احتضنت لوكسمبورغ احتفالية دولية بمناسبة "يوم الكويكبات" (Asteroid Day)، نظمتها "مؤسسة الكويكبات" بلوكسمبورغ بمشاركة علماء من وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، ووكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا)، ورواد فضاء وخبراء في الدفاع الكوكبي، لمناقشة سؤال لم يعد نظريا كما كان قبل سنوات: هل أصبحت البشرية قادرة بالفعل على حماية الأرض من اصطدام كويكب خطير؟
لكن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في الكويكبات العملاقة، بل في تلك الأصغر حجما التي قد تفاجئ الأرض دون إنذار كافٍ. ولهذا ركزت جلسات المهرجان على سؤال أكثر إلحاحا: هل تستطيع البشرية اكتشاف الأجرام الخطرة قبل أن تصبح في مسار اصطدام؟
وأوضح العلماء أن أكثر من 95% من الكويكبات العملاقة التي يزيد قطرها على كيلومتر واحد أصبحت معروفة، ومداراتها محسوبة بدقة، ولا يشكل أي منها خطرا على الأرض خلال القرون المقبلة.
أما مصدر القلق الحقيقي، فهو الكويكبات التي يتراوح قطرها بين 30 و140 مترا، فرغم صغرها النسبي فإنها قادرة على تدمير مدينة كاملة، كما حدث في انفجار تونغوسكا بسيبيريا عام 1908.
وأكد المتحدثون أن ملايين هذه الأجرام لا تزال مجهولة، لذلك أصبحت المراصد الآلية، والمسوح السماوية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي خط الدفاع الأول، لأن أفضل وسيلة لحماية الأرض ليست امتلاك وسائل اعتراض متطورة، بل اكتشاف الخطر قبل سنوات من وصوله.
كان عالم الكويكبات الفرنسي "باتريك ميشيل"، مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، وأحد أبرز علماء مهمة "هيرا" (Hera) التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، من أكثر المتحدثين حضورا في الندوة.
وأوضح أن مهمة "دارت" (DART) التابعة لناسا عام 2022 لم تكن مجرد تجربة فضائية، بل لحظة تاريخية أثبتت أن الإنسان يستطيع عمليا تغيير مدار كويكب في الفضاء، لكن المهمة لم تنتهِ بعد.
وهنا يأتي دور مسبار "هيرا" الأوروبي، المتوقع وصوله إلى نظام الكويكبين "ديديموس" و"ديمورفوس" أواخر عام 2026، لقياس حجم الفوهة التي خلفها اصطدام "دارت" في عام 2022، ودراسة البنية الداخلية للكويكب، ومعرفة لماذا استجاب للتصادم بهذه الطريقة.
وأشار ميشيل إلى أن فهم تركيب الكويكبات لا يقل أهمية عن معرفة مواقعها، لأن طريقة الدفاع عنها تعتمد على طبيعتها الداخلية؛ فالكويكب الصخري الصلب لا يتصرف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها كويكب هش يشبه كومة من الأنقاض المتماسكة بالجاذبية.
لم تقتصر الندوات على سيناريوهات الاصطدام، فقد ركز علماء الجيولوجيا الكونية على أن الكويكبات تمثل أقدم المواد التي بقيت منذ ولادة النظام الشمسي قبل نحو 4.6 مليار سنة.
ولهذا فإن كل عينة تعود بها المركبات الفضائية، مثل "هايابوسا-2" اليابانية أو "أوزيريس-ريكس" الأمريكية، تشبه فتح كبسولة زمنية تكشف الظروف التي تشكلت فيها الكواكب، وربما تفسر كيف وصلت المياه والمركبات العضوية الأولى إلى الأرض.
كما ناقش الخبراء مستقبل تعدين الكويكبات، إذ تحتوي بعض الأجرام على كميات كبيرة من النيكل والحديد والبلاتين، إضافة إلى جليد مائي يمكن مستقبلا تحويله إلى وقود من الهيدروجين والأكسجين، لدعم الرحلات إلى القمر والمريخ دون الحاجة إلى إطلاق كل الوقود من الأرض.
قبل 118 عاما، لم يكن أحد يعلم أن جسما سماويا يتجه نحو الأرض حتى انفجر فوق سيبيريا. أما اليوم، فقد تمكن العلماء من متابعة الكويكب "إن سي ون 1997" منذ اكتشافه عام 1997، وحساب مداره بدقة، والاستعداد لرصده بالرادار والتلسكوبات قبل مروره، بل واكتشاف أنه جسم ثنائي الفصوص يدور ببطء، دون أن يمثل أي خطر.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي خرجت بها ندوة يوم الكويكبات العالمي هذا العام: أننا لسنا قادرين على منع جميع الكويكبات من الوجود، لكننا أصبحنا نملك فرصة حقيقية لمنع الكارثة إذا اكتشفناها في الوقت المناسب.
لقد انتقلت البشرية خلال جيل واحد من مرحلة مراقبة السماء بخوف، إلى مرحلة التخطيط للدفاع عنها.
وبينما تواصل هذه الصخور رحلاتها الصامتة عبر الفضاء، يواصل الإنسان رحلته الأهم: أن يفهم الكون بما يكفي ليحمي موطنه الوحيد، وأن يحول المعرفة إلى خط الدفاع الأول عن كوكب الأرض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة