لم يكن عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي الشهير نيل تايسون يريد كتابة رواية عن غزو فضائي، ولا إعادة إنتاج سيناريوهات هوليوود المعتادة حيث تهبط الصحون الطائرة فوق المدن الكبرى قبل أن ينقذ العالم طيار أمريكي شجاع أو فيروس حاسوبي خارق.
ففي كتابه الجديد "خذني إلى زعيمك: وجهات نظر حول لقائك الفضائي الأول" (Take Me To Your Leader: Perspectives on Your First Alien Encounter) يحاول تايسون أن يجرد فكرة "الاتصال الأول" من الإثارة السينمائية، ويعيدها إلى أرض العلم والفيزياء والاحتمالات الكونية الواقعية.
يبدو الكتاب، الصادر عن دار "سايمون آند شوستر" للوهلة الأولى عملا خفيفا مليئا بالفكاهة والثقافة الشعبية، لكنه في العمق محاولة فلسفية وعلمية لفهم موقع الإنسان الحقيقي في الكون. وبالنسبة لتايسون، فإن السؤال ليس: "هل توجد كائنات فضائية؟"، بل: "كيف سيتغير وعينا بأنفسنا إذا اكتشفنا أننا لسنا وحدنا؟".
فأي حضارة تستطيع عبور المسافات بين النجوم لا بد أنها بلغت مستوى تقنيا يفوق البشرية بآلاف أو ملايين السنين. السفر بين النجوم يتطلب مصادر طاقة هائلة، ربما عبر التحكم بالزمكان، أو باستخدام المادة المضادة، أو عبر استغلال كامل طاقة نجم كما تفترض حضارات "كارداشيف" (Kardashev Civilizations).
واحدة من أكثر أفكار الكتاب إثارة تتمثل في سؤال التواصل. فالأفلام تفترض دائما وجود "مترجم كوني" يفك شفرة لغة الفضائيين فورا، لكن تايسون يرى أن هذا شبه مستحيل.
فاللغة البشرية مرتبطة ببيولوجيتنا، بأحبالنا الصوتية، وهواء الأرض، وتاريخنا وثقافتنا. أما الكائنات الفضائية فقد لا تمتلك أصلا أعضاء صوتية أو مفهوما مشابها للكلام. لذلك، يقترح أن تكون الرياضيات هي اللغة الوحيدة المشتركة الممكنة.
"قبل أن نبحث عن حضارات أخرى، علينا أولا أن نتعلم كيف نكون حضارة واحدة".
نيل تايسون
فالأعداد الأولية، وسرعة الضوء، والجاذبية، كلها حقائق كونية لا تتغير من مجرة إلى أخرى. لذا، فإن إرسال نبضات ثنائية عبر موجات الراديو أو الليزر قد يكون الطريقة الأكثر عقلانية لإثبات وجود ذكاء واعٍ.
لكن الفكرة الأعمق هنا أن التخاطب الكوني يتطلب من البشر التخلي مؤقتا عن كل حمولتهم الثقافية والسياسية والدينية، والعودة إلى "اللغة الخام للكون".
الجملة الشهيرة في أفلام الخيال العلمي "خذني إلى زعيمك" (Take me to your leader) تتحول عند تايسون إلى سؤال فلسفي ساخر. فإذا وصلت حضارة فضائية إلى الأرض فعلا، فمن سيمثل البشرية؟ الرئيس الأمريكي؟ أم الأمين العام للأمم المتحدة؟ أم البابا؟ أم نجمة بوب مثل تايلور سويفت؟
يرى تايسون أن السؤال نفسه يكشف هشاشة تصوراتنا عن السلطة، فمن منظور كوني، الحدود السياسية والحروب والهويات الوطنية تبدو تفاصيل صغيرة على "نقطة زرقاء باهتة" (pale blue dot) كما وصفها كارل ساغان سابقا.
ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن انقسامات البشر الحالية قد تكون السبب الذي يجعل أي حضارة متقدمة تختار تجاهلنا أصلا. فكيف يمكن لحضارة تجاوزت ندرة الموارد والصراعات الكوكبية أن تتواصل مع نوع لا يزال عاجزا عن التعايش على كوكب واحد؟
في مقدمة الكتاب، يعترف تايسون بأنه حلم منذ طفولته بأن تختطفه الكائنات الفضائية. ولم يكن الأمر رغبة في الهروب من الأرض، بل تعبيرا عن "فضول كوني" بدأ منذ زيارته إلى "قبة هايدن الفلكية" (Hayden Planetarium) في نيويورك.
لكن الكتاب لا يتحدث عن الفضائيين بقدر ما يتحدث عن البشر أنفسهم. ففكرة "الاتصال الأول" تتحول إلى مرآة ضخمة نرى فيها تناقضاتنا: خوفنا، وغرورنا، وحروبنا، وهوسنا بأن نكون مركز الكون.
يذكّر تايسون القارئ بأن العلم لا يقوم على شهادات العيان، بل على الأدلة، لذلك فهو لا يرفض احتمال وجود حياة ذكية خارج الأرض، بل يراه احتمالا منطقيا للغاية في كون يحتوي على تريليونات النجوم والكواكب، لكنه يرفض تحويل الجهل إلى يقين.
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أننا نبحث بجنون عن "الغرباء" بين النجوم، بينما لا نتوقف كثيرا عند فكرة أننا قد لا نكون وحدنا حتى على الأرض نفسها. فالبشر، عبر تاريخهم الطويل، آمنوا بوجود مخلوقات خفية: كالجن، والعفاريت، والأشباح، والكائنات غير المرئية التي تعيش "بيننا" دون أن نراها أو نفهم طبيعتها.
قد يرفض العلم الحديث هذه التصورات، أو يعيد تفسيرها نفسيا وثقافيا، لكن بقاءها في الوعي الإنساني الجمعي يطرح سؤالا مثيرا: لماذا لا نحسّ بهذه الكائنات إن كانت موجودة؟ ولماذا لا تغيّر نمط حياتنا أو تفرض سيطرتها علينا؟ ربما -كما يتخيل البعض- لأنها تعيش معنا بالفعل، وتعرف كيف تتجنب الاصطدام بنا.
وفي النهاية، سواء جاء الغرباء من أعماق المجرة، أو كانوا مختبئين في زوايا وعينا القديم، فإن رسالة تايسون تبقى واضحة: قبل أن نبحث عن حضارات أخرى، علينا أولا أن نتعلم كيف نكون حضارة واحدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة