في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يمر وقت طويل على استهداف مصافي النفط ومنشآته في إيران بغارات جوية نفذها سلاح الجو الإسرائيلي مساء السبت، حتى ظهر الأثر البيئي لهذا الهجوم سريعا في سماء طهران الأحد، متمثلا في ظاهرة "المطر الأسود"، فهل يمكن أن يمتد هذا الأثر إلى باقي دول المنطقة؟
قد يبدو النفي للوهلة الأولى هو الإجابة الصحيحة، اعتقادا بأن التأثير سيكون قاصرا على نطاق حدوث الاستهداف، لكن كثيرا من الدراسات التي تناولت تداعيات حرب الخليج الثانية قبل 35 عاماً، تشير إلى أن هذا السيناريو ليس مستبعدا.
وخلفت حرب الخليج الثانية تداعيات بيئية خطيرة استمرت لسنوات طويلة، وانعكست آثارها على صحة البشر، ومنهم الجنود الذين شاركوا في تلك الحرب، والذين أصيبوا بما بات يعرف علمياً باسم "متلازمة حرب الخليج"، وهي مجموعة من أعراض مزمنة أصابت عدة أجهزة بالجسم، ولم يكن لها سبب واحد واضح في البداية، لذلك وصفت بـ"المتلازمة".
وكان من أعراضها إرهاق شديد مزمن، صداع متكرر، آلام في العضلات والمفاصل، اضطرابات الذاكرة والتركيز، مشاكل النوم، اضطرابات في الجهاز الهضمي، مشاكل تنفسية، طفح جلدي أحياناً.
ولا تزال تلك المتلازمة تشغل اهتمام الباحثين والأطباء إلى الآن، وربطت دراسة نشرتها دورية "برين ساينس" (Brain Sciences) في فبراير/شباط من عام 2022 حدوثها بعدة عوامل محتملة، منها التعرض لدخان حرائق آبار النفط في الكويت، استنشاق الجسيمات الدقيقة والملوثات مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، والتعرض للمطر الأسود المحمل بالجسيمات الملوثة.
وإذا كانت الدراسات التي تناولت تلك المتلازمة ركزت على صحة الجنود الذين تواجدوا في محيط الأحداث، وأشارت دراسة منهم نشرتها دورية "ملتري مدسن" (Military Medicine) في فبراير/شباط 2020، إلى أن حوالي 25–32% من الجنود المشاركين في الحرب ظهرت لديهم أعراض منها بدرجات مختلفة، فإن دراسات وتقارير أخرى، كشفت أن مسبباتها، ومن بينها المطر الأسود، كانت عابرة للحدود، ولم تقتصر على النطاق المحلي.
ويحدث "المطر الأسود" بسبب وجود جسيمات دقيقة عالقة في قطرات الماء، فتصبغها باللون الأسود الداكن، وتبدأ هذه الظاهرة بانبعاث الجسيمات في الهواء مثل سخام الكربون الأسود، المركبات العضوية، المعادن الثقيلة، الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، نتيجة حرائق المنشآت النفطية أو حرائق الغابات أو حرق الوقود والمواد العضوية الأخرى، ثم تحمل الرياح هذه الجسيمات لمسافات طويلة، وتصل الخفيفة منها (مثل الدخان العضوي) إلى الطبقات العليا من الجو، بينما تبقى الثقيلة منها أقرب لسطح الأرض.
وأثناء مرور الهواء الملوث عبر مناطق رطبة، تختلط الجسيمات الدقيقة ببخار الماء في السحب، لتعمل كنوى تكاثف، أي نقطة يتجمع حولها الماء، لتتكون قطرات المطر الملوثة، وعندما تصبح هذه القطرات كبيرة بما يكفي، تسقط مع المطر، الذي تأخذ قطراته اللون الأسود أو البني الداكن.
وحدثت هذه التفاعلات سريعا، في سماء طهران ليهطل المطر الأسود بعد ساعات من الاستهداف الإسرائيلي لخزانات نفطية، لكن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول ليظهر هذا التأثير في دول المنطقة، وذلك اعتماداً على سرعة الرياح التي ستنقل تلك الجسيمات، وكذلك الارتفاع الذي ستصل له، حيث تزداد قدرة الرياح على نقلها لمسافات أطول وبسرعة أكبر، كلما وصلت إلى طبقات أعلى من الجو.
ويعيد التأثير السريع الذي حدث في سماء طهران خلال الحرب الحالية، إلى الأذهان ذكريات مريرة عندما رُصد في 25 فبراير/شباط 1991 مزيج لزج من المطر وملوثات حرائق النفط الكويتية في محافظات أضنة وهاتاي وشانلي أورفا جنوب شرق تركيا.
وهطل المطر الأسود لأكثر من 10 ساعات، مسببا اسمرار الأيدي وتلطيخ الملابس لمن كانوا في الخارج، حسبما أفادت حينها وكالة أسوشيتد برس.
ووفق تقرير نشره موقع "ذا وذر نتوورك" المتخصص في الشؤون البيئية، فقد ظهر دخان حرائق النفط في الكويت بعد أن قامت القوات العراقية بتفجير أكثر من 500 بئر نفط، ورُصد لأول مرة في صور الأقمار الصناعية المرئية في 8 فبراير/شباط 1991، وبلغ ذروته بين 22 و24 فبراير/شباط.
ويوضح التقرير ذاته، أن الدخان انجذب شمالا غربا إلى جنوب تركيا بفعل منطقة ضغط منخفض فوق شرق البحر الأبيض المتوسط، واحتوى الدخان على ثاني أكسيد الكبريت، وكبريتيد الهيدروجين، وأول أكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين، والسخام، وانتشر أحيانا في شرق شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك العاصمة السعودية الرياض وقطر، مخلفا رائحة كريهة وسماء ملبدة بالغيوم.
ويكشف التقرير أن المطر السام تغلغل في النظام البيئي التركي واستغرق ما يقارب 15-20 عاما ليختفي من الغلاف الجوي.
والنقطة الإيجابية عند إسقاط تجربة الماضي على الوضع الراهن، هي أننا لم نصل بعد لنفس معدل الاستهداف لآبار النفط الذي حدث في حرب الخليج الثانية، كما يقول الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب في تصريحات للجزيرة نت.
ووصلت معدلات الاستهداف في تلك الحرب كما قدرتها دراسة نشرتها دورية "نيتشر" إلى 3.9 مليون برميل نفط يوميا، وتم التوصل لهذا الرقم من خلال استخدام طائرات بحثية استطاعت قياس تدفق الكبريت في الدخان لتقدير كمية النفط المحترق.
وتسبب هذا المعدل المرتفع من حرق براميل النفط في حدوث أعمدة دخان ارتفعت من 3 إلى 5 كم في الغلاف الجوي، حيث تكون سرعة الرياح في هذا الارتفاع أعلى بكثير من سطح الأرض، وهذه الرياح حملت بدورها الجسيمات والسخام لمسافات طويلة، كما يوضح د. علام.
وقدرت دراسة أخرى نشرتها دورية "أتموسفيريك إنفايرنمنت" (Atmospheric Environment)، أن سرعة الرياح في الطبقات التي وصلتها سحابة الدخان، كانت حوالي 40–80 كم/ساعة، وهي سرعة إذا استمرت عدة أيام يمكن أن تنتقل السحابة ألفا إلى ألفي كم خلال 2–5 أيام، وكان ذلك كافيا لوصولها إلى تركيا وإيران وشرق المتوسط.
فهل سيكون ما حدث السبت الماضي من استهداف لمنشآت نفطية إيرانية مقدمة لسيناريو شبيه، لتكون المنطقة على موعد مع عودة متلازمة الخليج أم سيكون مجرد حدث عابر لن يتكرر مجددا؟
يقول علام: "ليس من مصلحة العالم أن يكون هذا السلوك استراتيجية ممتدة في تلك الحرب، لأن التداعيات البيئية يمكن أن تتخطى حدود الإقليم، إذا توفرت الظروف لنقل سحابة الدخان لمسافات أبعد، وهو ما حدث في سياقات أخرى تم توثيقها في دراسات بحثية".
ووثقت دراسة نشرها موقع "إي جي يو سفير" (EGUsphere)، وصول الجسيمات كبيرة الحجم والغنية بالكربون الناتجة عن حرائق الغابات الكندية في عام 2023 إلى أوروبا، لتكشف بذلك عن أن التأثير العابر للقارات يظل احتمالا قائما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة