آخر الأخبار

"قوة خفية" تحت المحيط الأطلسي شقت أخدودا بطول 500 كيلومتر

شارك

عادة ما تتشكل الأخاديد العميقة على اليابسة، مثل الأخدود العظيم (غراند كانيون)، تدريجيا، بفعل نحت الأنهار الجارية عبر أزمنة جيولوجية طويلة. أما في أعماق المحيط، فالأمر أكثر تعقيدا، إذ لا يوجد هذا النوع من الجريان السطحي المستمر القادر على نحت أودية في صخور صلبة.

ومع ذلك، تضم أعماق البحار تراكيب جيومورفولوجية هائلة تتجاوز في أبعادها أكبر الأخاديد القارية حجما. ومن بين أكثرها درامية مجمع أخدود الملك (كينغز تراف) الواقع على بعد يقارب ألف كيلومتر قبالة سواحل البرتغال، ويقع في طرفه الشرقي عمق بيك، إحدى أعمق النقاط في المحيط الأطلسي.

يوضح الجيولوجي البحري في مركز جيومار هلمهولتس لأبحاث المحيطات في مدينة كيل بألمانيا يورغ غيلدماخر أن "أخدود الملك أعمق وأعرض بكثير من الأخدود العظيم. ومع ذلك، فقد تشكل كل منهما بآليات مختلفة تماما، ولهذا فإن المقارنة بينهما -رغم كونها مفهومة إعلاميا- تبقى مبسطة للغاية من الناحية العلمية".

وقد بلغ الاهتمام بهذا التركيب الاستثنائي الغاطس حد أنه طُرح في وقت سابق بوصفه موقعا محتملا للتخلص من نفايات نووية تحت الماء، ولكن السؤال ظل قائما حول كيفية تشكل معلم بهذا الحجم في أعماق الأطلسي.

للإجابة، أبحر فريق دولي من الباحثين يقوده جيولوجيون من جيومار على متن سفينة الأبحاث ميتيور، وكشف الفريق، وللمرة الأولى، عن أدلة جديدة تفسر نشأة أحد أضخم الأخاديد المعروفة في هذا الموقع تحديدا، وتمكن من تحديد متى تشكل هذا الأخدود في قلب حوض محيطي.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة "جيوكيمستري، جيوفيزيكس، جيوسستيمز" (Geochemistry, Geophysics, Geosystems) الصادرة عن الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، وتقترح نتائجها أن الجواب يكمن في حلقة قصيرة لكنها درامية من تاريخ الأطلسي التكتوني، وتسلط الضوء على الترابط القوي بين الصفائح التكتونية البطيئة الحركة على السطح والنشاط الحراري المدفوع من أعماق الأرض.

مصدر الصورة استخدمت جرافة بسلسلة لجمع عينات صخرية من أعماق تصل إلى عدة آلاف من الأمتار (مركز جيومار هلمهولتس لأبحاث المحيطات)

مراحل تشكل أخدود الملك

لا يعد أخدود الملك واديا واحدا في قاع البحر، بل نظاما واسعا من الخنادق المتوازية والتلال البحرية والأحواض العميقة المنحوتة في القشرة المحيطية الممتدة لنحو 500 كيلومتر في قاع المحيط الأطلسي. وبمجموعها، تشكل هذه السمات أحد أكبر أنظمة الأخاديد الغاطسة على كوكب الأرض.

إعلان

ولا يميزه حجمه وحده، بل أيضا موقعه البعيد عن هوامش القارات وحدود الصفائح المعتادة، وهو ما جعل تفسيره تحديا طويل الأمد. فعلى مدى عقود، دار جدل علمي حول ما إذا كانت البراكين أو الفوالق أو حتى عمليات تعرية غير معروفة وراء هذا التشكل.

وتشير الدراسة إلى أنه بين نحو 37 و24 مليون عام مضت، مر الحد الصفائحي بين أفريقيا وأوروبا مباشرة عبر الموقع الذي يشغله أخدود الملك اليوم. وبدلاً من أن تنزلق إحدى الصفائح بمحاذاة الأخرى، تمددت القشرة الأرضية وتشققت مع تباعد الصفائح على طول هذا الحد، وانفتحت تدريجياً من الشرق إلى الغرب، قاطعة منطقة القشرة المحيطية المفرطة السماكة.

غير أن التوقيت ليس سوى جزء من القصة. فقد وجد الفريق أيضاً أن القشرة المحيطية في هذه المنطقة كانت غير اعتيادية حتى قبل انتقال الحد الصفائحي إليها بزمن طويل، إذ كانت أكثر سمكاً من القشرة المحيطية النموذجية، وتعرضت لتسخين شديد، وهي ظروف تغير سلوك الصخور تحت الإجهاد.

ويرجح غيلدماخر أن السبب الأكثر احتمالاً يُعزى إلى صعود مواد ساخنة من أعماق وشاح الأرض، فيما يُعرف بعمود الوشاح، يعمل كقناة طويلة الأمد لنقل الحرارة من أعماق الكوكب.

ويفسر المؤلف المشارك هذا الصعود بوصفه فرعاً مبكراً لما يُعرف اليوم بعمود وشاح جزر الأزور، ما أدى -على مدى الزمن الجيولوجي- إلى تكوّن قشرة محيطية مُثخنة على جانبي مراكز الانتشار.

في نهاية المطاف، قفزت حدود الصفائح التكتونية مرة أخرى إلى موقعها الحالي على طول منطقة صدع جزر الأزور-جبل طارق، فتوقف تعميق وتوسع أخدود الملك.

مصدر الصورة على متن مركبة ميتيور، يقوم عالم بقطع عينة صخرية مُستخرجة من مجمع أخدود الملك (فابيان هامبل – مركز جيومار هلمهولتس لأبحاث المحيطات)

نافذة لفهم ديناميات الأرض العميقة

استندت النتائج إلى بيانات جمعت خلال بعثة بحثية عام 2020، على متن سفينة أبحاث بطول 300 قدم، استُخدم فيها أنظمة سونار عالية الدقة لرسم خرائط تفصيلية للمنطقة، إضافة إلى جرافة بسلسلة لاستخراج عينات صخرية من عدة مواقع ضمن نظام الخنادق.

يقول غيلدماخر: "اعتمدنا على أخذ عينات من الصخور البركانية المستعادة من جوانب أخدود الملك وحوافه المرتفعة، ثم إجراء تحليلات جيوكيميائية لها، بما في ذلك دراسة تراكيب النظائر المشعة، إضافة إلى تحديد أعمار الصخور باستخدام تقنية التسخين الليزري المتدرج".

وأظهرت هذه الأرشيفات الصخرية كيف يمكن لقوى خفية في أعماق الأرض أن تنحت -بصبر جيولوجي- بعض أعظم مناظر الأرض الجيولوجية، حتى تلك المختبئة في أعماق المحيطات.

ولا يقدم أخدود الملك نافذة على ماضي الأطلسي فحسب، بل مثالاً جلياً على الترابط الوثيق بين العمليات العميقة في الوشاح وحركات الصفائح التكتونية التي تعلوه، وكيف يمكن لنشاط وشاحي سابق أن يوجه مواقع التشوه التكتوني اللاحق.

ولا تقتصر أهمية النتائج على إعادة بناء التاريخ الجيو-ديناميكي الأوسع للمحيط الأطلسي، بل تمتد إلى الحاضر، مشيرة إلى أن عمليات مماثلة تجري اليوم. ففي منطقة الأزور يتشكل حالياً نظام خنادق مماثل يُعرف باسم صدع تيرسيرا، وذلك في منطقة أخرى تتميز بقشرة محيطية سميكة على نحو غير مألوف، في تكرار معاصر لما صنع أخدود الملك قبل ملايين السنين.

إعلان

ويشير غيلدماخر إلى وجود أخاديد شديدة الانحدار مشابهة في مواقع أخرى من محيطات العالم، لكنها غالبا ما تكون أقل دراسة وتوثيقا من حيث العمليات التي أدت إلى تشكلها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار