في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل آلاف السنين، في شبه جزيرة يوكاتان بالمكسيك، بدأ الإنسان علاقة طويلة مع نبات سيغير لاحقا شكل الملابس والتجارة والزراعة في العالم: القطن، أو سيد المحاصيل كما وصفه الجغرافي المصري جمال حمدان.
لم يكن القطن وقتها محصولا عالميا، ولا مادة خام لصناعة ضخمة، بل نباتا بريا أو شبه بري، حساسا لطول النهار، محدود الإنتاج، وأليافه أقصر وأقل جودة من القطن الذي نعرفه اليوم.
في دراسة جينومية جديدة نشرت في 22 يونيو/حزيران في مجلة "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (Proceedings of the National Academy of Sciences) أعاد فريق بحثي دولي سرد هذه القصة من داخل الحمض النووي للنبات.
كشف الفريق أن القطن المرتفع أو قطن الأراضي العليا، المعروف علميا باسم "القطن النجدي" أو "القطن الزغبي" أو "القطن المكسيكي"، والذي يمثل نحو 90% من زراعة القطن عالميا، يرجع على الأرجح إلى أصل تدجين واحد، ثم مر بثلاث مراحل كبرى حولته تدريجيا إلى المحصول الحديث.
اعتمدت الدراسة على تحليل واسع لما يشبه "خريطة جينية كبرى" للقطن، شملت 2910 عينات من القطن وأقاربه، بينها 440 سلالة محلية من القطن الزغبي جرى تسلسلها حديثا. ومن خلال هذه البيانات، تتبع الباحثون الاختلافات الوراثية بين السلالات، وانتقال الجينات بينها، والصفات التي اختارها الإنسان عبر الزمن، مثل موعد الإزهار، وطول الألياف، ووزن البذور.
تشير النتائج إلى أن القصة بدأت من السلالة البرية أو شبه البرية المعروفة باسم "يوكاتاننس"، وهي الأقرب إلى الشكل القديم للقطن. ومن هذه البداية، دخل القطن رحلة طويلة من التدجين والانتشار. ففي المرحلة الأولى، قبل نحو 2800 عام، ظهرت سلالة "بونكتاتم" في مناطق من أمريكا الوسطى والجنوبية المدارية.
ثم جاءت مرحلة ثانية، قبل نحو 2600 عام، مع صعود سلالة "لاتيفوليوم"، التي يعتقد الباحثون أنها كانت أقرب أسلاف معظم أصناف القطن المزروعة الحديثة.
أما المرحلة الثالثة فكانت الأقرب إلى القطن الذي يزرعه العالم اليوم، حسب المؤلف المشارك في الدراسة، لويس رفائيل هيريرا، أستاذ علم جينوم النبات، في معهد علم الجينوم لتحمل المحاصيل للإجهاد اللاأحيائي، جامعة تكساس التقنية.
ويوضح الباحث في تصريحات للجزيرة نت، أنه خلال هذه المرحلة، اختار المزارعون نباتات تزهر في وقت أنسب، وتنتج أليافا أطول وأفضل، وتعطي محصولا أعلى. ولم يكن اختيار موعد الإزهار تفصيلا صغيرا؛ فالقطن القادم من المناطق المدارية كان شديد الحساسية لطول النهار، أي أنه يستجيب لعدد ساعات الضوء والظلام في اليوم. وهذه الصفة كانت تحد من زراعته في مناطق أبعد عن بيئته الأصلية.
ومع ظهور طفرات تساعد النبات على الإزهار في ظروف نهار مختلفة، أصبح القطن قادرا على الخروج من نطاقه المداري الأصلي إلى مناطق زراعية أوسع. أي أن القطن لم يصبح محصولا عالميا فقط لأن الإنسان نقله من مكان إلى آخر، بل لأن جيناته تغيرت بطريقة جعلته أكثر قدرة على التأقلم مع بيئات جديدة.
ومن أهم ما كشفت عنه الدراسة جين أطلق عليه الباحثون اسم "جي إتش تي أو إف دي 06″، يرتبط بتنظيم حساسية النبات للضوء وموعد الإزهار.
وتوضح التحليلات الجينومية أن النسخ المرتبطة بالإزهار المبكر أصبحت شائعة في الأصناف الحديثة، ما يشير إلى أن هذا الجين كان أحد المفاتيح التي سمحت بتوسع زراعة القطن عالميا.
لم تتوقف رحلة التدجين عند موعد الإزهار، إذ حدد الباحثون أيضا موقعا جينيا مرتبطا بطول الألياف، باسم "دي إتش إف إل دي 11″، وآخر مرتبطا بوزن البذور ومحصولها، باسم "جي إتش إس آي دي 05". وحسب لويس، فإن هذه الصفات ليست هامشية في تاريخ القطن؛ فطول الألياف يحدد جودة الخيوط والمنسوجات، بينما تؤثر البذور في الإنتاجية الاقتصادية للنبات، لأنها تستخدم في الغذاء والأعلاف والصناعات الأخرى.
ولفهم دور الجين الأخير بصورة أوضح، عطل الباحثون هذا الجين تجريبيا في نباتات قطن حديثة. وكانت النتيجة أن وزن البذرة الواحدة انخفض بنسبة 11.41%، كما تراجعت مساحة البذرة وطولها وعرضها. وهذا يجعل الجين هدفا واعدا في برامج تحسين القطن، ليس فقط من أجل إنتاج ألياف أفضل، بل أيضا لزيادة قيمة البذور نفسها.
يقول المؤلف المشارك في الدراسة: "تكشف الدراسة كيف عمل التدجين على أكثر من مستوى في الوقت نفسه. فالمزارعون القدماء لم يكونوا يعرفون أسماء الجينات، لكنهم كانوا يختارون النباتات التي تعطي نتائج أفضل: نباتات تزهر في الوقت المناسب، وتنتج أليافا أنفع، وبذورا أكبر أو أكثر قيمة. ومع تكرار هذا الاختيار عبر أجيال طويلة، تراكمت التغيرات في الجينوم حتى ظهر القطن المزروع الحديث"
كما وجد الباحثون أدلة على تدفق جيني طبيعي بين القطن الزغبي ونوع آخر هو القطن طويل التيلة، المعروف بجودة أليافه في بعض أصنافه. ويرى الباحثون أن هذا الخلط الجيني ربما أضاف تنوعا مهما إلى القطن، وساعد في ظهور صفات نافعة خلال مسار تدجينه وانتشاره.
رغم قوة النتائج، لا تخلو الدراسة من حدود؛ إذ اعتمد تحليل المتغيرات الجينية على جينوم مرجعي واحد، ما قد يؤدي إلى قدر من التحيز، ويجعل بعض الاختلافات البنيوية الخاصة بالسلالات البرية أو شبه المدجنة أقل وضوحا. كما أن بعض الجينات المرشحة، خصوصا المرتبطة بموعد الإزهار، تحتاج إلى تجارب وظيفية أعمق لتأكيد آليات عملها بدقة.
ومع ذلك، تقدم الدراسة أداة مهمة لفهم تاريخ القطن وتحسين مستقبله. فمعرفة الجينات المرتبطة بالإزهار المبكر، وطول الألياف، ووزن البذور، قد تساعد مربي النباتات على تطوير أصناف أكثر إنتاجية، وأفضل جودة، وأكثر قدرة على التكيف مع ظروف زراعية متغيرة، خصوصًا في ظل التغير المناخي والضغط المتزايد على الموارد الزراعية.
وقد مولت الدراسة من عدة جهات، بينها البرنامج الوطني الصيني للبحث والتطوير، والمؤسسة الوطنية للعلوم الطبيعية في الصين، وبرامج بحثية في شينجيانغ وهاينان وخنان، والأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية، إضافة إلى دعم جزئي من مؤسسة "كوتون إنكوربوريتد" ووزارة الزراعة الأمريكية. وأقر الباحثون بعدم وجود تضارب مصالح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة