحليلاته للصور القديمة وللعلاقات الهندسية في الموقع تشير إلى وجود تمثال توأم مدفون تحت الهضبة.

وفي تعليقه على ذلك، يقول أحمد "لا عجب أن يتمسك كثير من العلماء بافتراضاتهم النظرية، ويقتنعون بأفكارهم ما لم يتم إثبات عكس ذلك. فهناك علماء إيطاليون يفترضون وجود مدينة أسفل الأهرامات، ويزعم آخرون بوجود وادي ملوك ثان، وهناك من يقتنع بوجود قارة أطلانتس الأسطورية المفقودة أسفل أبو الهول، لكن ليس كل ما يقال صحيحا. هذا كلام لا يتماشى مع الافتراضات العلمية والأثرية، ولذلك نجد أن الكثير من المتخصصين في علم المصريات نفوا مثل هذه المعتقدات".

ويضيف أن "كل عالم يريد أن يثبت نظرياته بشتى الطرق، وقد يتم إثبات خطأ هذه النظريات بعد عشرات السنوات، بل وبعد وفاة أصحاب هذه النظريات".

وفي ختام حديثه، ينصح الخبير الأثري بالتعامل مع هذه الادعاءات بجدية، وبفحصها وتدقيقها جيدا، ومقارنة آراء العلماء المتخصصين، ووقتها سوف تصل إلى الرأي العلمي الصحيح بسهولة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار